وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4] يَقُولُ: وَنَارًا تُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ فَتَتَوَقَّدُ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِطَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ فِي أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ، وَهُوَ كُلُّ إِنَاءٍ كَانَ فِيهِ شَرَابٌ.
﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ [الإنسان: 5] يَقُولُ: كَانَ
مِزَاجُ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرَابِ.
﴿كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5] يَعْنِي: فِي طِيبِ رَائِحَتِهَا كَالْكَافُورِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْكَافُورَ اسْمٌ لِعَيْنِ مَاءٍ فِي الْجَنَّةِ؛ فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ، جَعَلَ نَصْبَ الْعَيْنِ عَلَى الرَّدِّ عَلَى الْكَافُورِ، تِبْيَانًا عَنْهُ، وَمَنْ جَعَلَ الْكَافُورَ صِفَةً لِلشَّرَابِ
نَصَبَهَا، أَعْنِي الْعَيْنَ عَنِ الْحَالِ، وَجَعَلَ خَبَرَ كَانَ قَوْلَهُ ﴿كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5] وَقَدْ يَجُوزُ نَصْبُ الْعَيْنُ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ نَصْبُهَا بِإِعْمَالِ يَشْرَبُونَ فِيهَا فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ، مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا.
وَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا نَصْبُهَا عَلَى الْمَدْحِ.
فَأَمَّا عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْكَافُورُ صِفَةٌ لِلشَّرَابِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5] قَالَ: تُمْزَجُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5] قَالَ: قَوْمٌ تُمْزَجُ لَهُمْ بِالْكَافُورِ، وَتُخْتَمُ لَهُمْ بِالْمِسْكِ
وَقَوْلُهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَانَ مِزَاجُ الْكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُ بِهَا هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارِ كَالْكَافُورِ فِي طِيبِ رَائِحَتِهِ مِنْ عَيْنٍ يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ.
وَالْعَيْنُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي مِزَاجِهَا وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] يُرْوَى بِهَا وَيَنْتَفِعُ.
وَقِيلَ: يُشْرَبُ بِهَا وَيَشْرَبُهَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْشَدَهُ:
[البحر الطويل]
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: مَتَى لُجَجٍ مِنْ، وَمِثْلُهُ: إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ حَسَنٍ، وَيَتَكَلَّمُ كَلَامًا حَسَنًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يُفَجِّرُونَ تِلْكَ الْعَيْنَ الَّتِي يَشْرَبُونَ بِهَا كَيْفَ شَاءُوا وَحَيْثُ شَاءُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَقُصُورِهِمْ تَفْجِيرًا، وَيَعْنِي بِالتَّفْجِيرِ: الْإِسَالَةَ وَالْإِجْرَاءَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6] قَالَ: يُعَدِّلُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6] قَالَ: يَقُودُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6] قَالَ: مُسْتَقِيدٌ مَاؤُهَا لَهُمْ يُفَجِّرُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6] قَالَ: يُصَرِّفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الْأَبْرَارَ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا، بَرُّوا بِوَفَائِهِمْ لِلَّهِ
بِالنُّذُورِ الَّتِي كَانُوا يَنْذِرُونَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] قَالَ: إِذَا نَذَرُوا فِي حَقِّ اللَّهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] قَالَ: كَانُوا يَنْذُرُونَ طَاعَةَ اللَّهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْأَبْرَارَ، فَقَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] قَالَ: بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَبِالصَّلَاةِ، وَبِالْحَجِّ، وَبِالْعُمْرَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، قَوْلُهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] قَالَ: فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اجْتُزِئَ بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَهُوَ كَانَ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا، كَانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، فَتَرَكَ ذِكْرَ كَانُوا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا؛ وَالنَّذْرُ: هُوَ كُلُّ مَا أَوْجَبَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ فِعْلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
[البحر الكامل]
الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتُمْهُمَا ... وَالنَّاذِرِينَ إِذَا لَمَ الْقَهُمَا دَمِي
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَخَافُونَ عِقَابَ اللَّهِ بِتَرْكِهِمُ الْوَفَاءَ بِمَا نَذَرُوا لِلَّهِ مِنْ بِرٍّ فِي يَوْمٍ كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا، مُمْتَدًّا طَوِيلًا فَاشِيًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7] اسْتَطَارُوا اللَّهَ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى مَلَأَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَمَّا رَجُلٌ يَقُولُ عَلَيْهِ نَذْرٌ أَنْ لَا يَصِلَ رَحِمًا، وَلَا يَتَصَدَّقَ، وَلَا يَصْنَعَ خَيْرًا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ، وَيَأْتِيَ ذَلِكَ،
وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَطَارَ الصَّدْعُ فِي الزُّجَاجَةِ وَاسْتَطَالَ: إِذَا امْتَدَّ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْحَائِطِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر المتقارب] فَبَانَتْ وَقَدْ أَثْأَرَتْ فِي الْفُؤَا ... دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيَهَا مُسْتَطِيرَا يَعْنِي: مُمْتَدًّا فَاشِيًا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارُ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِمْ إِيَّاهُ، وَشَهْوَتِهِمْ لَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] قَالَ: وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْعُرْيَانِ، قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ قَيْسٍ أَبَا مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: 8] قَالَ: عَلَى حُبِّهِمْ لِلطَّعَامِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] : ذَوِي الْحَاجَةِ الَّذِينَ قَدْ أَذَلَّتْهُمُ الْحَاجَةُ ﴿وَيَتِيمًا﴾ [الإنسان: 8] وَهُوَ الطِّفْلُ الَّذِي قَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] وَهُوَ الْحَرْبِيُّ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ قَهْرًا بِالْغَلَبَةِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ يُؤْخَذُ فَيُحْبَسُ
بِحَقٍّ؛ فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارِ بِإِطْعَامِهِمْ هَؤُلَاءِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ وَطَلَبَ رِضَاهُ، وَرَحْمَةً مِنْهُمْ لَهُمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِمَا: حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] قَالَ: لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْأُسَرَاءِ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّ أَسْرَاهُمْ يَوْمَئِذٍ لِأَهْلُ الشِّرْكِ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] قَالَ: كَانَ أَسْرَاهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُشْرِكُ، وَأَخُوكَ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ أَنْ تُطْعِمَهُ
قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، أَنَّ عِكْرِمَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] زَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْأَسْرَى فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْمُشْرِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] قَالَ: مَا كَانَ أَسْرَاهُمْ إِلَّا الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: الْمَسْجُونُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: الْأَسِيرُ: الْمَسْجُونُ
حَدَّثَنِي أَبُو شَيْبَةَ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: ثني أَبِي عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: ثني عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَسَأَلْتُ عَطَاءً، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، ثنا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ عِيسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] قَالَ: الْأَسِيرَ: هُوَ الْمَحْبُوسُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُطْعِمُونَ الْأَسِيرَ، وَالْأَسِيرُ الَّذِي قَدْ وَصَفْتُ صِفَتَهُ؛ وَاسْمُ الْأَسِيرِ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَقَدْ عَمَّ الْخَبَرُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُطْعِمُونَهُمْ، فَالْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَخُصَّهُ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَسِيرٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا أَهْلُ الشِّرْكِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَلَمْ يُخَصَّصْ بِالْخَبَرِ الْمُوفُونَ بِالنَّذْرِ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ كُلِّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ يَوْمَئِذٍ وَبَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ مَعْنَيٌّ بِهِ أَسِيرُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَقُولُونَ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ إِذَا هُمْ أَطْعَمُوهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، يَعْنُونَ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ، وَالْقُرْبَةَ إِلَيْهِ.
﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] يَقُولُونَ لِلَّذِينَ يُطْعِمُونَهُمْ ذَلِكَ الطَّعَامَ: لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى إِطْعَامِنَاكُمْ ثَوَابًا وَلَا شُكُورًا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] وَجْهَانِ مِنَ الْمَعْنَى: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ جَمْعَ الشُّكْرِ كَمَا الْفُلُوسُ جَمْعُ فُلْسٍ، وَالْكُفُورُ جَمْعُ كُفْرٍ.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَاحِدًا فِي
مَعْنَى جَمْعٍ، كَمَا يُقَالُ: قَعَدَ قُعُودًا، وَخَرَجَ خُرُوجًا.
وَقَدْ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ مَا تَكَلَّمُوا بِهِ، وَلَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَأَثْنَى بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَطْعَمُوهُ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ: مَا نُطْعِمُكُمْ طَعَامًا نَطْلُبُ مِنْكُمْ عِوَضًا عَلَى
إِطْعَامِنَاكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، وَلَكِنَّا نُطْعِمُكُمْ رَجَاءً مِنَّا أَنْ يُؤَمِّنَنَا رَبُّنَا مِنْ عُقُوبَتِهِ فِي يَوْمٍ شَدِيدٍ هَوْلُهُ، عَظِيمٍ أَمْرُهُ، تَعْبَسُ فِيهِ الْوُجُوهُ مِنْ شِدَّةِ مَكَارِهِهِ، وَيَطُولُ بَلَاءُ أَهْلِهِ، وَيَشْتَدُّ.
وَالْقَمْطَرِيرُ: هُوَ الشَّدِيدُ، يُقَالُ: هُوَ يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ، أَوْ يَوْمٌ قَمَاطِرُ، وَيَوْمٌ عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ، وَقَدْ اقْمَطَرَّ الْيَوْمُ يَقْمَطِرُّ اقْمِطْرَارًا، وَذَلِكَ أَشَدُّ الْأَيَّامِ وَأَطْوَلُهُ فِي الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
[البحر الطويل]
بَنِي عَمِّنَا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلَاءَنَا ... عَلَيْكُمْ إِذَا مَا كَانَ يَوْمٌ قُمَاطِرُ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الْعِبَارَةِ عَنْ مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يَعْبَسَ أَحَدُهُمْ، فَيَقْبِضُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الْقَطْرَانِ.