تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 179-188

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَرْضُ اللَّهِ فَسِيحَةٌ وَاسِعَةٌ، فَهَاجِرُوا مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ

صفحات 179-188
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَرْضُ اللَّهُ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: 10] «فَهَاجِرُوا وَاعْتَزِلُوا الْأَوْثَانَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا يَعْطِي اللَّهُ أَهْلَ الصَّبْرِ عَلَى مَا لَقُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا أَجْرَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ يَقُولُ: ثَوَابُهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] «لَا وَاللَّهِ مَا هُنَاكُمْ مِكْيَالٌ وَلَا مِيزَانٌ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصَا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَعْبُدَهُ مُفْرِدًا لَهُ الطَّاعَةَ، دُونَ كُلِّ

مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: 12] : يَقُولُ: وَأَمَرَنِي رَبِّي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ، لِأَنْ أَكُونَ بِفِعْلِ ذَلِكَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ، فَخَضَعَ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَخْلَصَ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَبَرِئَ مِنْ كُلِّ مَا دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ عِبَادَتِهِ، مُخْلِصَا لَهُ الطَّاعَةَ، وَمُفْرِدَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15] : يَعْنِي عَذَابَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ذَلِكَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعْظُمُ هَوْلُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي

قَوْمِكَ: اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا، مُفْرِدًا لَهُ طَاعَتِي وَعِبَادَتِي، لَا أَجْعَلُ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكًا، وَلَكِنِّي أُفْرِدُهُ بِالْأُلُوهَةِ، وَأَبْرَأُ مِمَّا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ، فَاعْبُدُوا أَنْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مَا شِئْتُمْ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ، فَسَتَعْلَمُونَ وَبَالَ عَاقِبَةِ عِبَادَتِكُمْ ذَلِكَ إِذَا لَقِيتُمْ رَبَّكُمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ: إِنَّ الْهَالِكِينَ الَّذِينَ غَبِنُوا أَنْفُسَهُمْ، وَهَلَكَتْ بِعَذَابِ اللَّهِ أَهْلُوهُمْ مَعَ أَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِذْ دَخَلُوا النَّارَ فِيهَا أَهْلٌ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَهْلُونَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 15] قَالَ: " هُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ، وَخَلَقَ النَّارَ لَهُمْ، فَزَالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيَا، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 15] قَالَ: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ النَّارِ، خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَخَسِرُوا الْأَهْلِينَ، فَلَمْ يَجِدُوا فِي النَّارِ أَهْلًا، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَهْلٌ»

حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " غَبِنُوا أَنْفُسَهُمْ

وَأَهْلِيهِمْ، قَالَ: يَخْسَرُونَ أَهْلِيهِمْ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَهْلٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ، وَيَخْسَرُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَيُهْلَكُونَ فِي النَّارِ، فَيَمُوتُونَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ فَيَخْسَرُونَهُمَا "

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ خُسْرَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ هَلَاكُهَا هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هُوَ الْهَلَاكُ الَّذِي يَبِينُ لِمَنْ عَايَنَهُ وَعَلِمَهُ أَنَّهُ الْخُسْرَانُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْخَاسِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي جَهَنَّمَ: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ [الزمر: 16] وَذَلِكَ كَهَيْئَةِ الظُّلَلِ الْمَبْنِيَّةِ مِنَ النَّارِ ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: 16] يَقُولُ: وَمَنْ تَحْتِهِمْ مِنَ النَّارِ مَا يَعْلُوهُمْ، حَتَّى يَصِيرَ مَا يَعْلُوهُمْ مِنْهَا مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلًا، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: ﴿مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] يَغْشَاهُمْ مِمَّا تَحْتَهُمْ فِيهَا مِنَ الْمِهَادِ

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِهِ، مِمَّا لِلْخَاسِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ، تَخْوِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ لَكُمْ، يُخَوِّفُكُمْ بِهِ لِتَحْذَرُوهُ، فَتَجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ، وَتُنِيبُوا مِنْ كُفْرِكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ

بِهِ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَتَنْجُوا مِنْ عَذَابِهِ فِي الْآخِرَةِ ﴿فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: 41] يَقُولُ: فَاتَّقُونِي بِأَدَاءِ فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيِّ، لِتَنْجُوا مِنْ عَذَابِي وَسَخَطِي

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [الزمر: 17] أَيِ اجْتَنَبُوا عِبَادَةَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنِ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطَّاغُوتِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الشَّيْطَانُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ

بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [الزمر: 17] قَالَ: «الشَّيْطَانَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: 17] قَالَ: «الشَّيْطَانُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: 17] قَالَ: «الشَّيْطَانُ هُوَ هَاهُنَا وَاحِدٌ وَهِيَ جَمَاعَةٌ»

وَالطَّاغُوتُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ هَذَا وَاحِدٌ مُؤَنَّثٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: أَنْ يَعْبُدُوهَا وَقِيلَ: إِنَّمَا أُنِّثَتْ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى جَمَاعَةٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: 17] يَقُولُ: وَتَابُوا إِلَى اللَّهِ وَرَجَعُوا إِلَى الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: 17] : «وَأَقْبَلُوا إِلَى اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: 17] قَالَ: «أَجَابُوا إِلَيْهِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس: 64] يَقُولُ: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا بِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: 18] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ عِبَادِيَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ مِنَ الْقَائِلِينَ، فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ، وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ،

وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى رَشَادٍ، وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَادٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] " وَأَحْسَنَهُ طَاعَةً: اللَّهَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] قَالَ: «أَحْسَنَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْلَمُونَ بِهِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، يَقُولُ: وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلرَّشَادِ وَإِصَابَةِ الصَّوَابِ، لَا الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، وَيَعْبُدُونَ مَا لَا يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَعْنِي: أُولُو الْعُقُولِ وَالْحِجَا وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ مَعْرُوفِينَ وَحَّدُوا اللَّهَ، وَبَرِئُوا مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا دُونَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ يَمْدَحُهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا.
. .﴾ [الزمر: 17] الْآيَتَيْنِ " حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، نَزَلَ فِيهِمْ ": ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: 17] فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا نَبِيٍّ» ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: 20] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: 19] : أَفَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ

فِي سَابِقِ عِلْمِ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ بِكُفْرِهِ بِهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: 19] «بِكُفْرِهِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ يَا مُحَمَّدُ مَنْ هُوَ فِي النَّارِ مَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، فَأَنْتَ تُنْقِذُهُ؛ فَاسْتَغْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: 19] عَنْ هَذَا وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: هَذَا مِمَّا يُرَادُ بِهِ اسْتِفْهَامٌ وَاحِدٌ،

فَيَسْبِقُ الِاسْتِفْهَامُ إِلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَيُرَدُّ الِاسْتِفْهَامُ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ لَهُ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: 35] فَرَدَّدَ أَنَّكُمْ مَرَّتَيْنِ وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ إِذَا مِتُّمْ؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: 188] وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَسْتَخْطِئُ الْقَوْلَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ، وَيَقُولُ: لَا تَكُونُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: 19] كِنَايَةً عَمَّنْ تَقَدَّمَ، لَا يُقَالُ:

الْقَوْمُ ضَرَبْتُ مَنْ قَامَ، يَقُولُ: الْمَعْنَى: أَلِتَجْرِئَةٍ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلِمَةِ: أَفَأَنْتَ تَهْدِي يَا مُحَمَّدُ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَتَنْقِذُهُ مِنَ النَّارِ بِالْإِيمَانِ؟ لَسْتَ عَلَى ذَلِكَ بِقَادِرٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقُوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقُوا رَبَّهُمْ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَالِيُّ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِ جَنَّاتِهَا الْأَنْهَارُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهِ﴾ [النساء: 95] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَعْدُنَا هَذِهِ الْغُرَفَ الَّتِي مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ فِي الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: 20] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُهُمْ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّهُ يُوفِي بِوَعْدِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] يَا مُحَمَّدُ ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الحج: 63] وَهُوَ الْمَطَرُ ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 21] يَقُولُ: فَأَجْرَاهُ عُيُونًا فِي الْأَرْضِ؛ وَاحِدُهَا يَنْبُوعٌ، وَهُوَ مَا جَاشَ مِنَ الْأَرْضِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 21] قَالَ: «كُلُّ نَدًى وَمَاءٍ فِي الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ نَزَلَ»

جارٍ التحميل