تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 338-348

سُورَةُ فَاطِرٍ

صفحات 338-348
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخَارِقِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُخَارِقِ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ: " إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيثٍ أَتَيْنَاكُمْ بِتَصْدِيقِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ، أَخَذَهُنَّ مَلَكٌ، فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَنَاحَيْهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا يَمُرُّ بِهِنَّ عَلَى جَمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يُحَيِّيَ بِهِنَّ وَجْهَ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: «إِنَّ لِسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَدَوِيًّا حَوْلَ الْعَرْشِ كَدَوِيٍّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْخَزَائِنِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَوْلُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: «الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ»

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: " الْكَلَامُ الطَّيِّبُ: ذِكْرُ اللَّهِ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ: أَدَاءُ فَرَائِضِهِ؛ فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّهِ فَصَعِدَ بِهِ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ، وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ، رَدَّ كَلَامَهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي

الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: «الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا إِلَّا بِعَمَلٍ، مَنْ قَالَ وَأَحْسَنَ الْعَمَلَ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [فاطر: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ يَكْسِبُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثني سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ الشِّرْكِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10] يَقُولُ: وَعَمَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَبُورُ، فَيَبْطُلُ فَيَذْهَبُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ، فَلَمْ يَنْفَعْ عَامِلَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10] «أَيْ يَفْسَدُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: «هُمْ أَصْحَابُ الرِّيَاءِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: ثنا سَهْلُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ: ثنا جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: «هُمْ أَصْحَابُ الرِّيَاءِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10] قَالَ: «بَارَ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وَضَرَّهُمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ [النحل: 70] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاهُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، فَجَعَلَ خَلْقَ أَبِيهِمْ مِنْهُ لَهُمْ خَلْقًا ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: 37] يَقُولُ: ثُمَّ خَلَقَكُمْ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: 11] يَعْنِي أَنَّهُ زَوَّجَ مِنْهُمُ الْأُنْثَى مِنَ الذِّكْرِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر: 11] «يَعْنِي آدَمَ» ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: 37] «يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ» ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: 11] «فَزَوَّجَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ حَمْلٍ وَلَا نُطْفَةٍ إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِحَمْلِهَا إِيَّاهُ وَوَضْعِهَا، وَمَا هُوَ؟ ذَكَرٌ أَوِ أُنْثَى؟ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: 11] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ فَيَطُولُ عُمُرُهُ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِ آخَرَ غَيْرِهِ عَنْ عُمُرِ هَذَا الَّذِي عَمَّرَ عُمْرًا طَوِيلًا ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام: 59] عِنْدَهُ، مَكْتُوبٌ قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ بِهِ أُمُّهُ، وَقَبْلَ أَنْ تَضَعَهُ، قَدْ أَحْصَى ذَلِكَ كُلَّهُ وَعَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ، لَا يُزَادُ فِيمَا كُتِبَ لَهُ وَلَا يُنْقَصُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثَنَّى أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: 11] إِلَى ﴿يَسِيرٌ﴾ [فاطر: 11] يَقُولُ: «لَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ طُولَ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةَ إِلَّا وَهُوَ بَالِغٌ مَا قَدَّرْتُ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ، وَقَدْ قَضَيْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَهُ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ وَلَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ أَنَّهُ قَصِيرُ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةِ بِبَالِغٍ الْعُمُرَ، وَلَكِنْ يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: 11] يَقُولُ: «كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: «مِنْ قَضَيْتُ لَهُ أَنْ يُعَمَّرَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْكِبَرُ، أَوْ يُعَمَّرَ أُنْقِصَ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلٌّ بَالِغٌ أَجَلَهُ الَّذِي قَدْ قَضَى لَهُ، كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: 11] قَالَ: «أَلَا تَرَى النَّاسُ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَآخَرَ يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ؟ فَهَذَا هَذَا» فَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: 11] عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ الْمُعَمَّرِ الْأَوَّلِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ أُظْهِرَ‍ لَظَهَرَ بِلَفْظِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي ثَوْبٌ وَنِصْفُهُ، وَالْمَعْنَى: وَنِصْفُ الْآخَرِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ بِفِنَاءِ مَا فَنِيَ مِنْ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، فَذَلِكَ هُوَ نُقْصَانُ عُمُرِهِ وَالْهَاءُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْمُعَمَّرِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: مَا يَطُولُ عُمُرُ أَحَدٍ، وَلَا يَذْهَبُ مِنْ عُمُرِهِ شَيْءٌ فَيَنْقُصَ إِلَّا وَهُوَ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ مَكْتُوبٌ قَدْ أَحْصَاهُ وَعَلِمَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: ثنا عَبْثَرٌ، قَالَ: ثنا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: 11] قَالَ: «مَا يَقْضِي مِنْ أَيَّامِهِ الَّتِي عُدَدْتُ لَهُ إِلَّا فِي كِتَابٍ»

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، وَأَشْبَهُهُمَا بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ إِحْصَاءَ أَعْمَارِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ يَسِيرٌ سَهْلٌ، طَوِيلُ ذَلِكَ وَقَصِيرُهُ، لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَعْتَدِلُ الْبَحْرَانِ فَيَسْتَوِيَانِ، أَحَدُهُمَا عَذْبٌ فُرَاتٌ؛

وَالْفُرَاتُ: هُوَ أَعْذَبُ الْعَذْبِ، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: 53] يَقُولُ: وَالْآخَرُ مِنْهُمَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وَذَلِكَ هُوَ مَاءُ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ؛ وَالْأُجَاجُ: الْمُرُّ، وَهُوَ أَشَدُّ الْمِيَاهِ مُلُوحَةً

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12] " وَالْأُجَاجُ: الْمُرُّ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12] يَقُولُ: وَمِنْ كُلِّ الْبِحَارِ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا، وَذَلِكَ السَّمَكُ مِنْ عَذْبِهِمَا الْفُرَاتِ، وَمِلْحِهِمَا الْأُجَاجِ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] يَعْنِي: الدُّرَّ وَالْمَرْجَانَ تَسْتَخْرِجُونَهَا مِنَ الْمِلْحِ الْأُجَاجِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ وَجْهَ ﴿تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ [فاطر: 12] ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْمِلْحِ فِيمَا مَضَى

بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَرَى السُّفُنَ فِي كُلِّ تِلْكَ الْبِحَارِ مَوَاخِرَ، تَمْخَرُ الْمَاءَ بِصُدُورِهَا، وَذَلِكَ خَرْقُهَا إِيَّاهُ إِذَا مَرَّتْ وَاحِدَتُهَا مَاخِرَةً يُقَالُ مِنْهُ: مَخَرَتْ تَمْخَرُ، وَتَمْخَرُ مَخْرًا، وَذَلِكَ إِذَا شَقَّتِ الْمَاءَ بِصُدُورِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12] " أَيْ مِنْهُمَا جَمِيعًا ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] هَذَا اللُّؤْلُؤُ، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] فِيهِ السُّفُنُ مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً بِرِيحٍ وَاحِدَةٍ "

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

قَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] يَقُولُ: «جَوَارِيَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: 66] يَقُولُ: لِتَطْلُبُوا بِرُكُوبِكُمْ فِي هَذِهِ الْبِحَارِ فِي الْفُلْكِ مِنْ مَعَايشِكُمْ، وَلِتَتَصَرَّفُوا فِيهَا فِي تِجَارَاتِكُمْ، وَتَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى تَسْخِيرِهِ ذَلِكَ لَكُمْ، وَمَا رَزَقَكُمْ مِنْهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ، وَفَاخِرِ الْحُلِيِّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُدْخِلُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَذَلِكَ مَا نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ أَدْخَلَهُ فِي النَّهَارِ فَزَادَهُ

فِيهِ، وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَذَلِكَ مَا نَقَصَ مِنْ أَجْزَاءِ النَّهَارِ زَادَ فِي أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، فَأَدْخَلَهُ فِيهَا

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ «زِيَادَةُ هَذَا فِي نُقْصَانِ هَذَا، وَنُقْصَانُ هَذَا فِي زِيَادَةِ هَذَا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر: 13] يَقُولُ: «هُوَ انْتِقَاصُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: 2] يَقُولُ: وَأَجْرَى لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ نِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْكُمْ، وَرَحْمَةً مِنْهُ بِكُمْ، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، وَتَعْرِفُوا اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ

جارٍ التحميل