وَقَوْلُهُ: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: 3] قَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ، وَأَذْكُرُ قَوْلَ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ قَوْلُهُ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم: 13] يَقُولُ تَعَالَى، ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ تَجِيءُ السَّاعَةُ الَّتِي فِيهَا يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَيَنْشُرُ فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، فَيَحْشُرُهُمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ، ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: 12] يَقُولُ:
يَيْأَسُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، وَاكْتَسَبُوا فِي الدُّنْيَا مَسَاوِئَ الْأَعْمَالِ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَيَكْتَئِبُونَ وَيَتَنَدَّمُونَ، كَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ: [البحر الرجز] يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ... قَالَ: نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ " ﴿يُبْلِسُ﴾ [الروم: 12] قَالَ: يَكْتَئِبُ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: 12] أَيْ فِي النَّارِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: 12] قَالَ: الْمُبْلِسُ: الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ الشَّرُّ، إِذَا أَبْلَسَ الرَّجُلُ، فَقَدْ نَزَلَ بِهِ بَلَاءٌ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ [الروم: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ لَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ الْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّبِعُونَهُمْ، عَلَى مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، فَيُشَارِكُونَهُمْ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى أَذَى رُسُلِهِ، شُفَعَاءٌ يَشْفَعُونَ لَهُمْ
عِنْدَ اللَّهِ، فَيَسْتَنْقِذُوهُمْ مِنْ عَذَابِهِ.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم: 13] يَقُولُ: وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَافِرِينَ، يَجْحَدُونَ وِلَايَتِهِمْ، وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ تَجِيءُ السَّاعَةُ الَّتِي يُحْشَرُ فِيهَا الْخَلْقُ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ، يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَتَفَرَّقُونَ يَعْنِي: يَتَفَرَّقُ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَأَهْلُ الْكُفْرِ بِهِ؛ فَأَمَّا أَهْلُ الْإِيمَانِ، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ إِلَى
الْجَنَّةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ، فَهُنَالِكَ يُمَيِّزُ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] قَالَ: فُرْقَةٌ وَاللَّهِ لَا اجْتِمَاعَ بَعْدَهَا " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الروم: 15] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الروم: 15] يَقُولُ: وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15] يَقُولُ: فَهُمْ فِي الرَّيَاحِينِ وَالنَّبَاتَاتِ الْمُلْتَفَّةِ، وَبَيْنَ أَنْوَاعِ الزَّهْرِ فِي الْجِنَّانِ يُسَرُّونَ، وَيَلَذْذُونَ بِالسَّمَاعِ وَطِيبِ الْعَيْشِ الْهَنِيِّ.
وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذِكْرَ الرَّوْضَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ أَحْسَنُ مَنْظَرًا، وَلَا أَطْيَبُ نُشُرًا مِنَ الرِّيَاضِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر البسيط]
مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْحُسْنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ
يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ
يَوْمًا بِالطِّيبِ مِنْهَا نَشْرُ رَائِحَةٍ ... وَلَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا إِذْ دَنَا الْأَصْلُ
فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ تَعَالَى، أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ، وَاللَّذِيذِ مِنَ الْأَرَايِيحِ، وَالْعَيْشِ الْهَنِيِّ فِيمَا يُحِبُّونَ، وَيُسَرُّونَ بِهِ، وَيُغْبَطُونَ عَلَيْهِ.
وَالْحِبَرَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: السُّرُورُ وَالْغِبْطَةُ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
[البحر الرجز]
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَى الْحَبْرَ ... مَوَالِي الْحَقِّ إِنِ الْمَوْلَى شَكَرَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُكْرَمُونَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15] قَالَ: يُكْرَمُونَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: يُنَعَّمُونَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
فِي قَوْلِهِ: " ﴿يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15] قَالَ: يُنَعَّمُونَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15] قَالَ: يُنَعَّمُونَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: يَلَذَّذُونَ بِالسَّمَاعِ وَالْغِنَاءِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَسِيُّ، قَالَ: ثني عَامِرُ بْنُ يَسَافٍ، قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15] قَالَ: الْحِبَرَةُ: اللَّذَّةُ وَالسَّمَاعُ "
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: ثنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15] قَالَ: السَّمَاعُ فِي الْجَنَّةِ ". حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ عَامِرِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، مِثْلَهُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ تَعُودُ إِلَى مَعْنَى مَا قُلْنَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: 16] يَقُولُ تَعَالَى، ذِكْرُهُ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَأَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالنُّشُورِ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ، فَأُولَئِكَ فِي عَذَابِ اللَّهِ مُحْضَرُونَ، وَقَدْ أَحْضَرَهُمُ اللَّهُ
إِيَّاهَا، فَجَمَعَهُمْ فِيهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ الَّذِي كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْذِبُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَسَبِّحُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ: أَيْ صَلُّوا لَهُ حِينَ تُمْسُونَ، وَذَلِكَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَذَلِكَ صَلَاةُ الصُّبْحِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: سَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ ابْنَ عَبَّاسٍ: " هَلْ تَجِدُ مِيقَاتَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] الْمَغْرِبُ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] الْفَجْرُ ﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] الْعَصْرُ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] الظُّهْرُ، قَالَ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: 58] "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: سَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأَ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] قَالَ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] قَالَ: صَلَاةُ الصُّبْحِ ﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] قَالَ: صَلَاةُ الْعَصْرِ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] صَلَاةُ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: 58] "
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " جَمَعَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] قَالَ: الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] الْفَجْرُ
﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] الْعَصْرُ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] الظُّهْرُ ". حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] قَالَ: جَمَعَتِ الصَّلَوَاتِ، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] صَلَاةُ الصُّبْحِ ﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] صَلَاةُ الْعَصْرِ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] صَلَاةُ الظُّهْرِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] الْفَجْرُ ﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] الْعَصْرُ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] الظُّهْرُ، وَكُلُّ سَجْدَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ صَلَاةٌ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] لِصَلَاةِ الْعَصْرِ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] صَلَاةُ الظُّهْرِ، أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ قَالَ: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] : صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] : صَلَاةُ الصُّبْحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] : صَلَاةُ الْعَصْرِ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] : صَلَاةُ الظُّهْرِ ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ: وَلَهُ الْحَمْدُ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ سُكَّانِهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَرْضِ مِنْ أَهْلِهَا، مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ خَلْقِهِ فِيهَا، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] يَقُولُ: وَسَبِّحُوهُ أَيْضًا عَشِيًّا، وَذَلِكَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] يَقُولُ: وَحِينَ تَدْخُلُونَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: صَلُّوا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فِيهَا أَيُّهَا النَّاسُ، اللَّهُ الَّذِي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ الْحَيُّ مِنَ الْمَاءِ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَاءَ
الْمَيِّتَ مِنَ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: 19] فَيُنْبِتُهَا، وَيُخْرِجُ زَرْعَهَا بَعْدَ خَرَابِهَا وَجُدُوبِهَا ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: 19] يَقُولُ: كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَيُخْرِجُ نَبَاتَهَا وَزَرْعَهَا، كَذَلِكَ يُحْيِيكُمْ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ، فَيُخْرِجُكُمْ أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِكُمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلَ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: 31] وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ مَا لَمْ نَذْكُرْ مِنَ الْخَبَرِ هُنَالِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: 31] قَالَ: يُخْرِجُ مِنَ الْإِنْسَانِ مَاءً مَيِّتًا فَيَخْلُقُ مِنْهُ بَشَرًا، فَذَلِكَ الْمَيِّتُ مِنَ الْحَيِّ، وَيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، فَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا، فَذَلِكَ الْحَيُّ مِنَ الْمَيِّتِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَوْلُهُ " ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: 31] الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ مِنَ الْمُؤْمِنِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، " ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: 31] قَالَ: النُّطْفَةُ مَاءُ الرَّجُلِ مَيْتَةٌ وَهُوَ حَيٌّ، وَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْهَا حَيًّا وَهِيَ مَيْتَةٌ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حُجَجِهِ عَلَى أَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ إِنْشَاءٍ وَإِفْنَاءٍ، وَإِيجَادٍ وَإِعْدَامٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَخَلْقُهُ خِلْقَةَ أَبِيكُمْ مِنْ تُرَابٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ خَلْقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ خَلَقَهُمْ مِنْ تُرَابٍ، إِذْ
كَانَ ذَلِكَ فِعْلَهُ بِأَبِيهِمْ آدَمَ كَنَحْوِ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ خَطَّابِ الْعَرَبِ مَنْ خَاطَبَتْ بِمَا فَعَلَتْ بِسَلَفِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَعَلْنَا بِكُمْ وَفَعَلْنَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ، مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: 20] خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ تُرَابٍ ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: 20] يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ "