وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13] يَقُولُ: وَلَا تَخْتَلِفُوا فِي الدِّينِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِالْقِيَامِ بِهِ، كَمَا اخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ قَبْلِكُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13] «تَعَلَّمُوا أَنَّ الْفُرْقَةَ هَلَكَةٌ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ ثِقَةٌ»
وَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: 13] قَالَ: «أَنْكَرَهَا الْمُشْرِكُونِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَصَادَمَهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ، فَأَبَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا أَنْ يُمْضِيَهَا وَيَنْصُرَهَا وَيُفْلِجَهَا وَيُظْهِرَهَا عَلَى مَنْ نَاوَأَهَا»
وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مِنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13] يَقُولُ: اللَّهُ يَصْطَفِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ وَوِلَايَتِهِ مَنْ أَحَبَّ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مِنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13] يَقُولُ: «وَيُوَفِّقُ لِلْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْحَقِّ مَنْ أَقْبَلَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَرَاجَعَ التَّوْبَةَ مِنْ مَعَاصِيهِ»
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مِنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13] «مَنْ يُقْبِلُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا تَفَرَّقَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فِي أَدْيَانِهِمْ فَصَارُوا أَحْزَابًا، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، بِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَبَعَثَ بِهِ نُوحًا، هُوَ إِقَامَةُ الدِّينِ الْحَقِّ، وَأَنْ لَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الشورى: 14] فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّهَا هَلَكَةٌ»
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213] يَقُولُ: بَغْيًا مِنْ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَحَسَدًا وَعَدَاوَةً عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الشورى: 14] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَوْلَا قَوْلٌ سَبَقَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ لَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعَذَابِ، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَذَلِكَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى فِيمَا ذُكِرَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الشورى: 14] قَالَ: «يَوْمُ الْقِيَامَةِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 19] يَقُولُ: لَفَرَغَ رَبُّكَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ نُوحًا مِنْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ، بِإِهْلَاكِهِ أَهْلَ الْبَاطِلِ مِنْهُمْ، وَإِظْهَارِهِ أَهْلَ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: 14] يَقُولُ: وَإِنَّ الَّذِينَ أَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقِّ كِتَابَهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: 110] يَقُولُ: لَفِي شَكٍّ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وَصَّى اللَّهُ بِهِ نُوحًا وَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَمَرَكُمَا بِإِقَامَتِهِ مُرِيبٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: 14] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: 14] قَالَ: «الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: 15]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِلَى ذَلِكَ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَ لَكُمْ، وَوَصَّى بِهِ نُوحًا، وَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ، وَاسْتَقِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَلَا تَزِغْ عَنْهُ، وَاثْبُتْ عَلَيْهِ كَمَا أَمَرَكَ رَبُّكُ بِالِاسْتِقَامَةِ وَقِيلَ: فَلِذَلِكَ فَادْعُ، وَالْمَعْنَى: فَإِلَى ذَلِكَ، فَوُضِعَتِ اللَّامُ مَوْضِعَ إِلَى، كَمَا قِيلَ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ مَعْنَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ [الشورى: 15] إِلَى مَعْنَى هَذَا، وَيَقُولُ: مَعْنَى الْكَلَامِ: فَإِلَى هَذَا الْقُرْآنِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ وَالَّذِي قَالَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قُلْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ خَبَرِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِقَامَتِهِ، وَلَمْ يَأْتِ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْصِرَافِهِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَتَّبِعْ يَا مُحَمَّدُ أَهْوَاءَ الَّذِينَ شَكُّوا فِي الْحَقِّ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَهُمْ، فَتَشُكَّ فِيهِ، كَالَّذِي شَكُّوا فِيهِ ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: صَدَّقْتُ
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْكِتَابُ، تَوْرَاةً كَانَ أَوْ إِنْجِيلًا أَوْ زَبُورًا أَوْ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ، لَا أُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَكْذِيبَكُمْ بِبَعْضِهِ مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ، وَتَصْدِيقَكُمْ بِبَعْضٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: وَأَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَعْدِلَ بَيْنَكُمْ مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ، فَأَسِيرَ فِيكُمْ جَمِيعًا بِالْحَقِّ الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ وَبَعَثَنِي بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ
كَالَّذِي: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ [الشورى: 15] قَالَ: «أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعْدِلَ، فَعَدَلَ حَتَّى مَاتَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَالْعَدْلُ مِيزَانُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، بِهِ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، وَلِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، وَبِالْعَدْلِ يُصَدِّقُ اللَّهُ الصَّادِقَ، وَيُكَذِّبُ الْكَاذِبَ، وَبِالْعَدْلِ يَرُدُّ الْمُعْتَدِي وَيُوَبِّخُهُ» ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ يَقُولُ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَعْجَبَنِي جِدًّا: الْقَصْدُ فِي الْفَاقَةِ وَالْغِنَى، وَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالْخَشْيَةُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَهْلَكَهُ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبِعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ وَأَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلَبٌ شَاكِرٌ، وَبَدَنٌ صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ [الشورى: 15] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَاهَا: كَيْ، وَأُمِرْتُ كَيْ أَعْدِلَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى الْكَلَامِ: وَأُمِرْتُ بِالْعَدْلِ، وَالْأَمْرُ وَاقِعٌ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي لِأَعْدِلَ بِشَرْطٍ قَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ﴾ [الشورى: 15] تَقَعُ عَلَى «أَنْ» وَعَلَى «كَيْ» وَاللَّامُ، أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ، وَكَيْ أَعْبُدَ، وَلِأَعْبُدَ قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا طَالَبَ الِاسْتِقْبَالَ، فَفِيهِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ عَامِلٌ فِي مَعْنَى لِأَعْدِلَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَأُمِرْتُ بِالْعَدْلِ بَيْنَكُمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: 15] يَقُولُ: اللَّهُ مَالِكُنَا وَمَالِكُكُمْ مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: 55] يَقُولُ: لَنَا ثَوَابُ مَا اكَتْسَبْنَاهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَلَكُمْ ثَوَابُ مَا اكْتَسَبْتُمْ مِنْهَا