وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 34] يَقُولُ: وَيَصْفَحْ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ ذُنُوبِكُمْ فَلَا يُعَاقِبْ عَلَيْهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ [الشورى: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ الظَّالِمِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: 45] يَقُولُ:
خَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الْخُشُوعُ:
الْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [الشورى: 44] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: 45] قَالَ: «قَدْ أَذَلَّهُمُ الْخَوْفُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ وَخَشَعُوا لَهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿خَاشِعِينَ﴾ [الشورى: 45] قَالَ: «خَاضِعِينَ مِنَ الذُّلِّ»
وَقَوْلُهُ: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] يَقُولُ: يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ إِلَى النَّارِ حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مِنْ طَرْفٍ ذَلِيلٍ وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: مِنْ طَرْفٍ قَدْ خَفِيَ مِنْ ذِلَّةٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: 45] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] يَعْنِي بِالْخَفِيِّ: «الذَّلِيلَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] قَالَ: «ذَلِيلٍ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُسَارِقُونَ النَّظَرَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] قَالَ: «يُسَارِقُونَ النَّظَرَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] قَالَ: «يُسَارِقُونَ النَّظَرَ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ فِي ذَلِكَ: جَعَلَ الطَّرْفَ الْعَيْنَ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَنَظَرُهُمْ مِنْ عَيْنٍ ضَعِيفَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ: وَقَالَ يُونُسُ: إِنَّ ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ [الشورى: 45] مِثْلُ بِطَرْفٍ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَرَبْتُهُ فِي السَّيْفِ، وَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: إِنَّمَا قِيلَ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] لِأَنَّهُ لَا يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، إِنَّمَا يَنْظُرُ بِبَعْضِهَا وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّمَا قِيلَ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45] لِأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى النَّارِ بِقُلُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ عُمْيًا وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى النَّارِ مِنْ طَرْفٍ ذَلِيلٍ، وَصَفَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْخَفَاءِ لِلذِّلَّةِ الَّتِي قَدْ رَكِبَتْهُمْ، حَتَّى كَادَتْ أَعْيُنُهُمْ أَنْ تَغُورَ، فَتَذْهَبَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الشورى: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِنَّ الْمَغْبُونِينَ الَّذِينَ غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 15] قَالَ: «غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ فِي الْجَنَّةِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ الْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَذَابٍ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مُقِيمٍ عَلَيْهِمْ، ثَابِتٍ لَا يَزُولُ عَنْهُمْ، وَلَا يَبِيدُ، وَلَا يَخِفُّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ حِينَ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَوْلِيَاءُ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَا يَنْتَصِرُونَ لَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى مَا نَالَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 46] يَقُولُ: وَمَنْ يَخْذُلْهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ فَمَا لَهُ مِنْ طَرِيقٍ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْهِدَايَةَ وَالْإِضْلَالَ بِيَدِهِ دُونَ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: 47] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْكَافِرِينَ بِهِ: أَجِيبُوا أَيُّهَا النَّاسُ دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ وَاتَّبِعُوهُ عَلَى مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ ﴿مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: 43] يَقُولُ: لَا شَيْءَ يَرُدُّ مَجِيئَهُ إِذَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ، وَذَلِكَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [الشورى: 47] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مَعْقِلٍ تَحْتَرِزُونَ فِيهِ، وَتَلْجَأُونَ إِلَيْهِ، فَتَعْتَصِمُونَ بِهِ مِنَ النَّازِلِ بِكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ، كَانَ فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47] يَقُولُ: وَلَا أَنْتُمْ تَقْدِرُونَ لَمَّا يَحِلُّ بِكُمْ مِنْ عِقَابِهِ يَوْمَئِذٍ عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَلَا عَلَى انْتِصَارٍ مِنْهُ إِذَا عَاقَبَكُمْ بِمَا عَاقَبَكُمْ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ﴾ [الشورى: 47] قَالَ: " مِنْ مَحْرَزٍ وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47] قَالَ: «نَاصِرٍ يَنْصُرُكُمْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [الشورى: 47] «تَلْجَأُونَ إِلَيْهِ» ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47] يَقُولُ: «مِنْ عِزٍّ تَعْتَزُّونَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: 48]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ أَعْرَضَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ عَمَّا أَتَيْتُهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَدَعْوَتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الرُّشْدِ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، وَأَبَوْا قَبُولَهُ مِنْكَ، فَدَعْهُمْ، فَإِنَّا لَنْ نُرْسِلَكَ إِلَيْهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ، تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ وَتُحْصِيهَا ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48] يَقُولُ: مَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا أَنْ تُبَلِّغَهُمْ مَا أَرْسَلْنَاكَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الرِّسَالَةِ، فَإِذَا بَلَّغْتَهُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنَّا إِذَا أَغْنَيْنَا ابْنَ آدَمَ فَأَعْطَيْنَاهُ مِنْ عِنْدِنَا سَعَةً، وَذَلِكَ هُوَ الرَّحْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَرِحَ بِهَا: يَقُولُ: سُرَّ بِمَا أَعْطَيْنَاهُ مِنَ الْغِنَى، وَرَزَقْنَاهُ مِنَ السَّعَةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [النساء: 78] يَقُولُ: وَإِنَّ أَصَابَتْهُمْ فَاقَةٌ وَفَقْرٌ وَضِيقُ عَيْشٍ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 95] يَقُولُ: بِمَا أَسْلَفَتْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ، جَحَدَ نِعْمَةَ اللَّهِ، وَأَيِسَ مِنَ الْخَيْرِ ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنَّ الْإِنْسَانَ جَحُودٌ نِعَمَ رَبِّهِ، يُعَدِّدُ الْمَصَائِبِ، وَيَجْحَدُ النِّعَمَ وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [النساء: 78] فَأَخْرَجَ الْهَاءَ وَالْمِيمَ مَخْرَجَ كِنَايَةِ جَمْعِ الذُّكُورِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِنْسَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِلَّهِ سُلْطَانُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ، يَفْعَلُ فِي سُلْطَانِهِ مَا يَشَاءُ، وَيَخْلُقُ مَا يُحِبُّ
خَلْقَهُ، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْوَلَدِ الْإِنَاثَ
دُونَ الذُّكُورِ، بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ مَا حَمَلَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ حَمْلٍ مِنْهُ أُنْثَى ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49] يَقُولُ: وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمُ الذُّكُورَ، بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ حَمْلٍ حَمَلَتْهُ امْرَأَتُهُ ذَكَرًا لَا أُنْثَى فِيهِمْ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: 50] قَالَ: " يَخْلِطُ بَيْنَهُمْ يَقُولُ: التَّزْوِيجُ: أَنْ تَلِدَ الْمَرْأَةُ غُلَامًا، ثُمَّ تَلِدُ جَارِيَةً، ثُمَّ تَلِدُ غُلَامًا، ثُمَّ تَلِدُ جَارِيَةً "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49] " قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَهَبَ لِلرَّجُلِ ذُكُورًا لَيْسَتْ مَعَهُمْ أُنْثَى، وَأَنْ يَهَبَ لِلرَّجُلِ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا، فَيَجْمَعُهُمْ لَهُ جَمِيعًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 50] «لَا يُولَدُ لَهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49] «لَيْسَتْ مَعَهُمْ إِنَاثٌ» ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: 50] قَالَ: «يَهَبُ لَهُمْ إِنَاثًا وَذُكْرَانًا» ، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 50] لَا يُولَدُ لَهُ "
حَدَّثَنِي عَلِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 50] يَقُولُ: «لَا يُلْقِحُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 50] «لَا يَلِدُ وَاحِدًا وَلَا اثَنَيْنِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49] «لَيْسَ فِيهِمْ أُنْثَى» ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: 50] «تَلِدُ الْمَرْأَةُ ذَكَرًا مَرَّةً وَأُنْثَى مَرَّةً» ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: 50] «لَا يُولَدُ لَهُ» وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ [الشورى: 50]
مَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: 50] قَالَ: «أَوْ يَجْعَلُ فِي الْوَاحِدِ ذَكَرًا وَأُنْثَى تَوْأَمًا» ، هَذَا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: 50]
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [سورة: الشورى، آية رقم: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهِ ذُو عِلْمٍ بِمَا يَخْلُقُ، وَقُدْرَةٍ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ
أَرَادَ خَلْقَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيُّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يُكَلِّمَهُ رَبُّهُ إِلَّا وَحْيًا يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ، أَوْ إِلْهَامًا، وَإِمَّا غَيْرُهُ ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51] يَقُولُ: أَوْ يُكَلِّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَلَا يَرَاهُ، كَمَا كَلَّمَ مُوسَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51] يَقُولُ: أَوْ يُرْسِلَ اللَّهُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ رَسُولًا، إِمَّا جِبْرَائِيلُ، وَإِمَّا غَيْرُهُ ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51] يَقُولُ: فَيُوحِيَ ذَلِكَ الرَّسُولُ إِلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ مَا يَشَاءُ، يَعْنِي: مَا يَشَاءُ رَبُّهُ أَنْ يُوحِيَهُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْي، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: 51] «يُوحِي إِلَيْهِ» ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51] «مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» ، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51] قَالَ: «جِبْرَائِيلُ يَأْتِي بِالْوَحْيِ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ [الشورى: 51] ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ
قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ﴿فَيُوحِيَ﴾ [الشورى: 51] بِنَصْبِ الْيَاءِ عَطْفًا عَلَى ﴿يُرْسِلَ﴾ [الشورى: 51] ، وَنَصَبُوا ﴿يُرْسِلَ﴾ [الشورى: 51] عَطْفًا بِهَا عَلَى مَوْضِعِ الْوَحْيِ وَمَعْنَاهُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُوحِيَ إِلَيْهِ أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ وَقَرَأَ ذَلِكَ نَافِعٌ الْمَدَنِيُّ (فَيُوحِي) بِإِرْسَالِ الْيَاءِ بِمَعْنَى الرَّفْعِ عَطْفًا بِهِ عَلَى (يُرْسِلُ) ، وَبِرَفْعِ (يُرْسِلُ) عَلَى الِابْتِدَاءِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ عَلِيُّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّهُ يَعْنِي نَفْسَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ذُو عُلُوٍّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَارْتِفَاعٍ عَلَيْهِ، وَاقْتِدَارٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209] : يَقُولُ: ذُو حِكْمَةٍ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ
بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] وَكَمَا كُنَّا نُوحِي فِي سَائِرِ رُسُلِنَا، كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنَ، رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا: يَقُولُ: وَحْيًا وَرَحْمَةً مِنْ أَمْرِنَا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرُّوحِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ الرَّحْمَةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] قَالَ: «رَحْمَةً مِنْ أَمْرِنَا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: وَحْيًا مِنْ أَمْرِنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] قَالَ: «وَحْيًا مِنْ أَمْرِنَا» وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرُّوحِ فِيمَا مَضَى بِذِكْرِ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي يَا مُحَمَّدُ أَيُّ شَيْءٍ الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ اللَّذَيْنِ أَعْطَيْنَاكَهُمَا ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى: 52] يَقُولُ: وَلَكِنْ جَعَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ، وَهُوَ الْكِتَابُ نُورًا، يَعْنِي ضِيَاءً لِلنَّاسٍ، يَسْتَضِيئُونَ بِضَوْئِهِ
الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيهِ، وَهُوَ بَيَانُهُ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ، مِمَّا لَهُمْ فِيهِ فِي الْعَمَلِ بِهِ الرَّشَادُ، وَمِنَ النَّارِ النَّجَاةُ ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52] يَقُولُ: نَهْدِي بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ «بِهِ» مِنْ ذِكْرِ الْكِتَابِ