الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَلَمَّا رَأَوْا فَضِيلَةَ أَهْلِ بَدْرٍ، قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُرِيَنَا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ، نُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا، فَرَأَوْا أُحُدًا " فَقَالَ
لَهُمْ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143] «أَيْ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الشَّهَادَةَ عَلَى الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، يَعْنِي الَّذِينَ حَمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُرُوجِهِ بِهِمْ إِلَى عَدُوِّهِمْ لَمَّا فَاتَهُمْ مِنَ الْحُضُورِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرٍ؛ رَغْبَةً فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ فَاتَتْهُمْ بِهِ» يَقُولُ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143] «أَيِ الْمَوْتَ بِالسُّيُوفِ فِي أَيْدِيِ الرِّجَالِ، قَدْ حَلَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، فَصَدَدْتُمْ عَنْهُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتُلِ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ كَبَعْضِ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى خَلْقِهِ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ
وَإِلَى طَاعَتِهِ، الَّذِينَ حِينَ انْقَضَتْ آجَالُهُمْ مَاتُوا وَقَبَضَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ، يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ: فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا اللَّهُ بِهِ صَانِعٌ مِنْ قَبْضِهِ إِلَيْهِ عِنْدَ
انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَجَلِهِ كَسَائِرِ مُدَّةِ رُسُلِهِ إِلَى خَلْقِهِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُ وَمَاتُوا عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ آجَالِهِمْ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُعَاتِبَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ حِينَ قِيلَ لَهُمْ بِأُحُدٍ: إِنَّ مُحَمَّدًا قُتِلَ، وَمُقَبِّحًا إِلَيْهِمُ انْصِرَافَ مَنِ انْصَرَفَ مِنْهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ وَانْهِزَامَهُ عَنْهُمْ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: 144] مُحَمَّدٌ أَيُّهَا الْقَوْمُ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ أَجَلِهِ، أَوْ قَتَلَهُ عَدُوُّكُمْ، ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] يَعْنِي ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَرَجَعْتُمْ عَنْهُ كُفَّارًا بِاللَّهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَبَعْدَ مَا قَدْ وَضَحَتْ لَكُمْ صِحَّةُ مَا دَعَاكُمْ مُحَمَّدٌ إِلَيْهِ، وَحَقِيقَةُ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: 144] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ وَيَرْجِعْ كَافِرًا بَعْدَ إِيمَانِهِ، ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 144] يَقُولُ: فَلَنْ يُوهِنَ ذَلِكَ عَزَّةَ اللَّهِ وَلَا سُلْطَانَهُ، وَلَا يَدْخُلَ بِذَلِكَ نَقْصٌ فِي مُلْكِهِ، بَلْ نَفْسَهُ يَضُرُّ بِرِدَّتِهِ، وَحَظَّ نَفْسِهِ يُنْقِصُ بِكُفْرِهِ.
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] يَقُولُ: وَسَيُثِيبُ اللَّهُ مَنْ شَكَرَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُ لِدِينِهِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ هُوَ مَاتَ أَوْ قُتِلَ وَاسْتِقَامَتِهِ عَلَى مِنْهَاجِهِ، وَتَمَسُّكِهِ بِدِينِهِ وَمِلَّتِهِ بَعْدَهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَلِيٍّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] " الثَّابِتِينَ عَلَى دِينِهِمْ: أَبَا بَكْرٍ وَأَصْحَابَهُ،
فَكَانَ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَمِينَ الشَّاكِرِينَ وَأَمِينَ أَحِبَّاءِ اللَّهِ، وَكَانَ أَشْكَرَهُمْ وَأَحَبَّهُمْ إِلَى اللَّهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ، قَالَ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمِينُ الشَّاكِرِينَ» وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَسَيَجْزِيِ اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] «أَيْ مَنْ أَطَاعَهُ وَعَمِلَ بِأَمْرِهِ» وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنِ انْهَزَمَ عَنْهُ بِأُحُدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] " ذَاكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ وَالْقَتْلُ، ثُمَّ تَنَازَعُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ، فَقَالَ أُنَاسٌ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا قُتِلَ، وَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ نَبِيُّكُمْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَكُمْ، أَوْ تَلْحَقُوا بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] يَقُولُ: إِنْ مَاتَ نَبِيُّكُمْ، أَوْ قُتِلَ، ارْتَدَدْتُمْ كُفَّارًا بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، بِنَحْوِهِ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ الرَّبِيعُ: وَذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَشَعُرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا " قَدْ قُتِلَ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] يَقُولُ: «ارْتَدَدْتُمْ كُفَّارًا بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا بَرَزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ إِلَيْهِمْ - يَعْنِي إِلَى الْمُشْرِكِينَ - أَمَرَ الرُّمَاةَ فَقَامُوا بِأَصْلِ الْجَبَلِ فِي وَجْهِ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ إِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ هَزَمْنَاهُمْ، فَإِنَّا لَنْ نَزَالَ غَالِبِينَ مَا ثَبَتَّمْ مَكَانَكُمْ» وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، ثُمَّ شَدَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَهَزَمَاهُمْ، وَحَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، فَهَزَمُوا أَبَا سُفْيَانَ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ قَدِمَ، فَرَمَتْهُ الرُّمَاةُ فَانْقَمَعَ، فَلَمَّا نَظَرَ الرُّمَاةُ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي جَوْفِ عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ يَنْتَهِبُونَهُ، بَادَرُوا الْغَنِيمَةَ، فَقَالْ بَعْضُهُمْ: لَا نَتْرُكُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ عَامَّتُهُمْ فَلَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ؛ فَلَمَّا رَأَى خَالِدٌ قِلَّةَ الرُّمَاةِ، صَاحَ فِي خَيْلِهِ، ثُمَّ حَمَلَ فَقَتَلَ الرُّمَاةَ، وَحَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَنَّ خَيْلَهُمْ تُقَاتِلُ، تُبَادَرُوا فَشَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَأَتَى ابْنُ قُمَيْئَةَ الْحَارِثِيُّ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ، فَرَمَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ أَنْفَهُ وَرَبَاعِيَتَهُ، وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ فَأَثْقَلَهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلَ بَعْضُهُمُ الْمَدِينَةَ، وَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَقَامُوا عَلَيْهَا، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ: «إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ» فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا، فَجَعَلُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَقِفْ أَحَدٌ إِلَّا طَلْحَةُ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَحَمَاهُ طَلْحَةُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فِي يَدِهِ فيَبِسَتْ يَدُهُ، وَأَقْبَلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ - وَقَدْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ» - فَقَالَ: يَا كَذَّابُ أَيْنَ تَفِرُّ؟ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنْبِ
الدِّرْعِ، فَجُرِحَ جُرْحًا خَفِيفًا، فَوَقَعَ يَخُورُ خَوَرَانَ الثَّوْرِ، فَاحْتَمَلُوهُ وَقَالُوا: لَيْسَ بِكَ جِرَاحَةَ، قَالَ: أَلَيْسَ قَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ؟ لَوْ كَانَتْ لِجَمِيعِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ حَتَّى مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجَرْحِ، وَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الصَّخْرَةِ: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَنَأْخُذَ لَنَا أَمَنَةً مِنْ أَبِي سُفْيَانَ يَا قَوْمُ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَارْجِعُوا إِلَى قَوْمِكُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوكُمْ فَيَقْتُلُوكُمْ قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا قَوْمُ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِ الصَّخْرَةِ؛ فَلَمَّا رَأَوْهُ وَضَعَ رَجُلٌ سَهْمًا فِي قَوْسِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيَهُ، فَقَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» ، فَفَرِحُوا حِينَ وَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيًّا، وَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى أَنَّ فِيَ أَصْحَابِهِ مَنْ يَمْتَنِعُ.
فَلَمَّا اجْتَمَعُوا وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَهَبَ عَنْهُمُ الْحُزْنُ، فَأَقْبَلُوا يَذْكُرُونَ الْفَتْحَ وَمَا فَاتَهُمْ مِنْهُ وَيَذْكُرُونَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَارْجِعُوا إِلَى قَوْمِكُمْ
: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: 144] قَالَ: «يَرْتَدُّ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ وَحَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ: " يَا فُلَانُ، أَشَعُرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ النَّجَّارِ، قَالَ: " انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى عُمَرَ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَبِهِ سُمِّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: " نَادَى مُنَادٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ هُزِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَارْجِعُوا إِلَى دِينِكُمُ الْأَوَّلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " أُلْقِيَ فِي أَفْوَاهِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] الْآيَةَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَزَلَ هُوَ وَعِصَابَةٌ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَكَمَةٍ، وَالنَّاسِ يَفِرُّونَ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى الطَّرِيقِ يَسْأَلُهُمْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَجَعَلَ كُلَّمَا مَرُّوا عَلَيْهِ يَسْأَلُهُمْ، فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا فَعَلَ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ لَنُعْطِيَنَّهُمْ بِأَيْدِينَا، إِنَّهُمْ لَعَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ كَانَ حَيًّا لَمْ يُهْزَمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ قُتِلَ، فَتَرَخَّصُوا فِي الْفِرَارِ حِينَئِذٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] الْآيَةَ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] الْآيَةَ: " نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الِارْتِيَابِ وَالْمَرَضِ وَالنِّفَاقِ، قَالُوا يَوْمَ فَرَّ النَّاسُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشُجَّ فَوْقَ حَاجِبِهِ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُهُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَالْحَقُوا بِدِينِكُمُ الْأَوَّلِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] قَالَ: «مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَنْ تَدَّعُوا الْإِسْلَامَ وَتَنْقَلِبُوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ مُحَمَّدٌ أَوْ يُقْتَلَ، فَسَوْفَ يَكُونُ أَحَدُ هَذَيْنِ، فَسَوْفَ يَمُوتُ أَوْ يُقْتَلُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] " أَيْ لِقَوْلِ النَّاسِ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، وَانْهِزَامِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَانْصِرَافِهِمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ، أَيْ أَفَإِنْ مَاتَ نَبِيُّكُمْ أَوْ قُتِلَ رَجَعْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ كُفَّارًا كَمَا كُنْتُمْ، وَتَرَكْتُمْ جِهَادَ عَدُوِّكُمْ وَكِتَابَ اللَّهِ، وَمَا قَدْ خَلَّفَ نَبِيُّهُ مِنْ دِينِهِ مَعَكُمْ وَعِنْدَكُمْ؛ وَقَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِيمَا جَاءَكُمْ عَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ وَمُفَارِقُكُمْ؟ ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: 144] أَيْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ، ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 144] أَيْ لَنْ يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ عِزِّ اللَّهِ وَلَا مُلْكِهِ وَلَا سُلْطَانِهِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ: " أَهْلُ الْمَرَضِ وَالِارْتِيَابِ وَالنِّفَاقِ حِينَ فَرَّ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَالْحَقُوا بِدِينِكُمُ الْأَوَّلِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ " وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَتَنْقَلِبُونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ إِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ أَوْ قُتِلَ؟ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا فَجَعَلَ الِاسْتِفْهَامَ فِي حَرْفِ الْجَزَاءِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي جَوَابِهِ خَبَرٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَ عَلَى جَزَاءٍ، فَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي جَوَابِهِ خَبَرٌ لِأَنَّ الْجَوَابَ خَبَرٌ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَالْجَزَاءَ شَرْطٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ ثُمَّ يُجْزَمُ جَوَابُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ الرَّفْعُ لِمَجِيئِهِ بَعْدَ الْجَزَاءِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] حَلَفْتُ لَهُ إِنْ تُدْلِجِ اللَّيْلَ لَا يَزَلْ ... أَمَامَكَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِيَ سَائِرُ فَمَعْنَى «لَا يَزَلْ» رَفْعٌ، وَلَكِنَّهُ جُزِمَ لِمَجِيئِهِ بَعْدَ الْجَزَاءِ فَصَارَ كَالْجَوَابِ، وَمِثْلُهُ: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34] وَ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل: 17] ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34] يَخْلُدُونَ؛ وَقِيلَ: أَفَإِنْ مُتَّ يَخْلُدُوا جَازَ الرَّفْعُ فِيهِ وَالْجَزْمُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: 144] «تَنْقَلِبُوا» جَازَ الرَّفْعُ وَالْجَزْمُ لِمَا وَصَفْتُ قَبْلُ، وَتُرِكَتْ إِعَادَةُ الِاسْتِفْهَامِ ثَانِيَةً مَعَ قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: 144] اكْتِفَاءً بِالِاسْتِفْهَامِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي أَوَّلِهِ دَالٌّ عَلَى مَوْضِعِهِ وَمَكَانِهِ،
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ يَخْتَارُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82] تَرْكَ إِعَادَةِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ ﴿أَئِنَّا﴾ [المؤمنون: 82] ، اكْتِفَاءً بِالِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [المؤمنون: 82] ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى صِحَّةِ وَجْهِ ذَلِكَ بِاجْتِمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى تَرْكِهِمْ إِعَادَةَ الِاسْتِفَهَامِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: 144] ، اكْتِفَاءً بِالِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: 144] إِذَا كَانَ دَالًّا عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ وَمَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ مِنْهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَسَنَأْتِي عَلَى الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَمَا يَمُوتُ مُحَمَّدٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ أَجَلِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ غَايَةً لِحَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ بِالْمَوْتِ فَحِينَئِذٍ يَمُوتُ،
فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَنْ تَمُوتَ بِكَيْدِ كَائِدٍ وَلَا بِحِيلَةِ مُحْتَالٍ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145] «أَيْ أَنَّ لِمُحَمَّدٍ أَجَلًا هُوَ بَالِغُهُ إِذَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ»
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا كَانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى النَّاصِبِ قَوْلَهُ: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145] ؛ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هُوَ تَوْكِيدٌ، وَنَصْبُهُ عَلَى: كَتَبَ اللَّهُ كِتَابًا مُؤَجَّلًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ «حَقًّا» ، إِنَّمَا هُوَ: أَحَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وَكَذَلِكَ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [النساء: 122] ، وَ ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 28] ، وَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88] ، وَ ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24] إِنَّمَا هُوَ: صَنَعَ اللَّهُ هَكَذَا صُنْعًا، فَهَكَذَا تَفْسِيرُ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ هَذَا، فَإِنَّهُ كَثِيرٌ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 145] مَعْنَاهُ: كَتَبَ اللَّهُ آجَالَ النُّفُوسِ، ثُمَّ قِيلَ: كِتَابًا مُؤَجَّلًا، فَأَخْرَجَ قَوْلَهُ: كِتَابًا مُؤَجَّلًا، نَصَبًا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكَلَامِ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 145] قَدْ أَدَّى عَنْ مَعْنَى «كَتَبَ» ، قَالَ: وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: قَوْلُ الْقَائِلِ: زَيْدٌ قَائِمٌ حَقًّا، بِمَعْنَى: أَقُولُ زَيْدٌ قَائِمٌ حَقًّا؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ قَوْلٌ، فَأَدَّى الْمَقُولُ عَنِ الْقَوْلِ، ثُمَّ خَرَجَ مَا بَعْدَهُ مِنْهُ، كَمَا تَقُولُ: أَقُولُ قَوْلًا حَقًّا، وَكَذَلِكَ ظَنًّا وَيَقِينًا، وَكَذَلِكَ وَعَدَ اللَّهِ، وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّ فِي كُلِّ مَا قَبْلَ الْمَصَادِرِ الَّتِي هِيَ مُخَالِفَةٌ أَلْفَاظُهَا أَلْفَاظَ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْكَلَامِ مَعَانِي أَلْفَاظِ الْمَصَادِرِ وَإِنْ خَالَفَهَا فِي اللَّفْظِ فَنَصْبُهَا مِنْ مَعَانِي مَا قَبْلَهَا دُونَ أَلْفَاظِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: مَنْ يُرِدْ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِعَمَلِهِ جَزَاءً مِنْهُ بَعْضَ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا دُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، لِمَنِ ابْتَغَى بِعَمَلِهِ مَا عِنْدَهُ ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 145] يَقُولُ:
نُعْطِهِ مِنْهَا، يَعْنِي: مِنَ الدُّنْيَا، يَعْنِي: أَنَّهُ يُعْطِيهِ مِنْهَا مَا قُسِمَ لَهُ فِيهَا مِنْ رِزْقٍ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ لَا نَصِيبُ لَهُ فِي كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَطَلَبَ مَا عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 145] يَقُولُ: وَمَنْ يُرِدْ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ جَزَاءً مِنْهُ ثَوَابَ الْآخِرَةِ، يَعْنِي مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ كَرَامَتِهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِلْعَامِلِينَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 145] يَقُولُ: نُعْطِهِ مِنْهَا، يَعْنِي مِنَ الْآخِرَةِ؛ وَالْمَعْنَى: مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي خَصَّ بِهَا أَهْلَ طَاعَتِهِ فِي الْآخِرَةِ.
فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمَعْنَى مَا فِيهِمَا
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 145] «أَيْ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الْآخِرَةِ، نُؤْتِهِ مَا قُسِمَ لَهُ مِنْهَا مِنْ رِزْقٍ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا وَعْدَهُ مَعَ مَا يُجْرَى عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ فِي دُنْيَاهُ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَسَنَجْزِيِ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145] يَقُولُ: وَسَأُثِيبُ مَنْ شَكَرَ لِي مَا أَوْلَيْتُهُ مِنْ إِحْسَانِي إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِيَّايَ وَانْتِهَائِهِ إِلَى أَمْرِي وَتَجَنُّبِهِ مَحَارِمِي فِي الْآخِرَةِ مِثْلَ الَّذِي وَعَدْتُ أَوْلِيَائِي مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَى شُكْرِهِمْ إِيَّايَ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ
بِمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَسَنَجْزِيِ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145] «أَيْ ذَلِكَ جَزَاءُ الشَّاكِرِينَ، يَعْنِي بِذَلِكَ إِعْطَاءَ اللَّهِ إِيَّاهُ مَا وَعْدَهُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ مَا يُجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ فِي الدُّنْيَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [آل عمران: 146] بِهَمْزِ الْأَلْفِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: بِمَدِّ الْأَلْفِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَهُمَا
قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَاهُمَا، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ ذَلِكَ قَارِئٌ فَمُصِيبٌ، لِاتِّفَاقِ مَعْنَى ذَلِكَ وَشُهْرَتِهِمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمَعْنَاهُ: وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146] ؛ فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: (قُتِلَ) بِضَمِّ الْقَافِ، وَقَرَأَهُ جَمَاعَةٌ
أُخْرَى بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِالْأَلِفِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ، فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ﴿قَاتَلَ﴾ [آل عمران: 146] فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُتِلُوا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ [آل عمران: 146] وَجْهٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا، وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ: (قُتِلَ) فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهْنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْقَافِ: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَالْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 142] الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ، أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَعَذَّلَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى فِرَارِهِمْ وَتَرْكِهِمُ الْقِتَالَ، فَقَالَ: أَفَإِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ أَوْ قُتِلَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ، وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنْ فِعْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: هَلَّا فَعَلْتُمْ كَمَا كَانَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكُمْ يَفْعَلُونَهُ إِذَا قُتِلَ نَبِيُّهُمْ، مِنَ الْمُضِيِّ عَلَى مِنْهَاجِ نَبِيِّهِمْ وَالْقِتَالِ عَلَى دِينِهِ أَعْدَاءَ دِينِ اللَّهِ عَلَى نَحْوِ مَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ نَبِيِّهِمْ، وَلَمْ تَهِنُوا وَلَمْ تَضْعُفُوا كَمَا لَمْ يَضْعُفِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَالْبَصَائِرِ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا قُتِلَ نَبِيُّهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ صَبَرُوا لِأَعْدَائِهِمْ حَتَّى حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ وَبِذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ جَاءَ تَأْوِيلُ الْمُتَأَوِّلِ.
وَأَمَّا «الرِّبِّيُّونَ» ، فَإِنَّهُمْ مَرْفُوعُونَ بِقَوْلِهِ: «مَعَهُ» ، لَا بِقَوْلِهِ: «قُتِلَ» . وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَكَائِنٌ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِي الْكَلَامِ إِضْمَارُ وَاو؛ لِأَنَّهَا وَاوٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى حَالِ قَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غَيْرَ أَنَّهُ اجْتَزَأَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِهَا، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ: قُتِلَ الْأَمِيرُ مَعَهُ جَيْشٌ عَظِيمٌ، بِمَعْنَى: قُتِلَ وَمَعَهُ جَيْشٌ عَظِيمٌ.
وَأَمَّا الرِّبِّيُّونَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، وَاحِدُهُمْ رَبِّيُّ، وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: لَوْ كَانُوا مَنْسُوبِينَ إِلَى عِبَادَةِ الرَّبِّ لَكَانُوا «رَبِّيُّونَ» بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَلَكِنَّهُ الْعُلَمَاءُ وَالْأُلُوفُ، وَالرِّبِّيُّونَ عِنْدَنَا: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ، وَاحِدُهُمْ رِبِّيُّ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ مَا قُلْنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ
زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: " الرِّبِّيُّونَ: الْأُلُوفُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، قَالَ: ثنا عَمْرُو، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مِثْلَهُ