وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: 24] يَقُولُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ جُنْدٌ اللَّهُ مُغْرُقُهُمْ فِي الْبَحْرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، سُئِلَ عَنِ الْمُهِلِ الَّذِي، يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَرَابُ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ قَالَ: فَدَعَا بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَأَذَابَهُمَا، فَقَالَ: «هَذَا أَشْبَهُ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا بِالْمُهْلِ الَّذِي هُوَ لَوْنُ السَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشَرَابُ أَهْلِ النَّارِ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ هَذَا» لَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ بَشَّارٍ وَحَدِيثُ ابْنِ الْمُثَنَّى نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا: ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ قَالَ: فَعَمَدَ إِلَى فِضَّةٍ كَثِيرَةٍ مُكَسَّرَةٍ، فَخَدَّ لَهَا أُخْدُودًا، ثُمَّ أَمَرَ بِحَطَبٍ جَزْلٍ فَأَوْقَدَ عَلَيْهَا، حَتَّى إِذَا امَّاعَتْ وَتَزَبَّدَتْ وَعَادَتْ أَلْوَانًا قَالَ: " انْظُرُوا مَنْ بِالْبَابِ، فَأَدْخَلَ الْقَوْمَ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا أَشْبَهُ مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا بِالْمُهْلِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 44] الْآيَةَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ لَهُ سِقَايَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَأَمَرَ بِأُخْدُودٍ فَخُدَّتْ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهَا مِنْ جَزْلِ الْحَطَبِ، ثُمَّ قُذِفَتْ فِيهَا تِلْكَ السِّقَايَةُ، حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَانْمَاعَتْ قَالَ لِغُلَامِهِ: ادْعُ مَنْ بِحَضْرَتِنَا
مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَدَعَا رَهْطًا، فَلَمَّا دَخَلُوا قَالَ: «أَتَرَوْنَ هَذَا» قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: «مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبِيهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حِينَ أَزْبَدَ وَانْمَاعَ»
حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ: ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: أَذَابَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِضَّةً، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْمُهْلِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: 8] قَالَ: «كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ»
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الدخان: 45] قَالَ: «كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا يَعْمُرُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: ثَنَا أَبُو الصَّبَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُمَيَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْمُهْلُ؟ الْمُهْلُ مُهْلُ الزَّيْتِ، يَعْنِي آخِرَهُ» قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ قَالَ: ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الصَّبَّاحِ الْأَيْلِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِهِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: 29] «كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَى وَجْهِهِ، سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ» قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا يَعْمُرُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: 45] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ (تَغْلِي) بِالتَّاءِ، بِمَعْنَى أَنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَغْلِي فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنَّثُوا تَغْلِي لِتَأْنِيثِ الشَّجَرَةِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ﴿يَغْلِي﴾ [الدخان: 45] بِمَعْنَى: طَعَامُ الْأَثِيمِ يَغْلِي، أَوِ الْمُهْلُ يَغْلِي، فَذَكَّرَهُ
بَعْضُهُمْ لِتَذْكِيرِ الطَّعَامِ، وَوَجَّهَ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّ الطَّعَامَ هُوَ الَّذِي يَغْلِي فِي بُطُونِهِمْ وَبَعْضُهُمْ لِتَذْكِيرِ الْمُهْلِ، وَوَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُهْلِ الَّذِي يَغْلِي وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 46] يَقُولُ: يَغْلِي ذَلِكَ فِي بُطُونِ هَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءِ كَغَلْيِ الْمَاءِ الْمَحْمُومِ، وَهُوَ الْمُسَخَّنُ الَّذِي قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى تَنَاهَتْ شِدَّةُ حَرِّهِ،
وَقِيلَ: حَمِيمٌ وَهُوَ مَحْمُومٌ، لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا يُقَالُ: قَتِيلٌ مِنْ مَقْتُولٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿خُذُوهُ﴾ [الدخان: 47] يَعْنِي هَذَا الْأَثِيمَ بِرَبِّهِ، الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامٌ ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: 47] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَادْفَعُوهُ وَسُوقُوهُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ عَتْلًا: إِذَا
سَاقَهُ بِالدَّفْعِ وَالْجَذْبِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: لَيْسَ الْكِرَامُ بِنَاحِلِيكَ أَبَاهُمُ ... حَتَّى تُرَدَّ إِلَى عَطِيَّةَ تُعْتِلُ أَيْ تُسَاقَ دَفْعًا وَسَحْبًا
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: 47] إِلَى وَسَطِ الْجَحِيمِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: خُذُوا هَذَا الْأَثِيمَ فَسُوقُوهُ دَفْعًا فِي ظَهْرِهِ، وَسَحْبًا إِلَى وَسَطِ النَّارِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: 47] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: 47] قَالَ: «خُذُوهُ فَادْفَعُوهُ»
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: 47] لُغَتَانِ: كَسْرُ التَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ بَعْضِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْعَرَبِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَتَلَ يَعْتِلُ وَيَعْتُلُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: 47] «إِلَى وَسَطِ النَّارِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ صُبُّوا عَلَى رَأْسِ هَذَا الْأَثِيمِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، يَعْنِي: مِنَ الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: 20] وَقَدْ بَيَّنْتُ صِفَتَهُ هُنَالِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُقَالُ لِهَذَا الْأَثِيمِ الشَّقِيِّ: ذُقْ هَذَا الْعَذَابَ الَّذِي تُعَذَّبُ بِهِ الْيَوْمَ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ [البقرة: 129] فِي قَوْمِكَ ﴿الْكَرِيمُ﴾ [المؤمنون: 116] عَلَيْهِمْ وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 48] " نَزَلَتْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَهُ فَهَزَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: أَيُوعِدُنِي مُحَمَّدٌ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا " وَفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24] وَفِيهِ نَزَلَتْ ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19] وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ قَتَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: 47] قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا رَجُلٌ أَعَزُّ وَلَا أَكْرَمُ مِنِّي، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: 47] قَالَ: «هَذَا لِأَبِي جَهْلٍ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ وَهُوَ يُهَانُ بِالْعَذَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ، وَيُذَلُّ بِالْعَتْلِ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ؟ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] غَيْرُ وَصَفٍ مِنْ قَائِلِ ذَلِكَ لَهُ بِالْعِزَّةِ وَالْكَرَمِ، وَلَكِنَّهُ تَقْرِيعٌ
مِنْهُ لَهُ بِمَا كَانَ يَصِفُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، وَتَوْبِيخٌ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا يَقُولُ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، فَقِيلَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، إِذْ عُذِّبَ بِمَا عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ: ذُقْ هَذَا الْهَوَانَ الْيَوْمَ، فَإِنَّكَ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، وَإِنَّكَ أَنْتَ الذَّلِيلُ الْمَهِينُ، فَأَيْنَ الَّذِي كُنْتَ تَقُولُ وَتَدَّعِي مِنَ الْعِزِّ وَالْكَرَمِ، هَلَّا تَمْتَنِعُ مِنَ الْعَذَابِ بِعِزَّتِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَ ثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: " لِلَّهِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ: اتَّزَرَ بِالْعِزِّ، وَتَسَرْبَلَ الرَّحْمَةَ، وَارْتَدَى الْكِبْرِيَاءَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَمَنْ تَعَزَّزَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّهُ اللَّهُ فَذَاكَ الَّذِي يُقَالُ: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، وَمَنْ رَحِمَ النَّاسَ فَذَاكَ الَّذِي سَرْبَلَ اللَّهَ سِرْبَالَهُ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ فَذَاكَ الَّذِي نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَلَّ وَعَزَّ " وَأَجْمَعَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ جَمِيعًا عَلَى كَسْرِ الْأَلْفِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾ [الدخان: 49] عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ وَحِكَايَةُ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ: إِنِّي أَنَا الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (ذُقْ أَنَّكَ) بِفَتْحِ الْأَلْفِ عَلَى أَعْمَالِ قَوْلِهِ: ﴿ (ذُقْ) ﴾ فِي قَوْلِهِ: «أَنَّكَ» كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: ذُقْ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي قُلْتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا كَسْرُ الْأَلْفِ مِنْ ﴿إِنَّكَ﴾ [الدخان: 49] عَلَى
الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُ لِقَارِئِهِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ، وَكَفَى دَلِيلًا عَلَى خَطَأِ قِرَاءَةٍ، خِلَافُهَا مَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، مَعَ بُعْدِهَا مِنَ الصِّحَّةِ فِي الْمَعْنَى وَفِرَاقِهَا تَأْوِيلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُقَالُ لَهُ: إِنَّ هَذَا الْعَذَابَ الَّذِي تُعَذَّبُ بِهِ الْيَوْمَ، هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَشُكُّونَ، فَتَخْتَصِمُونَ فِيهِ، وَلَا تُوقِنُونَ بِهِ فَقَدْ لَقِيتُمُوهُ، فَذُوقُوهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِأَدَاءِ طَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ فِي مَوْضِعِ إِقَامَةٍ، آمِنَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِمَّا كَانَ يُخَافُ مِنْهُ فِي مَقَامَاتِ الدُّنْيَا مِنَ الْأَوْصَابِ وَالْعِلَلِ
وَالْأَنْصَابِ وَالْأَحْزَانِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: 51] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (فِي مُقَامٍ أَمِينٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ، بِمَعْنَى: فِي إِقَامَةٍ أَمِينٍ مِنَ الظَّعْنِ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ ﴿فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا، وَتَوْجِيهًا إِلَى أَنَّهُمْ فِي مَكَانٍ وَمَوْضِعٍ أَمِينٍ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: 51] «إِي وَاللَّهِ، أَمِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَحْزَانِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: 45] الْجَنَّاتُ وَالْعُيُونُ تَرْجَمَةٌ عَنِ الْمَقَامِ الْأَمِينِ، وَالْمَقَامُ الْأَمِينُ: هُوَ الْجَنَّاتُ وَالْعُيُونُ، وَالْجَنَّاتُ: الْبَسَاتِينُ، وَالْعُيُونُ: عُيُونُ الْمَاءِ الْمُطْرَدِ فِي أُصُولِ أَشْجَارِ الْجَنَّاتِ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسِ﴾ [الدخان: 53] يَقُولُ: يَلْبَسُ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقُونَ فِي هَذِهِ الْجَنَّاتِ مِنْ سُنْدُسٍ، وَهُوَ مَا رَقَّ مِنَ الدِّيبَاجِ وَإِسْتَبْرَقٍ: وَهُوَ مَا غِلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: 31] قَالَ: " الْإِسْتَبْرَقُ: الدِّيبَاجُ الْغَلِيظُ " وَقِيلَ: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان: 53] وَلَمْ يَقُلْ لِبَاسًا، اسْتِغْنَاءً بِدِلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47] يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ يُقَابِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْوُجُوهِ، وَلَا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ فِي قَفَا بَعْضٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لَا يَذُوقوُنَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْكَرَامَةِ بِإِدْخَالِنَاهُمُ الْجَنَّاتِ،
وَإِلْبَاسِنَاهُمْ فِيهَا السُّنْدُسَ وَالْإِسْتَبْرَقَ، كَذَلِكَ أَكْرَمْنَاهُمْ بِأَنْ زَوَّجْنَاهُمْ أَيْضًا فِيهَا حُورًا مِنَ النِّسَاءِ، وَمِنَ النَّقِيَّاتِ الْبَيَاضِ، وَاحِدَتُهُنَّ: حَوْرَاءُ
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي مَعْنَى الْحُورِ، مَا: حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: 54] قَالَ: " أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا قَالَ: وَالْحُورُ: اللَّاتِي يَحَارُ فِيهِنَّ الطَّرْفُ بَادٍ مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهِنَّ، وَيَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ فِي كَبِدِ إِحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رِقَّةِ الْجِلْدِ، وَصَفَاءِ اللَّوْنِ " وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّ الْحُورَ إِنَّمَا مَعْنَاهَا: أَنَّهُ يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ الْحُورَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ حَوْرَاءَ، كَالْحُمْرِ جَمْعُ حَمْرَاءَ، وَالسُّودُ: جَمْعُ سَوْدَاءَ، وَالْحَوْرَاءُ إِنَّمَا هِيَ فَعْلَاءُ مِنَ الْحَوَرِ وَهُوَ نَقَاءُ الْبَيَاضِ، كَمَا قِيلَ لِلنَّقِيِّ الْبَيَاضِ مِنَ الطَّعَامِ الْحَوَارِيُّ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ سَائِرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: 54] قَالَ: بَيْضَاءَ عَيْنَاءَ " قَالَ: وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «بِعِيسٍ عِينٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: 54] قَالَ: «بِيضٌ عِينٍ» قَالَ: «وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ» بِعِيسٍ عِينٍ " وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ هَذِهِ، يَعْنِي أَنَّ مَعْنَى الْحُورِ غَيْرُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ، لِأَنَّ الْعِيسَ عِنْدَ الْعَرَبِ جَمْعُ عَيْسَاءَ، وَهِيَ الْبَيْضَاءُ مِنَ الْإِبِلِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: وَمَهْمَهٍ نَازِحٍ تَعْوِي الذِّئَابُ بِهِ ... كَلَّفْتُ أَعْيَسَ تَحْتَ الرَّحْلِ نَعَّابًا يَعْنِي بِالْأَعْيَسِ: جَمَلًا أَبْيَضَ فَأَمَّا الْعِينُ فَإِنَّهَا جَمْعُ عَيْنَاءَ، وَهِيَ الْعَظِيمَةُ الْعَيْنَيْنِ مِنَ النِّسَاءِ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ [ص: 51] الْآيَةَ، يَقُولُ: يَدْعُو هَؤُلَاءِ الْمُتَّقُونَ فِي الْجَنَّةِ بِكُلِّ
نَوْعٍ مِنْ فَوَاكِهِ الْجَنَّةِ اشْتَهَوْهُ، آمِنَيْنِ فِيهَا مِنَ انْقِطَاعِ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَنَفَادِهِ وَفَنَائِهِ، وَمِنْ غَائِلَةِ أَذَاهُ وَمَكْرُوهِهِ، يَقُولُ: لَيْسَتْ تِلْكَ الْفَاكِهَةُ هُنَالِكَ كَفَاكِهَةِ الدُّنْيَا الَّتِي نَأْكُلُهَا، وَهُمْ يَخَافُونَ مَكْرُوهَ عَاقِبَتِهَا، وَغِبَّ أَذَاهَا مَعَ نَفَادِهَا مِنْ عِنْدِهِمْ، وَعَدَمِهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ
وَكَانَ قَتَادَةُ يُوَجُّهُ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿آمِنَيْنِ﴾ [يوسف: 99] إِلَى مَا: حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنَيْنِ﴾ [الدخان: 55] «آمَنُوا مِنَ الْمَوْتِ وَالْأَوْصَابِ وَالشَّيْطَانِ»