وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] فَإِنَّ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَةِ الصَّوْمِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: صِفَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُوَاصِلًا بَيْنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ غَيْرَ مُفَرِّقِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كُلُّ صَوْمٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مُتَتَابِعٌ إِلَّا قَضَاءَ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَهَنَّادٌ، قَالَا: ثنا وَكِيعٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَأُ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، " أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ قَزَعَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: " فِي قِرَاءَتِنَا: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «فِي قِرَاءَةِ أَصْحَابِ عبْدِ اللَّهِ» فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ: «إِذَا فَرَّقَ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يُجْزِهِ» . قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي رَجُلٍ صَامَ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ ثُمَّ أَفْطَرَ، قَالَ: «يَسْتَقْبِلُ الصَّوْمَ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا جَامِعُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196] ، قَالَ: " إِذَا لَمْ يَجِدْ طَعَامًا وَكَانَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ قَتَادَةُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «هُوَ بِالْخِيَارِ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ» وَقَالَ آخَرُونَ: جَائِزٌ لِمَنْ صَامَهُنَّ أَنْ يَصُومَهُنَّ كَيْفَ شَاءَ مُجْتَمِعَاتٍ وَمُفْتَرِقَاتٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: «كُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الصِّيَامِ، فَأَنْ يُصَامَ تِبَاعًا أَعْجَبُ، فَإِنْ فَرَّقَهَا رَجَوْتُ أَنْ تُجْزِيَ عَنْهُ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِلَى تَكْفِيرِهَا بِالْإِطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ أَوِ الْعِتْقِ سَبِيلًا، أَنْ يُكَفِّرَهَا بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَشْرِطْ فِي ذَلِكَ مُتَتَابَعَةً، فَكَيْفَمَا صَامَهُنَّ الْمُكَفِّرُ مُفَرَقَةً وَمُتَتَابَعَةً أَجْزَأَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَكَيْفَمَا أَتَى بِصَوْمِهِنَّ أَجْزَأَ.
فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قِرَاءَتِهِمَا (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) فَذَلِكَ خِلَافُ مَا فِي مَصَاحِفِنَا، وَغَيْرُ جَائِزٍ لَنَا أَنْ نَشْهَدَ بِشَيْءٍ لَيْسَ فِي مَصَاحِفِنَا مِنَ الْكَلَامِ أَنَّهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ لِلصَّائِمِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يُتَابِعَ بَيْنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يُفَرِّقُ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ كَفَّارَتِهِ.
وَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ، فَفِعْلُ مَا لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ جَائِزًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: 2] هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ أَنَّهُ ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] مِنْ إِطْعَامِ الْعَشَرَةِ الْمَسَاكِينِ أَوْ كِسْوَتِهِمْ أَوْ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، وَصِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ إِذَا لَمْ تَجِدُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، هُوَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمُ الَّتِي عَقَّدْتُمُوهَا ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا﴾ [المائدة: 89] أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿أَيْمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 225] أَنْ تَحْنَثُوا فِيهَا ثُمَّ تُضَيِّعُوا الْكَفَّارَةَ فِيهَا بِمَا وَصَفْتُهُ لَكُمْ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: 242] كَمَا بَيْنَ لَكُمْ كَفَّارَةَ أَيْمَانِكُمْ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ جَمِيعَ آيَاتِهِ، يَعْنِي: أَعْلَامَ دِينِهِ، فَيُوَضِّحُهَا لَكُمْ، لِئَلَّا يَقُولَ الْمُضَيِّعُ الْمُفَرِّطُ فِيمَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ: لَمْ أَعْلَمْ حُكْمَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 52] يَقُولُ: لِتَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى هِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ وَتَوْفِيقِهِ لَكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] وَهَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّذِينَ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّسَاءَ وَالنَّوْمَ وَاللَّحْمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشَبُّهًا مِنْهُمْ بِالْقِسِّيسِينَ
وَالرُّهْبَانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابَهُ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] فَنَهَاهُمْ بِذَلِكَ عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَعْتَدُوا أَيْضًا فِي حِدُودِي، فَتُحِلُّوا مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَكُمْ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لَكُمْ تَحْرِيمُ مَا حَلَلْتُ، وَإِنِّي لَا أُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَنِ الَّذِي حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِمَّا إِذَا اسْتَحَلُّوهُ وَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِ كَانُوا مِنَ الْمُعْتَدِينَ فِي حُدُودِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي تَشْرَبُونَهَا، وَالْمَيْسِرَ الَّذِي تَتَيَاسَرُونَهُ، وَالْأَنْصَابَ الَّتِي تَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَالْأَزْلَامَ الَّتِي
تَسْتَقْسِمُونَ بِهَا ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة: 90] يَقُولُ: إِثْمٌ وَنَتْنٌ، سَخِطَهُ اللَّهُ وَكَرِهَهُ لَكُمْ ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] يَقُولُ: شُرْبُكُمُ الْخَمْرَ، وَقِمَارُكُمْ عَلَى الْجُزُرِ، وَذَبْحُكُمْ لِلْأَنْصَابِ، وَاسْتِقْسَامُكُمْ بِالْأَزْلَامِ مِنْ تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَكُمْ، وَدُعَائِهِ إِيَّاكُمْ إِلَيْهِ، وَتَحْسِينِهِ لَكُمْ، لَا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي نَدَبَكُمْ إِلَيْهَا رَبُّكُمْ، وَلَا مِمَّا يَرْضَاهُ لَكُمْ، بَلْ هُوَ مِمَّا يَسْخَطُهُ لَكُمْ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] يَقُولُ: فَاتْرُكُوهُ وَارْفُضُوهُ، وَلَا تَعْمَلُوهُ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] يَقُولُ: لَكِيْ تَنْجَحُوا فَتَدَرَكُوا الْفَلَاحَ عِنْدَ رَبِّكُمْ، بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَزْلَامِ فِيمَا مَضَى، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ.
وَأَمَّا الْأَنْصَابُ، فَإِنَّهَا جَمْعُ نَصَبٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النَّصَبِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى الرِّجْسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا:
حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] يَقُولُ: سَخَطٌ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] قَالَ: " الرِّجْسُ: الشَّرُّ " ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] يَقُولُ: فَاتْرُكُوهُ وَارْفُضُوهُ، وَلَا تَعْمَلُوهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] يَقُولُ: لِكَيْ تَنْجَحُوا فَتُدْرِكُوا الْفَلَاحَ عِنْدَ رَبِّكُمْ بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيُصَدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا يُرِيدُ لَكُمُ الشَّيْطَانُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالْمُيَاسَرَةِ بِالْقِدَاحِ، وَيُحَسِّنُ ذَلِكَ لَكُمْ إِرَادَةً مِنْهُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي شُرْبِكُمُ الْخَمْرَ
وَمُيَاسَرَتِكُمْ بِالْقِدَاحِ، لِيُعَادِيَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، وَيُبَغِّضَ بَعْضَكُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيُشَتِّتُ أَمْرَكُمْ بَعْدَ تَأْلِيفِ اللَّهِ بَيْنَكُمْ بِالْإِيمَانِ وَجَمْعِهِ بَيْنَكُمْ بِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ.
﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 91] يَقُولُ: وَيَصْرِفُكُمْ بِغَلَبَةِ هَذِهِ الْخَمْرِ بِسُكْرِهَا إِيَّاكُمْ عَلَيْكُمْ وَبِاشْتِغَالِكُمْ بِهَذَا الْمَيْسِرِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي بِهِ صَلَاحُ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، وَعَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] يَقُولُ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ عَنْ شُرْبِ هَذِهِ، وَالْمُيَاسَرَةِ بِهَذَا، وَعَامِلُونَ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ مِنْ أَدَاءِ مَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنَ الصَّلَاةِ لِأَوْقَاتِهَا، وَلُزُومِ ذِكْرِهِ الَّذِي بِهِ نَجَحُ طَلَبَاتِكُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَكْرُوهَ عَاقِبَةٍ شَرِبَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَحْرِيمَهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219] ، قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] ، قَالَ: وَكَانَ مُنَادِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ: لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ السَّكْرَانُ، قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، قَالَ: فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: 90] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا " حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ بِالْعَقْلِ وَالْمَالِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ وَإِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثني أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ النَّاسُ، وَقَدْ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِرَ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] ، فَقَالُوا: هَذَا شَيْءٌ قَدْ جَاءَ فِيهِ رُخْصَةٌ، نَأْكُلُ الْمَيْسِرَ وَنَشْرَبُ الْخَمْرَ،
وَنَسْتَغْفِرُ مِنْ ذَلِكَ.
حَتَّى أَتَى رَجُلٌ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ.
فَجَعَلَ لَا يَجَوِّدُ ذَلِكَ وَلَا يَدْرِي مَا يَقْرَأُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] ، فَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَيَدَعُونَ شُرْبَهَا، فَيَأْتُونَ الصَّلَاةَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا يَقُولُونَ.
فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: 90] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] ، فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا يَا رَبُّ " وَقَالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَاحَى رَجُلًا عَلَى شَرَابٍ لَهُمَا، فَضَرَبَهُ صَاحِبُهُ بِلَحْيِ جَمَلٍ، فَفَزَرَ أَنْفَهُ، فَنَزَلَتْ فِيهِمَا
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: " صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طَعَامًا فَدَعَانَا، قَالَ: فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ حَتَّى انْتَشَيْنَا، فَتَفَاخَرَتِ الْأَنْصَارُ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ.
قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَحْيَ جَمَلٍ فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، فَكَانَ سَعْدٌ أَفْزَرَ الْأَنْفِ.
قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ: " شَرِبْتُ مَعَ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَظُنُّ بِفَكِّ جَمَلٍ فَكَسَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ " حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَرِبْتُ الْخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ " أَنَّ أَوَّلَ مَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَصْحَابًا لَهُ شَرِبُوا، فَاقْتَتَلُوا، فَكَسَّرُوا أَنْفَ سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90] الْآيَةَ " وَقَالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا رَبِيعَةُ
بْنُ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ، شَرِبُوا حَتَّى إِذَا ثَمِلُوا عَبَثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا أَنْ صَحُوا جَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَرَى الْأَثَرَ بِوَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: فَعَلَ بِي هَذَا أَخِي فُلَانٌ وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا مَا فَعَلَ بِي هَذَا، حَتَّى وَقَعَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الضَّغَائِنُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ فُلَانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ، عَنْ سَلَّامٍ، مَوْلَى حَفْصِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " بَيْنَمَا نَحْنُ قُعُودٌ عَلَى شَرَابٍ لَنَا وَنَحْنُ نَشْرَبُ الْخَمْرَ حِلًّا، إِذْ قُمْتُ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ: {فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] ، فَجِئْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] . قَالَ: وَبَعْضُ الْقَوْمِ شَرْبَتُهُ فِي يَدِهِ قَدْ شَرِبَ بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ فِي الْإِنَاءِ، فَقَالَ بِالْإِنَاءِ تَحْتَ شَفَتِهِ الْعُلْيَا كَمَا يَفْعَلُ الْحَجَّامُ، ثُمَّ صَبُّوا مَا فِي بَاطِيَتِهِمْ، فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا، انْتَهَيْنَا رَبَّنَا " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ كَانَتْ تَكُونُ بَيْنَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِ الْمَيْسِرِ لَا بِسَبَبِ السُّكْرِ الَّذِي يَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَلِذَلِكَ نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْمَيْسِرِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا جَامِعُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ بِشْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ يَزِيدَ وَحَدَّثَنِيهِ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَامِرُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَيَقْعُدُ حَزِينًا سَلِيبًا يَنْظُرُ إِلَى مَالِهِ فِي يَدَيْ غَيْرِهِ، فَكَانَتْ تُورِثُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وَبَغْضَاءَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَدَّمَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالَّذِي يُصْلِحُ خَلْقَهُ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي سَمَّاهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ رِجْسًا وَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَجَائِزٌ أَنْ
يَكُونَ نُزُولُهَا كَانَ بِسَبَبِ دُعَاءِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَمْرِ الْخَمْرِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ مَا نَالَ سَعْدًا مِنَ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ انْتِشَائِهِمَا مِنَ الشَّرَابِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْ أَجْلِ مَا كَانَ يَلْحَقُ أَحَدَهُمْ عِنْدَ ذَهَابِ مَالِهِ بِالْقِمَارِ مِنْ عَدَاوَةِ مَنْ يَسَرَهُ وَبُغْضِهِ.
وَلَيْسَ عِنْدَنَا بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ خَبَرٌ قَاطِعٌ لِلْعُذْرِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَقَدْ لَزِمَ حُكْمُ الْآيَةِ جَمِيعَ أَهْلِ التَّكْلِيفِ، وَغَيْرُ ضَائِرِهِمُ الْجَهْلُ بِالسَّبَبِ الَّذِي لَهُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَالْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بِلَغَتْهُ الْآيَةُ مِنَ التَّكْلِيفِ اجْتِنَابُ جَمِيعِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: 92] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِي اجْتِنَابِكُمْ ذَلِكَ وَاتِّبَاعِكُمْ
أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الِانْزِجَارِ عَمَّا زَجَرَكُمْ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي بَيَّنَهَا لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا، وَخَالِفُوا الشَّيْطَانَ فِي أَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَبْغِي لَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَكُمْ بِالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴿وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: 92] يَقُولُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَرَاقِبُوهُ أَنْ يَرَاكُمْ عِنْدَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ يَفْقِدَكُمْ عِنْدَ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَتُوبِقُوا أَنْفُسَكُمْ وَتُهْلِكُوهَا ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 92] يَقُولُ: فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَعْمَلُوا بِمَا أَمَرْنَاكُمْ بِهِ وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْهُ وَرَجَعْتُمْ مُدْبِرِينَ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: 92]
يَقُولُ: فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ بِالنِّذَارِةِ غَيْرُ إِبْلَاغِكُمُ الرِّسَالَةَ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا إِلَيْكُمْ، مُبَيَّنَةً لَكُمْ بَيَانًا يُوَضِّحُ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَالطَّرِيقَ الَّذِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَسْلُكُوهُ، وَأَمَّا الْعِقَابُ عَلَى التَّوْلِيَةِ وَالِانْتِقَامِ بِالْمَعْصِيَةِ، فَعَلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ دُونَ الرُّسُلِ.
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِيدٌ لِمَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ أَمْرِي وَنَهْيِي، فَتَوَقَّعُوا عِقَابِي وَاحْذَرُوا سَخَطِي.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 93] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا إِذْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] : كَيْفَ بِمَنْ هَلَكَ مِنْ إِخْوَانِنَا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا وَبِنَا وَقَدْ كُنَّا نَشْرَبُهَا: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: 93] مِنْكُمْ حَرَجٌ فِيمَا شَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: 93] ، يَقُولُ: إِذَا مَا اتَّقَى اللَّهَ الْأَحْيَاءُ مِنْهُمْ، فَخَافُوهُ وَرَاقَبُوهُ فِي اجْتِنَابِهِمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَصَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَاهُمْ وَنَهَاهُمْ، فَأَطَاعُوهُمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: وَاكْتَسَبُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا كَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ رَبُّهُمْ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] يَقُولُ: ثُمَّ خَافُوا اللَّهَ وَرَاقَبُوهُ بِاجْتِنَابِهِمْ مَحَارِمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ أَيْضًا، فَثَبَتُوا عَلَى اتِّقَاءِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَلَمْ يُبَدِّلُوا ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: 93] يَقُولُ: ثُمَّ خَافُوا اللَّهَ، فَدَعَاهُمْ خَوْفُهُمُ اللَّهَ إِلَى الْإِحْسَانِ، وَذَلِكَ