الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ خَالِصَةً لَا شِرْكَةَ فِيهِ لِشَيْءٍ سِوَاهُ، هُوَ الْإِلَهِ ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 99] ، فَأَخْرَجْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ غِذَاءِ الْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَالْوَحْشِ، وَأَرْزَاقِ بَنِي آدَمَ وَأَقْوَاتِهِمْ مَا يَتَغَذَّوْنَ بِهِ وَيَأْكُلُونَهُ فَيَنْبُتُونَ عَلَيْهِ وَيَنْمُونَ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 99] ، فَأَخْرَجْنَا بِهِ مَا يَنْبُتُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَيَنْمُو عَلَيْهِ وَيَصْلُحُ.
وَلَوْ قِيلَ مَعْنَاهُ: فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ، فَيَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ هُوَ أَصْنَافَ النَّبَاتِ، كَانَ مَذْهَبًا، وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ: فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ يَعْنِي مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ خَضِرًا رَطِبًا مِنَ الزَّرْعِ، وَالْخَضِرُ: هُوَ الْأَخْضَرُ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ: أَرِنِيهَا نَمِرَةً أُرِكْهَا مَطِرَةً، يُقَالُ: خَضِرَتِ الْأَرْضُ خَضِرًا وَخَضَارَةً، وَالْخَضِرُ: رَطْبُ الْبُقُولِ، وَيُقَالُ: نَخْلَةٌ
خُضَيْرَةٌ: إِذَا كَانَتْ تَرْمِي بِبُسْرِهَا أَخْضَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْضُجَ، وَقَدِ اخْتُضِرَ الرَّجُلُ وَاغْتُضِرَ: إِذَا مَاتَ شَابًّا مُصَحَّحًا، وَيُقَالُ: هُوَ لَكَ خَضِرًا مَضِرًا: أَيْ هَنِيئًا مَرِيئًا.
قَوْلُهُ: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ: نُخْرِجُ مِنَ الْخَضِرِ حَبًّا، يَعْنِي: مَا فِي السُّنْبُلِ، سُنْبُلِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السَّنَابِلِ الَّتِي حَبُّهَا يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: 99] : «فَهَذَا السُّنْبُلُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ، وَلِذَلِكَ رُفِعَتِ (الْقِنْوَانُ) . وَالْقِنْوَانُ: جَمْعُ قِنْو، كَمَا الصِّنْوَانُ: جَمْعُ صِنْو، وَهُوَ الْعِذْقُ، يُقَالُ لِلْوَاحِدِ: هُوَ قِنْوٌ وَقُنْوٌ وَقَنَا: يُثَنَّى قِنْوَانِ، وَيُجْمَعُ قِنْوَانٌ
وَقُنْوَانٌ، قَالُوا فِي جَمْعِ قَلِيلِهِ: ثَلَاثَةُ أَقْنَاءٍ، وَالْقِنْوَانِ: مِنْ لُغَةِ الْحِجَازِ، وَالْقُنْوَانُ: مِنْ لُغَةِ قَيْسٍ، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [البحر الطويل]
فَأَثَّتْ أَعَالِيهِ وَآدَتْ أُصُولُهُ ... وَمَالَ بِقِنْوَانٍ مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا
وَقِنْيَانٍ، جَمِيعًا، وَقَالَ آخَرُ:
[البحر الطويل]
لَهَا ذَنَبٌ كَالْقِنْوِ قَدْ مَذِلَتْ بِهِ ... وَأَسْحَمَ لِلتِّخْطَارِ بَعْدَ التَّشَذُّرِ
وَتَمِيمٌ تَقُولُ: قِنْيَانٌ، بِالْيَاءِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] : قَرِيبَةً مُتَهَدِّلَةً وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] : " يَعْنِي بِالْقِنْوَانِ الدَّانِيَةِ: قِصَارَ النَّخْلِ لَاصِقَةً عُذُوقَهَا بِالْأَرْضِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: «عُذُوقٌ مُتَهَدِّلَةٌ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ: «مُتَهَدِّلَةٌ»
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: «قَرِيبَةٌ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: «قَرِيبَةٌ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: «الدَّانِيَةُ لِتَهَدُّلِ الْعُذُوقِ مِنَ الطَّلْعِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] : يَعْنِي: " النَّخْلَ الْقِصَارَ الْمُلْتَزِقَةَ بِالْأَرْضِ، وَالْقِنْوَانُ: طَلْعُهُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَخْرَجْنَا أَيْضًا جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ، يَعْنِي: بَسَاتِينَ مِنْ أَعْنَابٍ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ [آل عمران: 136] نَصْبًا، غَيْرَ أَنَّ التَّاءَ كُسِرَتْ لِأَنَّهَا تَاءُ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ،
وَهِيَ تُخْفَضُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ
وَقَدْ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، أَنَّهُ قَرَأَ: (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ) بِالرَّفْعِ فَرَفَعَ (جَنَّاتٌ) عَلَى إِتْبَاعِهَا (الْقِنْوَانَ) فِي الْإِعْرَابِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ يُقْرَأَ ذَلِكَ إِلَّا بِهَا النَّصْبُ ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الأنعام: 99] ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِهَا وَالْقِرَاءَةِ بِهَا وَرَفْضِهِمْ مَا
عَدَاهَا، وَبُعْدُ مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ الصَّوَابِ إِذْ قُرِئَ رَفْعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ [الأنعام: 99] عَطْفٌ بِالزَّيْتُونِ عَلَى (الْجَنَّاتِ) بِمَعْنَى: وَأَخْرَجْنَا الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي مَعْنَى ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: 99]
مَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: «مُشْتَبِهًا وَرَقُهُ، مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ» وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ: مُشْتَبِهًا فِي الْخَلْقِ، مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَشَجَرُ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ، فَاكْتَفَى مِنْ ذِكْرِ الشَّجَرِ بِذِكْرِ ثَمَرِهِ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْقَرْيَةِ مِنْ ذِكْرِ أَهْلِهَا، لِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ بِمَعْنَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: 99] بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (إِلَى ثُمُرِهِ) بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ.
فَكَأَنَّ مَنْ فَتَحَ الثَّاءَ وَالْمِيمَ مِنْ ذَلِكَ وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِ هَذِهِ الْأَشْجَارِ الَّتِي سَمَّيْنَا مِنَ النَّخْلِ وَالْأَعْنَابِ وَالزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ إِذَا أَثْمَرَ، وَأَنَّ الثَّمَرَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ، كَمَا الْقَصَبُ جَمْعُ قَصَبَةٍ، وَالْخَشَبُ جَمْعُ خَشَبَةٍ.
وَكَأَنَّ مَنْ ضَمَّ الثَّاءَ وَالْمِيمَ، وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ جَمْعُ ثِمَارٍ، كَمَا الْحُمُرُ جَمْعُ حِمَارٍ، وَالْجُرُبُ جَمْعُ جِرَابٍ
وَقَدْ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (إِلَى ثُمُرِهِ) يَقُولُ: «هُوَ أَصْنَافُ الْمَالِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الثُّمُرُ: هُوَ الْمَالُ، وَالثَّمَرُ: ثَمَرُ النَّخْلِ " وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثُمُرِهِ﴾ [الأنعام: 99] بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ أَصْنَافًا مِنَ الْمَالِ، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَكَذَلِكَ حَبَّ الزَّرْعِ الْمُتَرَاكِبَ، وَقِنْوَانَ النَّخْلِ الدَّانِيَةَ، وَالْجَنَّاتِ مِنَ الْأَعْنَابِ وَالزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَنْوَاعًا مِنَ الثَّمَرِ، فَجُمِعَتِ الثَّمَرَةُ ثَمَرًا، ثُمَّ جُمِعَ الثَّمَرُ ثِمَارًا، ثُمَّ جُمِعَ ذَلِكَ فَقِيلَ: (انْظُرُوا إِلَى ثُمُرِهِ) ، فَكَانَ ذَلِكَ جَمْعَ الثِّمَارِ، وَالثِّمَارُ جَمْعَ الثَّمَرَةِ، وَإِثْمَارُهُ: عَقْدُ الثَّمَرِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] فَإِنَّهُ: نُضْجُهُ وَبُلُوغُهُ حِينَ يَبْلُغُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي
يَنْعِهِ: إِذَا فُتِحَتْ يَاؤُهُ: هُوَ جَمْعُ يَانِعٍ، كَمَا التَّجْرِ: جَمْعُ تَاجِرٍ، وَالصَّحْبِ: جَمْعُ صَاحِبٍ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَرَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَنَعَ الثَّمَرُ فَهُوَ يَيْنَعُ يَنْعًا، وَيَحْكِي فِي مَصْدَرِهِ عَنِ الْعَرَبِ لُغَاتٍ ثَلَاثًا: يَنْعٌ، وَيُنْعٌ، وَيَنَعٍ، وَكَذَلِكَ فِي النَّضْجِ النُّضْجُ وَالنَّضَجُ.
وَأَمَّا فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: (وَيَانِعِهِ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَنَاضِجِهِ وَبَالِغِهِ، وَقَدْ يَجُوزُ فِي مَصْدَرِهِ يُنُوعًا، وَمَسْمُوعٌ عِنْدَ الْعَرَبِ: أَيْنَعَتِ الثَّمَرَةُ تُونِعُ إِينَاعًا، وَمِنْ لُغَةِ الَّذِينَ قَالُوا يَنَعَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر المديد]
فِي قِبَابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] يَعْنِي: «إِذَا نَضَجَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: " يَنْعُهُ: نُضْجُهُ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] : «أَيْ نُضْجُهُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: «نُضْجُهُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ: «وَنُضْجُهُ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: يَعْنِي: «نُضْجَهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: 99] قَالَ: «نُضْجُهُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 79] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْخَضِرَ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْهُ الْحَبَّ الْمُتَرَاكِبَ، وَسَائِرَ مَا عَدَّدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ، ﴿لَآيَاتٍ﴾ [البقرة: 164] يَقُولُ: فِي ذَلِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا
أَنْتُمْ
نَظَرْتُمْ إِلَى ثَمَرِهِ عِنْدَ عَقْدَ ثَمَرِهِ، وَعِنْدَ يَنْعِهِ وَانْتِهَائِهِ، فَرَأَيْتُمُ اخْتِلَافَ أَحْوَالِهِ وَتَصَرُّفَهُ فِي زِيَادَتِهِ وَنُمُوِّهِ، عَلِمْتُمْ أَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَكَانَ فِيهِ حُجَجٌ وَبُرْهَانٌ وَبَيَانٌ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99] يَقُولُ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ.
وَخَصَّ بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَالْمُعْتَبِرُونَ بِهَا، دُونَ مَنْ قَدْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَعْرِفُ حَقًّا مِنْ بَاطِلٍ، وَلَا يَتَبَيَّنُ هُدًى مِنْ ضَلَالَةٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ لِلَّهِ ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100] كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] . وَفِي الْجِنِّ وَجْهَانِ
مِنَ النَّصْبِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلشُّرَكَاءِ، وَالْآخِرَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ الْجِنَّ شُرَكَاءَ وَهُوَ خَالِقُهُمْ) . وَاخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100] ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100] عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ مُنْفَرِدًا بِخَلْقِهِ إِيَّاهُمْ.
وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ مَا
حَدَّثَنِي بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ وَاصِلٍ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرٍ، أَنَّهُ قَالَ: (شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلْقَهُمْ) بِجَزْمِ اللَّامِ
بِمَعْنَى أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْجِنَّ شُرَكَاءُ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ إِيَّانَا وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100] ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿خَرَقُوا﴾ [الأنعام: 100] اخْتَلَقُوا، يُقَالُ: اخْتَلَقَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ كَذِبًا وَاخْتَرَقَهُ: إِذَا افْتَعَلَهُ وَافْتَرَاهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100] وَاللَّهُ خَلَقَهُمْ، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [الأنعام: 100] يَعْنِي: أَنَّهُمْ تَخَرَّصُوا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] قَالَ: «جَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] قَالَ: «كَذَبُوا»