وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ [النور: 55] يَقُولُ: يَخْضَعُونَ لِي بِالطَّاعَةِ , وَيَتَذَلَّلُونَ لِأَمْرِي وَنَهْيِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55] يَقُولُ: لَا يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّايَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ وَلَا شَيْئًا غَيْرَهَا، بَلْ يُخْلِصُونَ لِيَ الْعِبَادَةَ فَيُفْرِدُونَهَا إِلَيَّ دُونَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِي.
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ شِكَايَةِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي
كَانُوا فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ فِي خَوْفٍ شَدِيدٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ
مِنَ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ , وَمَا يُلْقَوْنَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: 55] الْآيَةُ قَالَ: " مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ خَائِفًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً , قَالَ: ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ: فَمَكَثَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ خَائِفُونَ، يُصْبِحُونَ فِي السِّلَاحِ , وَيُمْسُونَ فِيهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ عَنَّا السِّلَاحَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَغْبُرُونَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلَإِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا فِيهِ , لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [النور: 55] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 12] قَالَ: " يَقُولُ: مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82] وَلَيْسَ يَعْنِي الْكُفْرَ بِاللَّهِ.
قَالَ: فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَآمَنُوا، ثُمَّ تَجَبَّرُوا، فَغَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ.
وَكَفَرُوا بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَأَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ الَّذِي كَانَ رَفَعَهُ عَنْهُمْ؛ قَالَ الْقَاسِمُ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: «بِقَتْلِهِمْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْكُفْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 12] فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ كُفْرٌ بِالنِّعْمَةِ لَا كَفْرٌ بِاللَّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ،
قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: " ذَهَبَ النِّفَاقُ، وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ قَالَ: فَضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: لِمَ تَقُولْ ذَلِكَ؟ قَالَ: عَلِمْتُ ذَلِكَ قَالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] . حَتَّى بَلَغَ آخِرَهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ , وَحُذَيْفَةَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: " ذَهَبَ النِّفَاقُ فَلَا نِفَاقَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: تَعْلَمُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 51] " حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82] " قَالَ: فَضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ.
قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، إِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا ضَحِكَ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُعْجِبُهُ , وَرُبَّمَا ضَحِكَ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي لَا يُعْجِبُهُ، فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ؟ لَا أَدْرِي وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ الْإِنْعَامَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَا أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ مُنْعِمٌ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ قَالَ عُقَيْبَ ذَلِكَ: فَمَنْ كَفَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55] قَالَ: «تِلْكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55] قَالَ: «لَا يَخَافُونَ غَيْرِي»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ [البقرة: 43] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3] بِحُدُودِهَا , فَلَا تُضَيِّعُوهَا.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ
أَهْلَهَا، وَأَطِيعُوا رَسُولَ رَبِّكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132] يَقُولُ: كَيْ يَرْحَمَكُمْ رَبُّكُمْ فَيُنَجِّيَكُمْ مِنْ عَذَابِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مُعْجِزَيهِ فِي الْأَرْضِ إِذَا أَرَادَ إِهْلَاكَهُمْ.
﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ [آل عمران: 151] بَعْدَ هَلَاكِهِمْ ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: 57] الَّذِي يَصِيرُونَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمَأْوَى وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: «لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» بِالْيَاءِ.
وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ «تَحْسَبَ» مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْصُوبَيْنِ.
وَإِذَا قُرِئََ «يَحْسَبَنَّ» لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا إِلَّا عَلَى مَنْصُوبٍ وَاحِدٍ، غَيْرَ أَنِّي أَحْسِبُ أَنَّ قَائِلَهُ
بِالْيَاءِ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِي «مُعَجِزِينَ وَأَنَّ مَنْصُوبَهُ الثَّانِيَ فِي» الْأَرْضِ "، وَذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَصَدَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 58] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَنُهُوا عَنْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سُمُّوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا بِإِذْنٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] قَالَ: «هِيَ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ
أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] قَالَ: «هِيَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، يَسْتَأْذِنُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِيَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] جَمِيعَ أَمْلَاكِ أَيْمَانِنَا، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى؛ فَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عَمَّهُ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لِيَسْتَأْذِنْكُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ عَبِيدُكُمْ وَإِمَاؤُكُمْ، فَلَا يَدْخُلُوا عَلَيْكُمْ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْكُمْ لَهُمْ.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: 58] يَقُولُ: وَالَّذِينَ لَمْ يَحْتَلِمُوا مِنْ أَحْرَارِكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَعْنِي: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ مِنْ سَاعَاتِ لَيْلِكُمْ وَنَهَارِكُمْ
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] قَالَ: عَبِيدُكُمُ الْمَمْلُوكُونَ.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: 58] قَالَ: لَمْ يَحْتَلِمُوا مِنْ أَحْرَارِكُمْ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَصَغِيرَةٍ أَنْ
يَسْتَأْذِنَ، كَمَا قَالَ: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58] قَالُوا: هِيَ الْعَتَمَةُ.
قُلْتُ: فَإِذَا وَضَعُوا ثِيَابَهُمْ بَعْدَ الْعَتَمَةِ اسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحُوا؟ قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: هَلِ اسْتِئْذَانُهُمْ إِلَّا عِنْدَ وَضْعِ النَّاسِ ثِيَابَهُمْ؟ قَالَ: لَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَيَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ , وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: «لَا اسْتِئْذَانَ عَلَى خَدَمِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ»
حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] يَقُولُ: «إِذَا خَلَا الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَلَا يَدْخُلْ عَلَيْهِ خَادِمٌ وَلَا صَبِيُّ إِلَّا بِإِذْنٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الْغَدَاةَ، فَإِذَا خَلَا بِأَهْلِهِ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَمِثْلُ ذَلِكَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُوَيْدٍ الْحَارِثِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الْإِذْنِ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ، فَقَالَ: «إِذَا وَضَعْتُ ثِيَابِي مِنَ الظَّهِيرَةِ، لَمْ يَلِجْ عَلَيَّ أحَدٌ مِنَ الْخَدَمِ الَّذِي بَلَغَ الْحُلُمَ وَلَا أحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ مِنَ الْأَحْرَارِ، إِلَّا بِإِذْنٍ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ثَلَاثُ آيَاتٍ جَحَدَهُنَّ النَّاسُ: الْإِذْنُ كُلُّهُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] , وَقَالَ النَّاسُ: أَكْرَمُكُمْ أَعْظَمُكُمْ بَيْتًا، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ "
حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: «إِذَا أَبَاتَ الرَّجُلُ خَادِمَهُ مَعَهُ فَهُوَ إِذْنُهُ، وَإِنْ لَمْ يُبِتْهُ مَعَهُ اسْتَأْذَنَ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثني مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] قَالَ: «لَمْ تُنْسَخْ» قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ قَالَ: «اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ»
قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] قُلْتُ: مَنْسُوخَةٌ هِيَ؟ قَالَ: «لَا وَاللَّهِ , مَا نُسِخَتْ» ، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهَا قَالَ: «اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ»
قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا يَتَهَاوَنُ النَّاسُ بِهِ»
قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ , قَالَ: «لَا يُعْمَلُ بِهَا الْيَوْمَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثنا حَنْظَلَةُ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُسْأَلُ عَنِ الْإِذْنِ، فَقَالَ: «يُسْتَأْذَنُ عِنْدَ كُلِّ عَوْرَةٍ، ثُمَّ هُوَ طَوَّافٌ؛ يَعْنِي الرَّجُلَ عَلَى أُمِّهِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: 58] وَإِنَّمَا الْعَتَمَةُ عَتَمَةُ الْإِبِلِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: 58] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ
قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿ (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) ﴾ بِرَفْعِ (الثَّلَاثِ) ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ.
كَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ قِيلَ: هَذِهِ الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي أَمَرْنَاكُمْ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْكُمْ فِيهَا مَنْ ذَكَرْنَا إِلَّا بِإِذْنٍ، ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ تَضَعُونَ فِيهَا ثِيَابَكُمْ , وَتَخْلُونَ بِأَهْلِيكُمْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (ثَلَاثَ عَوْرَاتٍ) بِنَصْبِ (الثَّلَاثِ) عَلَى الرَّدِّ عَلَى (الثَّلَاثِ) الْأُولَى.
وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثَلَاثَ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ أَرْبَابِ الْبُيُوتِ وَالْمَسَاكِنِ، ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ [النور: 58] يَعْنِي: وَلَا عَلَى الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْ أَوْلَادِكُمُ الصِّغَارِ حَرَجٌ وَلَا إِثْمٌ بَعْدَهُنَّ، يَعْنِي: بَعْدَ الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ.
وَالْهَاءُ وَالنُّونُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ [النور: 58] عَائِدَتَانِ عَلَى (الثَّلَاثِ) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: 58] . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا حَرَجَ وَلَا جُنَاحَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مَمَالِيكُهُمُ الْبَالِغُونَ , وَصِبْيَانُهُمُ الصِّغَارُ بِغَيْرِ إِذْنٍ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ اللَّاتِي ذَكَرَهُنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58] .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، يَعْنِي فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ إِلَى الظُّهْرِ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ؛ أَنَّهُ رُخِّصَ لِخَادِمِ الرَّجُلِ وَالصَّبِيِّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
قَالَ: وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور: 58] فَأَمَّا مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ إِلَّا بِإِذْنٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ "
وَقَوْلُهُ: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: 58] رُفِعَ (الطَّوَّافُونَ) بِمُضْمَرٍ، وَذَلِكَ (هُمْ) . يَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْمَمَالِيكِ وَالصِّبْيَانِ الصِّغَارِ: هُمْ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَيَعْنِي بِالطَّوَّافِينَ: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ وَيَخْرُجُونَ عَلَى مَوَالِيهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً بِغَيْرِ إِذْنٍ، يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ , بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي
غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلُوا عَلَى سَادَاتِهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنٍ.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [البقرة: 219] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كَمَا بَيَّنْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَحْكَامَ الِاسْتِئْذَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ جَمِيعَ أَعْلَامِهِ , وَأَدِلَّتِهِ , وَشَرَائِعَ دِينِهِ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: 26] يَقُولُ: وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ إِيَّاهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 59]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِذَا بَلَغَ الصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 65] مِنْ أَحْرَارِكُمْ ﴿الْحُلُمَ﴾ [النور: 58] يَعْنِي الِاحْتِلَامَ , وَاحْتَلَمُوا.
﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] يَقُولُ: فَلَا يَدْخُلُوا عَلَيْكُمْ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا بِإِذْنٍ، لَا فِي أَوْقَاتِ الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ وَلَا فِي غَيْرِهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59] يَقُولُ: كَمَا اسْتَأْذَنَ الْكِبَارُ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ وَأَقْرِبَائِهِ الْأَحْرَارِ.
وَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَطْفَالَ بِالذِّكْرِ وَتَعْرِيفِ حُكْمِهِمْ عِبَادَهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ دُونَ ذِكْرِ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا بِتَعْرِيفِهِمْ حُكْمَ الْأَطْفَالِ الْأَحْرَارِ
وَالْمَمَالِيكِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا مِنْ ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ، سَوَاءٌ فِيهِ حُكْمُ كِبَارِهِمْ , وَصِغَارِهِمْ فِي أَنَّ الْإِذْنَ عَلَيْهِمْ فِي السَّاعَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَمَّا مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ يَعْنِي: مِنَ الصِّبْيَانِ الْأَحْرَارِ إِلَّا بِإِذْنٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
قَالَ عَطَاءٌ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] قَالَ: «وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا إِذَا احْتَلَمُوا، عَلَى مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ»