وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: نُرِيهِ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ : أَيْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ : أَيْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَعْنِي بِمَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْمَلَكُوتِ: الْمُلْكُ، بِنَحْوِ التَّأْوِيلِ الَّذِي أَوَّلْنَاهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، قَالَ: هُوَ الْمُلْكُ، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَلَامِ النَّبَطِ (مَلَكُوتًا)
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: هِيَ بِالنَّبَطِيَّةَ: (مَلَكُوتًا)
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: آيَاتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: آيَاتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: آيَاتَ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: تَفَرَّجَتْ لِإِبْرَاهِيمَ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ، حَتَّى الْعَرْشُ، فَنَظَرَ فِيهِنَّ.
وَتَفَرَّجَتْ لَهُ الْأَرْضُونَ السَّبْعُ، فَنَظَرَ فِيهِنَّ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ، قَالَ: أُقِيمَ عَلَى صَخْرَةٍ، وَفُتِحَتْ لَهُ السَّمَوَاتُ، فَنَظَرَ إِلَى مُلْكِ اللَّهِ فِيهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَفُتِحَتْ لَهُ الْأَرْضُونَ حَتَّى نَظَرَ إِلَى أَسْفَلِ
الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: 27] يَقُولُ: آتَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ.
وَيُقَالُ: أَجْرُهُ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: فُرِّجَتْ لَهُ السَّمَوَاتُ فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ إِلَى الْعَرْشِ، وَفُرِّجَتْ لَهُ الْأَرْضُونَ السَّبْعُ، فَنَظَرَ مَا فِيهِنَّ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿" وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: كُشِفَ لَهُ عَنْ أَدِيمِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِنَّ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ عَلَى حُوتٍ، وَالْحُوتُ عَلَى خَاتَمِ رَبِّ الْعِزَّةِ لَا إِلَهُ إِلَّا اللَّهُ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: " لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَأَى عَبْدًا عَلَى فَاحِشَةٍ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ رَأَى آخَرَ عَلَى فَاحِشَةٍ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ رَأَى آخَرَ عَلَى فَاحِشَةٍ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، فَقَالَ: أَنْزِلُوا عَبْدِي لَا يُهْلِكُ عِبَادِي "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ،
قَالَ: " لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي الْمَلَكُوتِ فِي السَّمَوَاتِ، أَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي، فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي، فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي، فَدَعَا عَلَيْهِ، فَنُودِيَ: عَلَى رِسْلِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ، فَإِنَّكَ عَبْدٌ مُسْتَجَابٌ لَكَ، وَإِنِّي مِنْ عَبْدِي عَلَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَتُوبَ إِلَيَّ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ أُخْرِجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً طَيْبَةً، وَإِمَّا أَنْ يَتَمَادَى فِيمَا هُوَ فِيهِ، فَأَنَا مِنْ وَرَائِهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أُسَامَةَ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، خَلِيلَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنَّهُ أَرْحَمُ الْخَلْقِ، وَأَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَأَبْصَرَ أَعْمَالَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي قَالَ: اللَّهُمَّ دَمِّرْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَنَا أَرْحَمُ بِعِبَادِي مِنْكَ، اهْبِطْ فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَتُوبُوا إِلَيَّ وَيَرْجِعُوا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَاهُ مِنَ النُّجُومِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، قَالَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَعْنِي بِهِ: نُرِيهِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " خُبِّئَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَجُعِلَ لَهُ رِزْقُهُ فِي أَصَابِعِهِ، فَإِذَا مَصَّ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهِ وَجَدَ فِيهَا رِزْقًا.
فَلَمَّا خَرَجَ أَرَاهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَكَانَ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ: الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، وَمَلَكُوتُ الْأَرْضِ: الْجِبَالَ وَالشَّجَرَ وَالْبِحَارَ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فُرَّ بِهِ مِنْ جَبَّارٍ مُتْرَفٍ، فَجُعِلَ فِي سَرَبٍ، وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي أَطْرَافِهِ، فَجَعَلَ لَا يَمَصُّ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهِ إِلَّا وَجَدَ فِيهَا رِزْقًا، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ السَّرَبِ أَرَاهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ، فَأَرَاهُ شَمْسًا وَقَمَرًا وَنُجُومًا وَسَحَابًا وَخَلْقًا
عَظِيمًا، وَأَرَاهُ مَلَكُوتَ الْأَرْضِ، فَأَرَاهُ جِبَالًا وَبُحُورًا وَأَنْهَارًا وَشَجَرًا وَمِنْ كُلِّ الدَّوَابِّ، وَخَلْقًا عَظِيمًا " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَنَّهُ أَرَاهُ مُلْكَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مَا خَلَقَ فِيهِمَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالشَّجَرِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِهِ فِيهِمَا، وَجَلَّى لَهُ بَوَاطِنَ الْأُمُورِ وَظَوَاهِرَهَا، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ مَعْنَى الْمَلَكُوتِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُ أَرَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَكُونَ مِمَّنْ يَتَوَحَّدُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَيَعْلَمُ حَقِّيَّةَ مَا هَدَاهُ لَهُ وَبَصَّرَهُ إِيَّاهُ مِنْ مَعْرِفَةِ وَحْدَانِيَّتِهِ وَمَا عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الضَّلَالَةِ مِنْ عِبَادَتِهِمْ وَاتِّخَاذِهِمْ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75] أَنَّهُ جَلَّى لَهُ الْأَمْرَ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْخَلَائِقِ، فَلَمَّا جَعَلَ يَلْعَنُ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ قَالَ اللَّهُ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا، فَرَدَّهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: أَرَيْنَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِيَكُونَ مِمَّنْ يُوقِنُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ حِسًّا لَا خَبَرًا
حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: ثنا أَبُو جَابِرٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، أَيْضًا قَالَ: ثني خَالِدُ بْنُ اللَّجْلَاجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَيَّاشٍ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا رَأَيْتُ أَسْعَدَ مِنْكَ الْغَدَاةَ، قَالَ: " وَمَا لِي وَقَدْ أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: فَفِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ "، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا وَارَاهُ اللَّيْلُ وَجَنَّهُ، يُقَالُ مِنْهُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَجَنَّهُ اللَّيْلُ، وَأَجَنَّهُ، وَأَجَنَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَلْقَيْتَ
(عَلَى) كَانَ الْكَلَامُ بِالْأَلِفِ أَفْصَحَ مِنْهُ بِغَيْرِ الْأَلِفِ، (أَجَنَّهُ اللَّيْلُ) أَفْصَحُ مِنْ (أَجَنَّ عَلَيْهِ) ، وَ (جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) أَفْصَحُ مِنْ (جَنَّهُ) ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَجَنَّهُ اللَّيْلُ فِي أَسَدٍ، وَأَجَنَّهُ وَجَنَّهُ فِي تَمِيمٍ، وَالْمَصْدَرُ مِنْ جَنَّ عَلَيْهِ جَنًّا وَجُنُونًا وَجِنَانًا، وَمِنْ أَجَنَّ إِجْنَانًا، وَيُقَالُ: أَتَى فُلَانٌ فِي جِنِّ اللَّيْلِ، وَالْجِنُّ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمُ اسْتَجَنُّوا عَنْ أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ فَلَا يُرَوْنَ، وَكُلُّ مَا تَوَارَى عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيهِ: قَدْ جَنَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
[البحر المتقارب]
وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الْكَرَى ... وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الْأَدْهَمُ
وَقَالَ عَبِيدٌ:
[البحر الطويل]
وَخَرْقٍ تَصِيحُ الْبُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى ... مَخُوفٍ إِذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ مَرْهُوبِ
وَمِنْهُ: أَجْنَنْتُ الْمَيِّتَ: إِذَا وَارَيْتَهُ فِي اللَّحْدِ، وَجَنَنْتُهُ.
وَهُوَ نَظِيرُ جُنُونِ اللَّيْلِ فِي مَعْنَى: غَطَّيْتُهُ.
وَمِنْهُ قِيلَ لِلتُّرْسِ: مِجَنٌّ، لِأَنَّهُ يَجُنُّ مَنِ اسْتَجَنَّ بِهِ فَيُغَطِّيهِ وَيُوَارِيهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: 76] يَقُولُ: أَبْصَرَ كَوْكَبًا حِينَ طَلَعَ، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76] ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ : يَعْنِي بِهِ: الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76] فعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ، فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ: هَذَا رَبِّي، فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ، فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ.
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ: هَذَا رَبِّي، هَذَا أَكْبَرُ فَعَبَدَهَا حَتَّى غَابَتْ، فَلَمَّا غَابَتْ قَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
حَدَّثَنِي بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76] : عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: 78] : رَأَى خَلْقًا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْخَلْقَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَأَنْوَرُ " وَكَانَ سَبَبُ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ آزَرَ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ كُوثَى مِنْ قَرْيَةٍ بِالسَّوَادِ سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُلْكُ الْمَشْرِقِ
لِنَمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِبْرَاهِيمَ حُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ وَرَسُولًا إِلَى عِبَادِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ نَبِيُّ إِلَّا هُودٌ وَصَالِحٌ، فَلَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ مَا أَرَادَ، أَتَى أَصْحَابُ النُّجُومِ نَمْرُودَ فَقَالُوا لَهُ: تَعْلَمُ أَنَّا نَجِدُ فِي عِلْمِنَا أَنَّ غُلَامًا يُولَدُ فِي قَرْيَتِكَ هَذِهِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، يُفَارِقُ دِينَكُمْ وَيَكْسِرُ أَوْثَانَكُمْ فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ الَّتِي وَصَفَ أَصْحَابُ النُّجُومِ لِنَمْرُودَ، بَعَثَ نَمْرُودَ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ حُبْلَى بِقَرْيَتِهِ، فَحَبَسَهَا عِنْدَهُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ امْرَأَةِ آزَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِحَبَلِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً حَدَثَةً، فِيمَا يُذْكَرُ، لَمْ يُعْرَفِ الْحَبَلُ فِي بَطْنِهَا.
وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ بِوَلَدِهَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ كُلَّ غُلَامٍ وُلِدَ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ حَذَرًا عَلَى مُلْكِهِ، فَجَعَلَ لَا تَلِدُ امْرَأَةٌ غُلَامًا فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ إِلَّا أَمَرَ بِهِ فَذُبِحَ، فَلَمَّا وَجَدَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إِلَى مَغَارَةٍ كَانَتْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَوَلَدَتْ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ، وَأَصْلَحَتْ مِنْ شَأْنِهِ مَا يُصْنَعُ مَعَ الْمَوْلُودِ، ثُمَّ سَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَغَارَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا، ثُمَّ كَانَتْ تُطَالِعُهُ فِي الْمَغَارَةِ، فَتَنْظُرُ مَا فَعَلَ، فَتَجِدُهُ حَيًّا يَمَصُّ إِبْهَامَهُ، يَزْعُمُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقَ إِبْرَاهِيمَ فِيهَا، وَمَا يَجِيئُهُ مِنْ مَصِّهِ.
وَكَانَ آزَرُ فِيمَا يَزْعُمُونَ سَأَلَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَمْلِهَا مَا فَعَلَ؟ فَقَالَتْ: وَلَدْتُ غُلَامًا فَمَاتَ، فَصَدَّقَهَا
فَسَكَتَ عَنْهَا.
وَكَانَ الْيَوْمُ فِيمَا يَذْكُرُونَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي الشَّبَابِ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالسَّنَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَغَارَةِ إِلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتَّى قَالَ لِأُمِّهِ: أَخْرِجِينِي أَنْظُرْ، فَأَخْرَجَتْهُ عِشَاءً، فَنَظَرَ وَتَفَكَّرَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي لَرَبِّي، مَا لِي إِلَهٌ غَيْرُهُ، ثُمَّ نَظَرَ فِي السَّمَاءِ فَرَأَى كَوْكَبًا قَالَ: هَذَا رَبِّي، ثُمَّ أَتْبَعَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِبَصَرِهِ، حَتَّى غَابَ، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، ثُمَّ طَلَعَ الْقَمَرُ فَرَآهُ بَازِغًا قَالَ: هَذَا رَبِّي، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى غَابَ، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّهَارُ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَعْظَمَ الشَّمْسَ، وَرَأَى شَيْئًا هُوَ أَعْظَمُ نُورًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا رَبِّي، هَذَا أَكْبَرُ، فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِيهِ آزَرَ وَقَدِ اسْتَقَامَتْ وِجْهَتُهُ وَعَرَفَ رَبَّهُ، وَبَرِئَ مِنْ دِينِ قَوْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبَادِئْهُمْ بِذَلِكَ.
وَأُخْبِرَ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَتْ صَنَعَتْ مِنْ شَأْنِهِ، فَسُّرَ بِذَلِكَ آزَرُ وَفَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا.
وَكَانَ آزَرُ يَصْنَعُ أَصْنَامَ قَوْمِهِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا، ثُمَّ يُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمَ يَبِيعُهَا، فَيَذْهَبُ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، فِيمَا يَذْكُرُونَ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي مَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ؟ فَلَا
يَشْتَرِيهَا مِنْهُ أَحَدٌ، وَإِذَا بَارَتْ عَلَيْهِ، ذَهَبَ بِهَا إِلَى نَهَرٍ فَضَرَبَ فِيهِ رُءُوسَهَا، وَقَالَ: اشْرَبِي، اسْتِهْزَاءً بِقَوْمِهِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، حَتَّى فَشَا عَيْبُهُ إِيَّاهَا وَاسْتِهْزَاؤُهُ بِهَا فِي قَوْمِهِ وَأَهْلِ قَرْيَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلَغَ نَمْرُودَ الْمَلِكَ وَأَنْكَرَ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ، مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِلْكَوْكَبِ أَوْ لِلْقَمَرِ: هَذَا رَبِّي، وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ نَبِيُّ ابْتَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ أَتَى عَلَيْهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ بَالِغٌ إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ مُوَحِّدٌ وَبِهِ عَارِفٌ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ بَرِيءٌ.
قَالُوا: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ بِهِ كَافِرٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّهُ بِالرِّسَالَةِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِيهِ إِلَّا وَفِي غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِثْلُهُ، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ مُنَاسَبَةٌ فَيُحَابِيهِ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْكَرَامَةِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا أَكْرَمَ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ لِفَضْلِهِ فِي نَفْسِهِ، فَأَثَابَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ الثَّوَابَ بِمَا أَثَابَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ.
وَزَعَمُوا أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْكَوْكَبَ أَوِ الْقَمَرَ أَوِ الشَّمْسَ: (هَذَا رَبِّي) ، لَمْ يَكُنْ لِجَهْلِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَبَّهُ، وَعَلَى الْعَيْبِ لِقَوْمِهِ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ، إِذْ كَانَ الْكَوْكَبُ وَالْقَمَرُ وَالشَّمْسُ أَضْوَأَ وَأَحْسَنَ وَأَبْهَجَ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَلَمْ تَكُنْ مَعَ ذَلِكَ مَعْبُودَةً، وَكَانَتْ آفِلَةً زَائِلَةً غَيْرَ دَائِمَةً، وَالْأَصْنَامُ الَّتِي دُونَهَا فِي الْحُسْنِ، وَأَصْغَرُ مِنْهَا فِي الْجِسْمِ، أَحَقُّ أَنْ لَا
تَكُونَ مَعْبُودَةً، وَلَا آلِهَةً.
قَالُوا: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مُعَارَضَةً، كَمَا يَقُولُ أَحَدُ الْمُتَنَاظِرِينَ لِصَاحِبِهِ مُعَارِضًا لَهُ فِي قَوْلِ بَاطِلٍ قَالَ بِهِ بِبَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى وَجْهِ مُطَالَبَتِهِ إِيَّاهُ بِالْفُرْقَانِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ عِنْدَهُ اللَّذَيْنِ يُصَحِّحُ خَصْمُهُ أَحَدَهُمَا وَيَدَّعِي فَسَادَ الْآخَرَ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ وَقَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَكُونُ فِيهَا كُفْرٌ وَلَا إِيمَانٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: أَهَذَا رَبِّي عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ لَيْسَ هَذَا رَبِّي.
وَقَالُوا: قَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَتَحْذِفُ الْأَلِفَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ.
وَزَعَمُوا أَنَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
رَفُونِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ يَعْنِي: (أَهُمُ هُمُ؟) ، قَالُوا: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَوْسٍ: [البحر الطويل]
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ
بِمَعْنَى: أَشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ؟ فَحَذَفَ الْأَلِفَ.
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَذْكِيرُ (هَذَا) فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 78] ، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى
مَعْنَى: هَذَا الشَّيْءُ الطَّالِعُ رَبِّي.
وَفِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَفَلَ الْقَمَرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77] الدَّلِيلُ عَلَى خَطَأِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ.
وَأَنَّ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: الْإِقْرَارُ بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا عَدَاهُ