وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6] يَقُولُ: وَصَيَّرْنَاكُمْ أَكْثَرَ عَدَدٍ نَافِرٍ مِنْهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَقَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا (وَبَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: وَقَتَلُوا زَكَرِيَّا) ابْتَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ يُقَالُ لَهُ خَرْدُوسُ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِأَهْلِ بَابِلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ الشَّامَ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَمَرَ رَأْسًا مِنْ رُءُوسِ جُنْدِهِ يُدْعَى نَبُورَ زَاذَانَ صَاحِبُ الْقَتْلِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ كُنْتُ حَلَفْتُ بِإِلَهِي لَئِنْ أَظْهَرَنَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِ
الْمَقْدِسِ لَأَقْتُلَنَّهُمْ حَتَّى تَسِيلَ دِمَاؤُهُمْ فِي وَسَطِ عَسْكَرِي، إِلَّا أَنْ لَا أَجِدَ أَحَدًا أَقْتُلَهُ، فَأَمَرَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْهُمْ نبور زادان، فَدَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي كَانُوا يَقْرَبُونَ فِيهَا قُرْبَانَهُمْ، فَوَجَدَ فِيهَا دَمًا يَغْلِي، فَسَأَلَهُمْ فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَا شَأْنُ هَذَا الدَّمِ الَّذِي يَغْلِي، أَخْبِرُونِي خَبَرَهُ وَلَا تَكْتُمُونِي شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ؟ فَقَالُوا: هَذَا دَمُ قُرْبَانٍ كَانَ لَنَا كُنَّا قَرَّبْنَاهُ فَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَّا، فَلِذَلِكَ هُوَ يَغْلِي كَمَا تَرَاهُ وَلَقَدْ قَرَّبْنَا مُنْذُ ثَمَانِ مِائَةِ سَنَةٍ الْقُرْبَانَ فَتُقُبِّلَ مِنَّا إِلَّا هَذَا الْقُرْبَانَ قَالَ: مَا صَدَقْتُمُونِي الْخَبَرَ قَالُوا لَهُ: لَوْ كَانَ كَأَوَّلِ زَمَانِنَا لَقُبِلَ مِنَّا، وَلَكِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ مِنَّا الْمُلْكُ وَالنُّبُوَّةُ وَالْوَحْي، فَلِذَلِكَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَّا فَذَبَحَ مِنْهُمْ نبور زادان عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعَ مِائَةٍ وَسَبْعِينَ رُوحًا مِنْ رُءُوسِهِمْ، فَلَمْ يَهْدَأْ، فَأَمَرَ بِسَبْعِ مِائَةِ غُلَامٍ مِنْ غِلْمَانِهِمٍ فَذُبِحُوا عَلَى الدَّمِ فَلَمْ يَهْدَأْ، فَأَمَرَ بِسَبْعَةِ آلَافٍ مِنْ شِيَعِهِمٍ وَأَزْوَاجِهِمْ، فَذَبَحَهُمْ عَلَى الدَّمِ فَلَمْ يَبْرُدْ وَلَمْ يَهْدَأْ، فَلَمَّا رَأَى نبور زاذان أَنَّ الدَّمَ لَا يَهْدَأُ قَالَ لَهُمْ: وَيْلَكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، اصْدُقُونِي وَاصْبِرُوا عَلَى أَمْرِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ طَالَ مَا مَلَكْتُمْ فِي الْأَرْضِ، تَفْعَلُونَ فِيهَا مَا شِئْتُمْ قَبْلَ أَنْ لَا أَتْرُكَ مِنْكُمْ نَافِخَ نَارٍ، لَا أُنْثَى وَلَا ذَكَرًا إِلَّا قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا رَأَوُا الْجَهْدَ وَشِدَّةَ الْقَتْلِ صَدَقُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا دَمُ نَبِيٍّ مِنَّا كَانَ يَنْهَانَا عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، فَلَوْ أَطَعْنَاهُ فِيهَا لَكَانَ أَرْشَدَ لَنَا، وَكَانَ يُخْبِرُنَا بِأَمْرِكُمْ، فَلَمْ نُصَدِّقْهُ، فَقَتَلْنَاهُ، فَهَذَا دَمُهُ فَقَالَ لَهُمْ نبور زاذان: مَا كَانَ اسْمُهُ؟ قَالُوا: يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: الْآنَ صَدَقْتُمُونِي بِمِثْلِ هَذَا يَنْتَقِمُ رَبُّكُمْ مِنْكُمْ، فَلَمَّا رَأَى نبور زاذان أَنَّهُمْ صَدَقُوهُ خَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: غَلِّقُوا الْأَبْوَابَ، أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ، وَأَخْرِجُوا مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ جَيْشِ خَرْدُوسَ.
وَخَلَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ قَالَ: يَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، قَدْ عَلِمَ رَبِّي وَرَبُّكَ مَا قَدْ أَصَابَ قَوْمَكَ مِنْ أَجْلِكَ، وَمَا قُتِلَ مِنْهُمْ مِنْ أَجْلِكَ، فَاهْدَأْ بِإِذْنِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ لَا أُبْقِيَ مِنْ قَوْمِكَ أَحَدًا فَهَدَأَ دَمُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَرَفَعَ نبور زاذان عَنْهُمُ الْقَتْلَ وَقَالَ: آمَنْتُ بِمَا آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَصَدَّقْتُ وَأَيْقَنْتُ
أَنَّهُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ آخَرُ لَمْ يَصْلُحْ، وَلَوْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَصْلُحْ، فَتَبَارَكَ وَتَقَدَّسَ، وَتَسَبَّحَ وَتَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ، مَلِكُ الْمُلُوكِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلَهُ الْحِلْمُ وَالْعِلْمُ وَالْعِزَّةُ وَالْجَبَرُوتُ، وَهُوَ الَّذِي بَسَطَ الْأَرْضَ وَأَلْقَى فِيهَا رَوَاسِيَ لِئَلَّا تَزُولَ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِرَبِّي أَنْ يَكُونَ وَيَكُونُ مُلْكُهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى رَأْسٍ مِنْ رُءُوسِ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ نبورَ زَاذَانَ حَبُورٌ صَدُوقٌ، وَالْحَبُورُ بِالْعِبْرَانِيَّةَ: حَدِيثُ الْإِيمَانِ.
وَإِنَّ نبورزَاذَانَ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ خَرْدُوسَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْتُلَ مِنْكُمْ حَتَّى تَسِيلَ دِمَاؤُكُمْ وَسَطَ عَسْكَرِهِ، وَإِنِّي لَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْصِيَهُ.
قَالُوا لَهُ: افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ.
فَأَمَرَهُمْ فَحَفَرُوا خَنْدَقًا وَأَمَرَ بِأَمْوَالِهِمْ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ، فَذَبَحَهَا حَتَّى سَالَ الدَّمُ فِي الْعَسْكَرِ، وَأَمَرَ بِالْقَتْلَى الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ، فَطُرِحُوا عَلَى مَا قَتَلَ مِنْ مَوَاشِيهِمْ حَتَّى كَانُوا فَوْقَهُمْ، فَلَمْ يَظُنَّ خَرْدُوسُ إِلَّا أَنَّ مَا كَانَ فِي الْخَنْدَقِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَلَمَّا بَلَغَ الدَّمُ عَسْكَرَهُ، أَرْسَلَ إِلَى نبور زاذان أَنِ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَقَدْ بَلَغَتْنِي دِمَاؤُهُمْ، وَقَدِ انْتَقَمْتُ مِنْهُمْ بِمَا فَعَلُوا، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ، وَقَدْ أَفْنَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ كَادَ، وَهِيَ الْوَقْعَةُ الْآخِرَةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ.
يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلْيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلْيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ حَقٌّ، فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ الْأُولَى: بُخْتَنَصَّرَ وَجُنُودُهُ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ الْآخِرَةُ خَرْدُوسَ وَجُنُودُهُ، وَهِيَ كَانَتْ أَعْظَمُ الْوَقْعَتَيْنِ، فِيهَا كَانَ خَرَابُ بِلَادِهِمْ، وَقَتْلُ رِجَالِهِمْ،
وَسَبْي ذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ.
يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلْيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7] ثُمَّ عَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأَكْثَرَ عَدَدَهُمْ، وَنَشَرَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، ثُمَّ بَدَّلُوا وَأَحْدَثُوا الْأَحْدَاثَ، وَاسْتَبْدَلُوا بِكِتَابِهِمْ غَيْرَهُ، وَرَكِبُوا الْمَعَاصِيَ، وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِمَ وَضَيَّعُوا الْحُدُودَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَتَّابٍ، رَجُلٍ مِنْ تَغْلِبَ كَانَ نَصْرَانِيًّا عُمْرًا مِنْ دَهْرِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَفَقِهَ فِي الدِّينِ، وَكَانَ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَمَّرَ فِي الْإِسْلَامِ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: كَانَ آخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي قَدْ سِلَبْتُ أَصْوَاتَكُمْ، وَأَبْغَضْتُكُمْ بِكَثْرَةِ أَحْدَاثِكُمْ، فَهَمُّوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: ائْتِهِمْ وَاضْرِبْ لِي وَلَهُمْ مَثَلًا، فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لَكُمُ: اقْضُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرَمِي أَلَمِ اخْتَرْ لَهُ الْبِلَادَ، وَطَيِّبْتُ لَهُ الْمَدَرَةَ، وَحَظَرْتُهُ بِالسِّيَاجِ، وَعَرَّشْتُهُ السَّوِيقَ وَالشَّوْكَ وَالسِّيَاجَ وَالْعَوْسَجَ، وَأَحَطْتُهُ بِرِدَائِي، وَمَنَعْتُهُ مِنَ الْعَالَمِ وَفَضَّلْتُهُ، فَلَقِيَنِي بِالشَّوْكِ وَالْجُذُوعِ، وَكُلُّ شَجَرَةٍ لَا تُؤْكَلُ؟ مَا لِهَذَا اخْتَرْتُ الْبَلْدَةَ، وَلَا طَيَّبْتُ الْمَدَرَةَ، وَلَا حَظَرْتُهُ بِالسِّيَاجِ، وَلَا عَرَّشْتُهُ السَّوِيقَ، وَلَأَحَطْتُهُ بِرِدَائِي، وَلَا مَنَعْتُهُ مِنَ الْعَالَمِ فَضَّلْتُكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، ثُمَّ اسْتَقْبَلْتُمُونِي بِكُلِّ
مَا أَكْرَهُ مِنْ مَعْصِيَتِي وَخِلَافِ أَمْرِي، لِمَهْ؟ إِنَّ الْحِمَارَ لَيَعْرِفَ مِذْوَدَهُ، لِمَهْ؟ إِنَّ الْبَقَرَةَ لَتَعْرِفُ سَيِّدَهَا، وَقَدْ حَلَفْتُ بِعِزَّتِي الْعَزِيزَةِ، وَبِذِرَاعِي الشَّدِيدِ لَآخُذَنَّ رِدَائِي، وَلَأَمْرُجَنَّ الْحَائِطَ، وَلَأَجْعَلَنَّكُمْ تَحْتَ أُرْجُلِ الْعَالَمِ.
قَالَ: فَوَثَبُوا عَلَى نَبِيِّهِمْ فَقَتَلُوهُ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ، وَنَزَعَ مِنْهُمُ الْمُلْكَ، فَلَيْسُوا فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا وَعَلَيْهِمْ ذُلٌّ وَصَغَارٌ وَجِزْيَةٌ يُؤَدُّونَهَا، وَالْمُلْكُ فِي غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، فَلَنْ يَزَالُوا كَذَلِكَ أَبَدًا، مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ قَالَ: قَالَ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ جِمَاعِ أَحَادِيثِ بَنِي إِسْرَائِيلَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلْيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلْيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ قَالَ: كَانَتِ الْآخِرَةُ أَشَدَّ مِنَ الْأُولَى بِكَثِيرٍ، قَالَ: لِأَنَّ الْأُولَى كَانَتْ هَزِيمَةً فَقَطْ، وَالْآخِرَةَ كَانَ التَّدْمِيرُ، وَأَحْرَقَ بُخْتَنَصَّرَ التَّوْرَاةَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَخُرِّبَ الْمَسْجِدُ
حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، فِي اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ.
قَالَ: فَكَانَ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، نِكَاحُ ابْنَةِ الْأَخِ.
قَالَ: وَكَانَتْ لِمَلِكِهِمُ ابْنَةُ أَخٍ تُعْجِبُهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجُهَا، وَكَانَتْ لَهَا كُلُّ يَوْمٍ حَاجَةً يَقْضِيهَا،
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا قَالَتْ لَهَا: إِذَا دَخَلْتِ عَلَى الْمَلِكِ فَسَأَلَكِ حَاجَتَكِ، فَقُولِي: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ لِي يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ سَأَلَهَا حَاجَتَهَا، فَقَالَتْ: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، فَقَالَ: سَلِي غَيْرَ هَذَا فَقَالَتْ: مَا أَسْأَلُكَ إِلَّا هَذَا قَالَ: فَلَمَّا أَبَتْ عَلَيْهِ دَعَا يَحْيَى وَدَعَا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ، فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ بُخْتَنَصَّرَ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَتْهُ عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ.
قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ مِنْهُمْ حَتَّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْهُمْ مِنْ سِنَّ وَاحِدٍ فَسَكَنَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 7] يَقُولُ: وَلْيَدْخُلْ عَدُوُّكُمُ الَّذِي أَبْعَثُهُ عَلَيْكُمْ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَهْرًا مِنْهُمْ لَكُمْ وَغَلَبَةً، كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ حِينَ أَفْسَدْتُمُ الْفَسَادَ الْأَوَّلَ فِي الْأَرْضِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلْيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَلْيُدَمِّرُوا مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِكُمْ تَدْمِيرًا.
يُقَالُ مِنْهُ: دَمَّرْتُ الْبَلَدَ: إِذَا خَرَّبْتُهُ وَأَهْلَكْتُ أَهْلَهُ.
وَتَبَّرَ تَبْرًا وَتَبَارًا، وَتَبَّرْتُهُ أُتَبِّرُهُ تَتْبِيرًا.
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: 28] يَعْنِي: هَلَاكًا.
وَبِنَحْوِ
الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلْيُتَبِّرُوا مَا عُلُوًّا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7] قَالَ: تَدْمِيرًا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلْيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7] قَالَ: يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا تَدْمِيرًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَعَلَّ رَبَّكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بَعْدَ انْتِقَامِهِ مِنْكُمْ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيَسُوءَ مَبْعَثُهُ عَلَيْكُمْ وُجُوهَكُمْ، وَلْيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ،
فَيَسْتَنْقُذُكُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَيَنْتَشِلُكُمْ مِنَ الذُّلِّ الَّذِي يُحِلُّهُ بِكُمْ، وَيَرْفَعُكُمْ مِنَ الْخُمُولَةِ الَّتِي تَصِيرُونَ إِلَيْهَا، فَيُعِزُّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
«وَعَسَى» مِنَ اللَّهِ: وَاجِبٌ.
وَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ، فَكَثُرَ عَدَدُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَرَفَعَ خَسَاسَتَهُمْ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْمُلُوكَ وَالْأَنْبِيَاءَ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: وَإِنْ عُدْتُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَعْصِيَتِي وَخِلَافِ أَمْرِي، وَقَتْلِ رُسُلِي، عُدْنَا عَلَيْكُمْ بِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ، وَإِحْلَالِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ بِكُمْ، فَعَادُوا، فَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعِقَابِهِ وَإِحْلَالِ سَخَطِهِ بِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ
بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] قَالَ: عَادُوا فَعَادَ، ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ، ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ.
قَالَ: فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ مُلُوكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ: سِنْدَبَادَانَ وَشَهْرَبَادَانَ وَآخَرَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْدَ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] قَالَ: فَعَادُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: 8] فَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] قَالَ: عَادَ الْقَوْمُ بِشَرِّ مَا يَحْضُرُهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَ مِنْ نِقْمَتِهِ وَعُقُوبَتِهِ.
ثُمَّ كَانَ خِتَامُ ذَلِكَ أَنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْعَرَبِ، فَهُمْ فِي عَذَابٍ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَإِذْ تَأْذَنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 167] الْآيَةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْعَرَبِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] فَعَادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُمْ يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: 8] قَالَ بَعْدَ هَذَا ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ [الإسراء: 8] لِمَا صَنَعْتُمْ لِمِثْلِ هَذَا مِنْ قَتْلِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﴿عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] إِلَيْكُمْ بِمِثْلِ هَذَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ سِجْنًا يُسْجَنُونَ فِيهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] قَالَ: سِجْنًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ مَأْوَاهُمْ فِيهَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] قَالَ: مَحْبَسًا حَصُورًا
- حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] يَقُولُ: سِجْنًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] قَالَ: يُحْصَرُونَ فِيهَا
- حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] قَالَ: يُحْصَرُونَ فِيهَا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] سِجْنًا يُسْجَنُونَ فِيهَا حُصِرُوا فِيهَا
- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] يَقُولُ: سِجْنًا وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ فِرَاشًا وَمِهَادًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: الْحَصِيرُ: فِرَاشٌ وَمِهَادٌ
وَذَهَبَ الْحَسَنُ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى أَنَّ الْحَصِيرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عُنِيَ بِهِ الْحَصِيرُ الَّذِي يُبْسَطُ وَيُفْتَرَشُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْبِسَاطَ الصَّغِيرَ حَصِيرًا، فَوَجَّهَ الْحَسَنُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ بِهِ بِسَاطًا وَمِهَادًا، كَمَا قَالَ: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ وَتَأْوِيلٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا الْآخَرُونَ، فَوَجَّهُوهُ إِلَى أَنَّهُ فَعِيلٌ.
مِنَ الْحَصْرِ الَّذِي هُوَ الْحَبْسُ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْمَلِكَ حَصِيرًا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَحْصُورٌ: أَيْ مَحْجُوبٌ عَنِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
[البحر الكامل]
وَمَقَامَةٍ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ ... جِنٌّ لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ قِيَامُ
يَعْنِي بِالْحَصِيرِ: الْمَلِكَ، وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: حَصُورٌ وَحَصِرٌ: لِمَنْعِهِ مَا لَدَيْهِ مِنَ الْمَالِ عَنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ، وَحَبْسِهِ إِيَّاهُ عَنِ النَّفَقَةِ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
[البحر البسيط]
وَشَارِبٍ مُرْبَحٍ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسِوَّارِ
وَيُرْوَى: بِسَآّرِ.
وَمِنْهُ الْحَصِرُ فِي الْمِنْطَقِ لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَاحْتِبَاسِهِ إِذَا أَرَادَهُ.
وَمِنْهُ أَيْضًا الْحَصُورُ عَنِ النِّسَاءِ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَامْتِنَاعِهِ مِنَ الْجِمَاعِ، وَكَذَلِكَ الْحَصْرُ فِي الْغَائِطِ: احْتِبَاسُهُ عَنِ الْخُرُوجِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ.
فَأَمَّا الْحَصِيرَانِ: فَالْجَنْبَانِ، كَمَا قَالَ الطِّرْمَاحُ:
[البحر الطويل]
قَلِيلًا تَتَلَّى حَاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ... عَلَى كُلِّ مَفْرُوشِ الْحَصِيرَيْنِ بَادِنِ
يَعْنِي بِالْحَصِيرَيْنِ: الْجَنْبَيْنِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَيْ يُقَالُ: مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8] فِرَاشًا وَمِهَادًا لَا يُزَايِلُهُ، مِنَ الْحَصِيرِ الَّذِي بِمَعْنَى الْبِسَاطِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَامِعًا مَعْنَى الْحَبْسِ وَالِامْتِهَادِ، مَعَ أَنَّ الْحَصِيرَ بِمَعْنَى الْبِسَاطِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَشْهَرُ مِنْهُ بِمَعْنَى الْحَبْسِ، وَأَنَّهَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِفَ شَيْئًا بِمَعْنَى حُبِسَ شَيْءٌ، فَإِنَّمَا تَقُولُ: هُوَ لَهُ حَاصِرٌ أَوْ مُحْصِرٌ، فَأَمَّا الْحَصِيرُ فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِهِمْ، إِلَّا إِذَا وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فَيَكُونُ فِي لَفْظِ فَعِيلٍ، وَمَعْنَاهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أَلَا تَرَى بَيْتَ لَبِيدٍ: لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ؟ فَقَالَ: لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ، لِأَنَّهُ أَرَادَ: لَدَى بَابِ الْمَحْصُورِ، فَصَرَفَ مَفْعُولًا إِلَى فَعِيلٍ.
فَأَمَّا فَعِيلٌ فِي الْحَصْرِ بِمَعْنَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ الْحَاصِرُ.
فَذَلِكَ مَا لَا نَجِدُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَلِذَلِكَ قُلْتُ: قَوْلُ الْحَسَنِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا أَعْلَمُ لِمَا قَالَ وَجْهًا يَصِحُّ إِلَّا بَعِيدًا وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: جَاءَ حَصِيرٌ بِمَعْنَى حَاصِرٍ، كَمَا قِيلَ: عَلِيمٌ بِمَعْنَى عَالِمٍ، وَشَهِيدٌ بِمَعْنَى شَاهِدٍ، وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَاصِرِ كَمَا سَمِعْنَا فِي عَالِمٍ وَشَاهِدٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْشِدُ
وَيُسَدِّدُ مَنِ اهْتَدَى بِهِ ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] يَقُولُ: لِلسَّبِيلِ الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ مِنْ غَيْرِهَا
مِنَ السُّبُلِ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَهَذَا الْقُرْآنُ يَهْدِي عِبَادَ اللَّهِ الْمُهْتَدِينَ بِهِ إِلَى قَصْدِ السَّبِيلِ الَّتِي ضَلَّ عَنْهَا سَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ، كَمَا:
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] قَالَ: لِلَّتِي هِيَ أَصَوْبُ: هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الْحَقُّ، قَالَ: وَالْمُخَالِفُ هُوَ الْبَاطِلُ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: 3] قَالَ: فِيهَا الْحَقُّ لَيْسَ فِيهَا عِوَجٌ.
وَقَرَأَ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا﴾ [الكهف: 2] يَقُولُ: قَيِّمًا مُسْتَقِيمًا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 9] يَقُولُ: وَيُبَشِّرُ أَيْضًا مَعَ هِدَايَتِهِ مَنِ اهْتَدَى بِهِ لِلسَّبِيلِ الْأَقْصَدِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ ﴿لَهُمْ أَجْرًا﴾ [الإسراء: 9] مِنَ اللَّهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحَاتِ ﴿كَبِيرًا﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي ثَوَابًا عَظِيمًا، وَجَزَاءً جَزِيلًا،
وَذَلِكَ هُوَ الْجَنَّةُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ رَضِيَ عَمَلَهُ، كَمَا:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿أَنَّ لَهُمُ، أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9] قَالَ: الْجَنَّةُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَجْرٌ كَبِيرٌ، أَجْرٌ كَرِيمٌ، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فَهُوَ الْجَنَّةَ وَأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9] نُصِبَ بِوُقُوعِ الْبِشَارَةِ عَلَيْهَا وَأَنَّ الثَّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الإسراء: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْمَعَادِ إِلَى اللَّهِ، وَلَا يُقِرُّونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الدُّنْيَا، فَهُمْ لِذَلِكَ لَا يَتَحَاشَوْنَ مِنْ رُكُوبِ مَعَاصِي اللَّهِ ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ [النساء: 18] يَقُولُ: أَعْدَدْنَا لَهُمْ، لِقُدُومِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18] يَعْنِي مُوجِعًا،
وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُذَكِّرًا عِبَادَهُ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ، وَيَدْعُو الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَهْلِكْهُ وَالْعَنْهُ عِنْدَ ضَجَرِهِ وَغَضَبِهِ، كُدَعَائِهِ بِالْخَيْرِ: يَقُولُ: كُدَعَائِهِ رَبَّهُ بِأَنْ يَهَبَ لَهُ
الْعَافِيَةَ، وَيَرْزُقَهُ السَّلَامَةَ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، يَقُولُ: فَلَوِ اسْتُجِيبَ لَهُ فِي دُعَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ بِالشَّرِّ كَمَا يُسْتَجَابُ لَهُ فِي الْخَيْرِ هَلَكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ