سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ، وَآيَاتُهَا ثِنْتَانِ وَخَمْسُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الر.
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: قَدْ تَقَدَّمَ مِنَّا الْبَيَانُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الر﴾ [يونس: 1] فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ [إبراهيم: 1] فَإِنَّ
مَعْنَاهُ: هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1] يَقُولُ: لِتَهْدِيهِمْ بِهِ مِنْ ظُلُمَاتِ الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَضِيَائِهِ، وَتُبَصِّرُ بِهِ أَهْلَ الْجَهْلِ وَالْعَمَى سُبُلَ الرَّشَادِ وَالْهُدَى
وَقَوْلُهُ: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: 1] يَعْنِي: بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ وَلُطْفِهِ بِهِمْ، ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1] يَعْنِي: إِلَى طَرِيقِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ دِينُهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ وَشَرَعَهُ لِخَلْقِهِ وَالْحَمِيدُ: فَعِيلٌ، صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ، وَمَعْنَاهُ: الْمَحْمُودُ بِآلَائِهِ، وَأَضَافَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِخْرَاجَ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ
إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْهَادِي خَلْقَهُ وَالْمُوَفِّقَ مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ، إِذْ كَانَ مِنْهُ دُعَاؤُهُمْ إِلَيْهِ، وَتَعْرِيفُهُمْ مَا لَهُمْ فِيهِ وَعَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ صِحَّةَ قَوْلِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ الَّذِينَ
أَضَافُوا أَفْعَالَ الْعِبَادِ إِلَيْهِمْ كَسْبًا، وَإِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنْشَاءً وَتَدْبِيرًا، وَفَسَادُ قَوْلِ أَهْلِ الْقَدَرِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ للَّهِ فِي ذَلِكَ صُنْعٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1] : «أَيْ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ) ، بِرَفْعِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَتَصْيِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ خَبَرَهُ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿اللَّهِ الَّذِي﴾ [النساء: 1] بِخَفْضِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى اتِّبَاعِ ذَلِكَ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1] وَهُمَا خَفْضٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِهِ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ، فَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ بِالْخَفْضِ، وَيَقُولُ: مَعْنَاهُ: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ، وَيَقُولُ: هُوَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ
التَّقْدِيمُ، وَيُمَثِّلُهُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: مَرَرْتُ بِالظَّرِيفِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْكَلَامُ الَّذِي يُوضَعُ مَكَانَ الِاسْمِ: النَّعْتِ، ثُمَّ يُجْعَلُ الِاسْمُ مَكَانَ النَّعْتِ، فَيَتْبَعُ إِعْرَابَهُ إِعْرَابَ النَّعْتِ الَّذِي وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
[البحر الرجز]
لَوْ كُنْتَ ذَا نَبْلٍ وَذَا شَرِيبِ ... مَا خِفْتَ شَدَّاتِ الْخَبِيثِ الذِّيبِ
وَأَمَّا الْكَسَائِيُّ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ: مَنْ خَفَضَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ كَلَامًا وَاحِدًا وَأَتْبَعَ الْخَفْضَ الْخَفْضَ، وَبِالْخَفْضِ كَانَ يَقْرَأُهُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، أَنَّهُمْ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَرَأَهُ بِالرَّفْعِ، أَرَادَ مَعْنَى مَنْ خَفَضَ فِي إِتْبَاعِ الْكَلَامِ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلَكِنَّهُ رَفَعَ لِانْفِصَالِهِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: 111] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112] وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ اللَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ لِتَدْعُوَ عِبَادِي إِلَى عِبَادَةِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَيَدَعُوا عِبَادَةَ مَنْ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ وَلَا لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَلَمْ يَسْتَجِبْ لِدُعَاءِ رَسُولِهِ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ لَهُ، فَقَالَ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 2] يَقُولُ: الْوَادِي الَّذِي يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ
أَهْلِ جَهَنَّمَ، لِمَنْ جَحَدَ وَحْدَانِيَّتَهُ وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الشَّدِيدِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: 3] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 3] الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَمَتَاعَهَا، وَمَعَاصِي اللَّهِ فِيهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ،
وَمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى رِضَاهُ، مِنَ الْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ فِي الْآخِرَةِ ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 47] يَقُولُ: وَيَمْنَعُونَ مَنْ أَرَادَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: 45] يَقُولُ: وَيَلْتَمِسُونَ سَبِيلَ اللَّهِ، وَهِيَ دِينُهُ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ عِوَجًا: تَحْرِيفًا وَتَبْدِيلًا بِالْكَذِبِ وَالزُّورِ «وَالْعِوَجِ» بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فِي الدِّينِ وَالْأَرْضِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا، فَأَمَّا فِي كُلِّ مَا كَانَ قَائِمًا كَالْحَائِطِ وَالرُّمْحِ وَالسِّنِّ فَإِنَّهُ يُقَالُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْوَاوِ جَمِيعًا «عَوَجٌ» . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: 3] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، يَقُولُ: هُمْ فِي ذَهَابٍ عَنِ الْحَقِّ بَعِيدٍ، وَأَخْذٍ عَلَى غَيْرِ هُدًى، وَجَوْرٍ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ «عَلَى» فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 3] فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: أَوْصِلِ الْفِعْلَ بِـ «عَلَى» ، كَمَا قِيلَ: ضَرَبُوهُ فِي السَّيْفِ، يُرِيدُ بِالسَّيْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يُوصَلُ بِهَا كُلَّهَا وَتُحْذَفُ، نَحْوَ قَوْلِ الْعَرَبِ: نَزَلْتُ زَيْدًا، وَمَرَرْتُ زَيْدًا، يُرِيدُونَ: مَرَرْتُ بِهِ، وَنَزَلْتُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أَدْخَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْفِعْلَ يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ،
فَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 3] وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ «عَلَى» وَقَدْ بَيَّنْتُ هَذَا وَنَظَائِرَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ، بِمَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلِكَ وَمِنْ قَبْلِ قَوْمِكَ رَسُولًا إِلَّا بِلِسَانِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهَا وَلُغَتِهِمْ،
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] يَقُولُ: لِيُفْهِمَهُمْ مَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، لِيُثْبِتَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ وَالْخِذْلَانُ بِيَدِ اللَّهِ، فَيَخْذِلَ عَنْ قَبُولِ مَا أَتَاهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ عِنْدِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَيُوَفِّقُ لِقَبُولِهِ مَنْ شَاءَ، وَلِذَلِكَ رَفَعَ «فَيُضِلُّ» ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِدَاءُ لَا الْعَطْفُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، كَمَا قِيلَ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: 5] وَهُوَ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ مِمَّا أَرَادَهُ مِنْ ضَلَالٍ أَوْ هِدَايَةٍ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِهِ، وَالْحَكِيمُ فِي تَوْفِيقِهِ لِلْإِيمَانِ مَنْ وَفَّقَهُ لَهُ وَهِدَايَتُهُ لَهُ مَنْ هَدَاهُ إِلَيْهِ، وَفِي إِضْلَالِهِ مَنْ أَضَلَّ عَنْهُ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4] : " أَيْ بِلُغَةِ قَوْمِهِ مَا كَانَتْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ لِيَتَّخِذَ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِأَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ، كَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَى قَوْمِكَ بِمِثْلِهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْحُجَجِ كَمَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، ح. وَحَدَّثني الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ الْأَشْيَبُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ح. وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا شَبَابَةُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «بِالْبَيِّنَاتِ»
حَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: " التِّسْعُ الْآيَاتِ: الطُّوفَانُ وَمَا مَعَهُ "
حَدَّثني الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «التِّسْعُ الْبَيِّنَاتُ» . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 5] كَمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْكِتَابَ، لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: 1] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 5] : " أَيِ ادْعُهُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ كَمَا
حَدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 5] يَقُولُ: مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى ". حَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِظْهُمْ بِمَا سَلَفَ مِنْ نِعَمِي عَلَيْهِمْ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي خَلَتْ فَاجْتُزِئَ بِذِكْرِ الْأَيَّامِ مِنْ ذِكْرِ النِّعَمِ الَّتِي عَنَاهَا، لِأَنَّهَا أَيَّامٌ كَانَتْ مَعْلُومَةٌ عِنْدَهُمْ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا نِعَمًا جَلِيلَةً، أَنْقَذَهُمْ فِيهَا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ مَا كَانُوا فِيمَا كَانُوا مِنَ الْعَذَابِ
الْمُهِينِ، وَغَرَّقَ عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: خَوَّفَهُمْ بِمَا نَزَلَ بِعَادٍ وَثَمُودَ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَبِالْعَفْوِ عَنِ الْآخَرِينَ قَالَ: وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِكَ: خُذْهُمْ بِالشِّدَّةِ وَاللِّينِ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: قَدْ وَجَدْنَا لِتَسْمِيَةِ النِّعَمِ بِالْأَيَّامِ شَاهِدًا فِي كَلَامِهِمْ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
[البحر الوافر]
وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طُوَالٍ ... عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا
وَقَالَ: فَقَدْ يَكُونُ إِنَّمَا جَعَلَهَا غُرًّا طُوَالًا لِإِنْعَامِهِمْ عَلَى النَّاسِ فِيهَا.
وَقَالَ: فَهَذَا شَاهِدٌ لِمَنْ قَالَ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] بِنِعَمِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ تَسْمِيَتُهَا غُرًّا، لِعُلُوِّهِمْ عَلَى الْمَلِكِ وَامْتِنَاعِهِمْ مِنْهُ، فَأَيَّامُهُمْ غُرٌّ لَهُمْ وَطُوَالٌ عَلَى أَعْدَائِهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ لِلَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، مِنْ أَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْأَيَّامَ مَعْنَاهَا النِّعَمُ وَجْهٌ، لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ كُلْثُومٍ إِنَّمَا وَصَفَ مَا وَصَفَ مِنَ الْأَيَّامِ بِأَنَّهَا غُرٌّ، لِعِزِّ عَشِيرَتِهِ فِيهَا، وَامْتِنَاعِهِمْ عَلَى الْمَلِكِ مِنَ الْإِذْعَانِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ النَّاسِ: مَا كَانَ لِفُلَانٍ قَطُّ يَوْمٌ أَبْيَضُ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمٌ مَذْكُورٌ بِخَيْرٍ، وَأَمَّا وَصْفُهُ إِيَّاهَا بِالطُّولِ، فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالطُّولِ إِلَّا فِي حَالِ شِدَّةٍ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر الطويل]
كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَوَاكِبِ
فَإِنَّمَا وَصَفَهَا عَمْرُو بِالطُّولِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهِهَا عَلَى أَعْدَاءِ قَوْمِهِ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ
غَيْرَ مَا قُلْتُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثني يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «بِأَنْعُمِ اللَّهِ»
حَدَّثني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «بِنِعَمِ اللَّهِ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا عَبْثَرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى ح، وَحَدَّثني الْحَرْثُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «بِنِعَمِ اللَّهِ» . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا شَبَابَةُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: " بِالنِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ: أَنْجَاهُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَفَلَقَ لَهُمُ الْبَحْرَ، وَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «بِنِعَمِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] يَقُولُ: «ذَكِّرْهُمْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «بِنِعَمِ اللَّهِ»
حَدَّثني يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «أَيَّامُهُ الَّتِي انْتَقَمَ فِيهَا مِنْ أَهْلِ مَعَاصِيهِ مِنَ الْأُمَمِ، خَوِّفْهُمْ بِهَا، وَحَذِّرْهُمْ إِيَّاهَا، وَذَكِّرْهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ قَالَ: «نِعَمِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «بِنِعَمِ اللَّهِ»
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5] يَقُولُ: إِنَّ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي سَلَفَتْ بِنِعَمِي عَلَيْهِمْ، يَعْنِي عَلَى قَوْمِ مُوسَى لَآيَاتٍ، يَعْنِي: لَعِبَرًا وَمَوَاعِظَ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، يَقُولُ: لِكُلِّ ذِي صَبْرٍ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَشُكْرٍ لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِهِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5] قَالَ: «نِعْمَ الْعَبْدُ عَبْدٌ إِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ، وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ، وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ مُوسَى بْنُ
عِمْرَانَ
لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 20] الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [إبراهيم: 6] يَقُولُ: حِينَ أَنْجَاكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِ فِرْعَوْنَ وَطَاعَتِهِ ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: 49] : أَيْ يُذِيقُونَكُمْ شَدِيدَ الْعَذَابِ ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: 6] وَأُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: 6] الْخَبَرَ عَنْ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ غَيْرِ التَّذْبِيحِ وَبِالتَّذْبِيحِ، وَأَمَّا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ جَاءَ بِغَيْرِ الْوَاوِ: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49] فِي مَوْضِعٍ، وَفِي مَوْضِعٍ: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: 141] وَلَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِيهَا لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: 49] وَبِقَوْلِهِ: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ [المائدة: 70] تَبْيِيِنُهُ صِفَاتِ الْعَذَابِ الَّذِي كَانُوا يَسُومُونَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ أُرِيدَ تَفْصِيلِهَا فَبِغَيْرِ الْوَاوِ تَفْصِيلِهَا، وَإِذَا أُرِيدَ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا وَغَيْرِ تَفْصِيلِهَا فَالْوَاوُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [إبراهيم: 6] : أَيَادِي اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامِهِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49] يَقُولُ: وَيُبْقُونَ نِسَاءَكُمْ فَيَتْرُكُونَ
قَتَلَهُنَّ، وَذَلِكَ اسْتِحْيَاؤُهُمْ كَانَ إِيَّاهُنَّ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَعْنَاهُ: يَتْرُكُونَهُمْ، وَالْحَيَاةُ: هِيَ التَّرْكُ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» بِمَعْنَى: اسْتَبْقُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ