تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 586-591

وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: 3] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا عَلَى عَدُوِّهَا عَلَانِيَةً

صفحات 586-591
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] قَالَ: «لَكَفُورٌ» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّمَا سُمِّيَتْ كِنْدَةُ: أَنَّهَا قَطَعَتْ أَبَاهَا ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] قَالَ: لَكَفُورٌ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] قَالَ: «لَكَفُورٌ، الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] قَالَ: " الَكَنُودٌ: الْكُفُورُ، وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: 66] "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ، قَالَ: ثنا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: ثني حَمْزَةُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " الَكَنُودُ: الَّذِي يَنْزِلُ وَحْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّوَارِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَقْظَانِ، عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] قَالَ: «لَوَّامٌ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ الْمَصَائِبَ، وَيَنْسَى النِّعَمَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُنُودِهِ رَبَّهُ لَشَهِيدٌ: يَعْنِي لَشَاهِدٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7] قَالَ: يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7] " فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ (إِنَّ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ)

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، " ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7]

يَقُولُ: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَيْهِ شَهِيدٌ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لِحُبِّ الْمَالِ لَشَدِيدٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ وَصْفِهِ بِالشِّدَّةِ لِحُبِّ الْمَالِ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ: أَيْ لَبَخِيلٌ؛ قَالَ: يُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ وَمُتَشَدِّدُ.
وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِ ذَلِكَ

بِبَيْتِ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ الْيَشْكُرِيِّ: [البحر الطويل] أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ النُّفُوسَ وَيَصْطَفِي ... عَقِيلَةَ مَالِ الْبَاخِلِ الْمُتَشَدِّدِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَقَوِيٌّ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: كَانَ مَوْضِعُ ﴿لِحُبِّ﴾ [العاديات: 8] أَنْ يَكُونَ بَعْدَ شَدِيدٍ، وَأَنَ يُضَافَ شَدِيدٌ إِلَيْهِ فَيَكُونُ الْكَلَامُ: وَإِنَّهُ لَشَدِيدٌ حُبُّ الْخَيْرِ؛ فَلَمَّا تَقَدَّمَ الْحُبُّ فِي الْكَلَامِ، قِيلَ: شَدِيدٌ وَحُذِفَ مِنْ آخِرِهِ، لَمَّا جَرَى ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِهِ وَلِرُءُوسِ الْآيَاتِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] وَالْعَصُوفُ لَا يَكُونُ لِلْيَوْمِ، إِنَّمَا يَكُونُ لِلرِّيحِ؛ فَلَمَّا جَرَى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ الْيَوْمِ طُرِحَتْ مِنْ آخِرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] قَالَ: " الْخَيْرُ: الدُّنْيَا؛ وَقَرَأَ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا: الْمَالَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ إِلَّا الْمَالُ؟ قَالَ: وَعَسَى أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَهُ خَيْرًا، فَسَمَّاهُ اللَّهُ خَيْرًا، لِأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهُ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَبِيثًا، وَسُمِّيَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سُوءًا، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174] قَالَ: لَمْ يَمْسَسْهُمْ قِتَالٌ؛ قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ بِسُوءٍ، وَلَكِنْ يُسَمُّونَهُ سُوءًا " وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ لَشَاهِدٌ.
وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7] قُدِّمَ، وَمَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، فَجُعِلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6] وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7] قَالَ: هَذَا فِي مَقَادِيمِ الْكَلَامِ، قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَشَهِيدٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ "

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: 9] يَقُولُ: أَفَلَا يَعْلَمُ هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، إِذَا أُثِيرَ مَا فِي الْقَبْرِ، وَأُخْرِجَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى وَبُحِثَ.
وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: «إِذَا بُحِثَ مَا فِي الْقُبُورِ» وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: 9] «بُحِثَ» وَلِلْعَرَبِ فِي بُعْثِرَ لُغَتَانِ: تَقُولُ: بُعْثِرَ، وَبُحْثِرَ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10] يَقُولُ: وَمُيِّزَ وَبُيِّنَ، فَأُبْرِزَ مَا فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10] يَقُولُ: «أُبْرِزَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10] يَقُولُ: «مُيِّزَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11] يَقُولُ: إِنَّ رَبَّهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَمَا أَسَرُّوا فِي صُدُورِهِمْ، وَأَضْمَرُوهُ فِيهَا، وَمَا أَعْلَنُوهُ بِجَوَارِحِهِمْ مِنْهَا، عَلِيمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ

جارٍ التحميل