وَقَوْلِهِ ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 19] يَقُولُ: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْبِلَادِ كُلِّ مَقْطَعٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 19] قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: «أَمَّا غَسَّانُ فَقَدْ لَحِقُوا بِالشَّامِ، وَأَمَّا الْأَنْصَارُ فَلَحِقُوا بِيَثْرِبَ، وَأَمَّا خُزَاعَةُ فَلَحِقُوا بِتِهَامَةَ، وَأَمَّا الْأَزْدُ فَلَحِقُوا بِعُمَانَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " يَزْعُمُونَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ عَامِرٍ، وَهُوَ عَمُّ الْقَوْمِ كَانَ كَاهِنًا فَرَأَى فِي كَهَانَتِهِ أَنَّ قَوْمَهُ سَيُمَزَّقُونَ وَيَتَبَاعَدُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَتُمَزَّقُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمٍّ بَعِيدٍ، وَجَمَلٍ شَدِيدٍ، وَمَزَادٍ جَدِيدٍ، فَلْيَلْحَقْ بِكَأْسٍ أَوْ كَرُودٍ، قَالَ: فَكَانَتْ وَادِعَةُ بْنُ عَمْرٍو؛ وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمٍّ مُدْنٍ، وَأَمْرَدٍ عَنٍ، فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضٍ شَنَّ، فَكَانَتْ عَوْفُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ بَارِقٌ؛ وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ عَيْشًا آيِنًا، وَحَرَمًا آمِنًا، فَلْيَلْحَقْ بِالْأَرْزَيْنِ، فَكَانَتْ خُزَاعَةُ؛ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الرَّاسِيَاتِ فِي الْوَحْلِ، الْمُطْعِمَاتِ فِي الْمُحِلِّ، فَلْيَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذَاتِ النَّخْلِ، فَكَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فَهُمَا هَذَانِ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ؛ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ خَمْرًا وَخَمِيرًا، وَذَهَبًا وَحَرِيرًا، وَمُلْكًا وَتَأْمِيرًا فَلْيَلْحَقْ بِكُوثَى وَبُصْرَى،
فَكَانَتْ غَسَّانُ بَنُو جَفْنَةَ مُلُوكَ الشَّامِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّمَا قَالَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ طُرَيْفَةُ امْرَأَةُ عِمْرَانَ بْنِ عَامِرٍ، وَكَانَتْ كَاهِنَةً، فَرَأَتْ فِي كَهَانَتِهَا ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ؛ قَالَ: فَلَمَّا تَفَرَّقُوا، نَزَلُوا عَلَى كَهَانَةِ عِمْرَانَ بْنِ عَامِرٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي تَمْزِيقِنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴿لَآيَاتٍ﴾ [البقرة: 164] يَقُولُ: لَعِظَةً وَعِبْرَةً وَدِلَالَةً عَلَى وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلَى نِعَمِهِ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَحَقِّهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى مِحْنَتِهِ إِذَا امْتَحَنَهُ بِبَلَاءٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ عَلَى نِعَمِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي
ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5] كَانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: «نِعْمَ الْعَبْدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 20]
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: 20] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ [سبأ: 20] بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنْ صَدَّقَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ ظَنًّا مِنْهُ: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] ، وَقَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 83] ، ثُمَّ صَدَّقَ ظَنَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَقَّقَ ذَلِكَ بِهِمْ، وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ (وَلَقَدْ صَدَقَ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، بِمَعْنَى: وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ قَدْ صَدَّقَ عَلَى كُفْرِهِ بَنِي آدَمَ فِي ظَنِّهِ، وَصَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّهُ الَّذِي ظَنَّ حِينَ قَالَ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمَنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] ، وَحِينَ قَالَ: ﴿وَلَأُضِلِّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: 119] الْآيَةَ، قَالَ ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا عِلْمًا، فَصَارَ ذَلِكَ حَقًّا بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ، فَبِأَيٍّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ: وَلَقَدْ ظَنَّ إِبْلِيسُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ، عُقُوبَةً مِنَّا لَهُمْ، ظَنًّا غَيْرَ يَقِينٍ، عَلِمَ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَهُ وَيُطِيعُونَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَصَدَقَ ظَنُّهُ عَلَيْهِمْ، بِإِغْوَائِهِ إِيَّاهُمْ، حَتَّى أَطَاعُوهُ، وَعَصَوْا رَبَّهُمْ، إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَةِ إِبْلِيسَ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: 20] مُشَدَّدَةً، وَقَالَ: «ظَنَّ ظَنًّا، فَصَدَّقَ ظَنَّهُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: 20] قَالَ: «ظَنَّ ظَنًّا فَاتَّبَعُوا ظَنَّهُ»
قَالَ: ثنا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: 20] " قَالَ اللَّهُ: مَا كَانَ إِلَّا ظَنًّا ظَنَّهُ، وَاللَّهُ لَا يُصَدِّقُ كَاذِبًا، وَلَا يُكَذِّبُ صَادِقًا "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: 20] قَالَ: " أَرَأَيْتَ هَؤُلَاءَ الَّذِينَ كَرَّمْتَهُمْ عَلَيَّ، وَفَضَّلْتَهُمْ وَشَرَّفْتَهُمْ، لَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 20]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كَانَ لِإِبْلِيسَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ
الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ مِنْ حُجَّةٍ يُضِلُّهُمْ بِهَا، إِلَّا بِتَسْلِيطِنَاهُ عَلَيْهِمْ، لِيَعْلَمَ حِزْبُنَا وَأَوْلِيَاؤُنَا ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ: 21] يَقُولُ: مَنْ يُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: 21] فَلَا يُوقِنُ بِالْمِيعَادِ، وَلَا يُصَدِّقُ بِثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: 21] قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: «وَاللَّهِ مَا ضَرَبَهُمْ بِعَصَا وَلَا سَيْفٍ وَلَا سَوْطٍ، إِلَّا أَمَانِيًّ وَغُرُورًا دَعَاهُمْ إِلَيْهَا»
قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: 21] قَالَ: «وَإِنَّمَا كَانَ بَلَاءً لِيَعْلَمَ اللَّهُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ» وَقِيلَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ: 21] إِلَّا لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا ظَاهِرًا لِيَسْتَحِقَّ بِهِ الثَّوَابَ أَوِ الْعِقَابَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَعْمَالِ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ﴿حَفِيظٌ﴾ [هود: 57] لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مَجَازٍ جَمِيعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِمَا كَسَبُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَهَذَا فِعْلُنَا بِوَلِيِّنَا وَمَنْ أَطَاعَنَا، دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ الَّذِي فَعَلْنَا بِهِمَا مِنْ إِنْعَامِنَا عَلَيْهِمَا النِّعَمَ الَّتِي
لَا كِفَاءَ لَهَا إِذْ شَكَرَانَا، وَذَاكَ فِعْلُنَا بِسَبَإٍ الَّذِينَ فَعَلْنَا بِهِمْ، إِذْ بَطَرُوا نِعْمَتَنَا، وَكَذَّبُوا رُسُلَنَا، وَكَفَرُوا أَيَادِينَا، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ مِنْ قَوْمِكَ، الْجَاحِدِينَ نِعَمَنَا عِنْدَهُمُ: ادْعُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ لِلَّهِ شَرِيكٌ مِنْ دُونِهِ، فَسَلُوهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِكُمْ بَعْضَ أَفْعَالِنَا، بِالَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرَهُمْ مِنْ إِنْعَامٍ أَوِ إِيَاسٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُبْطِلُونَ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ، ثُمَّ وَصَفَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ مِنْ خَيْرٍ وَلَا شَرٍّ وَلَا ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَنْ كَانَ كَذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا هُمْ إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، مُنْفَرِدِينَ بِمُلْكِهِ مِنْ
دُونِ اللَّهِ، يَمْلِكُونَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ فِي الْمَمْلُوكَاتِ، لَا تَكُونُ لِمَالِكِهَا إِلَّا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا مَقْسُومًا، وَإِمَّا مُشَاعًا؛ يَقُولُ: وَآلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لَا يَمْلِكُونَ وَزْنَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، لَا مُشَاعًا وَلَا مَقْسُومًا، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ كَانَ هَكَذَا شَرِيكًا لِمَنْ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22] يَقُولُ: وَمَا لِلَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مُعِينٌ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى حِفْظِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُلْكُ شَيْءٍ مِنْهُ مُشَاعًا وَلَا مَقْسُومًا، فَيُقَالُ: هُوَ لَكَ شَرِيكٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُ شَيْءٍ مِنْهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ يَقُولُ: «مَا لِلَّهِ مِنْ شَرِيكٍ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ» ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾ [سبأ: 22] مِنَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22] «مِنْ عَوْنٍ بِشَيْءٍ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ
الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَنْفَعُ شَفَاعَةُ شَافِعٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ الشَّافِعُ لِمَنْ شَفَعَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الشَّفَاعَةِ يَقُولُ تَعَالَى: فَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَاتُ لَا تَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ أَحَدًا إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الشَّفَاعَةِ لَهُ، وَاللَّهُ لَا يَأْذَنُ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي الشَّفَاعَةِ لِأَحَدٍ مِنَ الْكَفَرَةِ بِهِ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ كُفْرٍ بِهِ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَنْ تَعَبْدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ زَعْمًا مِنْكُمْ أَنَّكُمْ تَعَبْدُونَهُ، لِيُقَرِّبَكُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَلِيَشْفَعَ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ؛ فَمَنْ إِذْ كَانَ هَذَا مَعْنَى الْكَلَامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23] الْمَشْفُوعُ لَهُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ [طه: 109] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ بِضَمِّ الْأَلِفِ مِنْ (أُذِنَ لَهُ) عَلَى وَجْهٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ [طه: 109] عَلَى اخْتِلَافٍ أَيْضًا عَنْهُ فِيهِ، بِمَعْنَى أَذِنَ اللَّهُ لَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] يَقُولُ: حَتَّى إِذَا جُلِّيَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَكَشَفَ عَنْهَا الْفَزَعَ وَذَهَبَ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] " يَعْنِي: جُلِّيَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ،﴾ [سبأ: 23] قَالَ: «كُشِفَ عَنْهَا الْغِطَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «إِذَا جُلِّيَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَنْ هُمْ؟ وَمَا السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِي فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يَفْزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ مِنْ غَشِيَّةٍ تُصِيبُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِمُ اللَّهَ بِالْوَحْي
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] قَالَ: " إِذَا حَدَثَ أَمْرٌ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ سَمِعَ مَنْ دُونَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ صَوْتًا كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُغْشَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا ذَهَبَ الْفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ تَنَادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: 23] قَالَ: فَيَقُولُ مَنْ شَاءَ، قَالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: " إِذَا حَدَثَ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ أَمْرٌ سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتًا كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، قَالَ: فَيُغْشَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا حَدَثَ أَمْرٌ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَيَغْشَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَزَعِ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُمْ تَنَادَوْا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] قَالَ: " إِنَّ الْوَحْيَ إِذَا أُلْقِيَ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ، قَالَ: فَيَتَنَادَوْنَ فِي السَّمَوَاتِ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: فَيَتَنَادَوْنَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " وَبِهِ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: " يَنْزِلُ الْأَمْرُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُمُ الْأَمْرُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَالَ الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] الْآيَةُ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى أَمْرًا فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا جَمِيعًا، وَلَقَوْلُهُ: صَوْتٌ كَصَوْتِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا الصَّفْوَانِ، فَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23]
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ: « يَأْتِينِي فِي صَلْصَلَةٍ كَصَلْصَلَةٍ الْجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي حِينَ يَفْصِمُ وَقَدْ وَعَيْتُهُ، وَيَأْتِي أَحْيَانًا فِي مِثْلِ صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيُلَكِّمُنِي بِهِ كَلَامًا، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيَّ»
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ أَبَانَ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: ثنا نُعَيْمٌ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَكَرِيَّا، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَوَاتُ مِنْهُ رَجْفَةً أَوْ قَالَ رَعْدَةً شَدِيدَةً خَوْفَ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جَبْرَائِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جَبْرَائِيلُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جَبْرَائِيلُ؟ فَيَقُولُ جَبْرَائِيلُ قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، قَالَ: فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جَبْرَائِيلُ، فَيَنْتَهِي جَبْرَائِيلُ بِالْوَحْيِ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُوحِيَ إِلَى مُحَمَّدٍ، دَعَا جِبْرِيلَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ رَبُّنَا بِالْوَحْيِ، كَانَ صَوْتُهُ كَصَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا؛ فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَوْتَ الْحَدِيدِ خَرُّوا سُجَّدًا؛ فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِمْ جَبْرَائِيلُ بِالرِّسَالَةِ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَالُوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] وَهَذَا قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ "