الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: صَارَتْ حِجَارَةً "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ زُرُوعَهُمْ تَحَوَّلَتْ حِجَارَةً "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ حُرُوثًا لَهُمْ صَارَتْ حِجَارَةً "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: يَقُولُونَ: صَارَتْ حِجَارَةً "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَا: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: صَارَتْ حِجَارَةً "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ حُرُوثًا لَهُمْ صَارَتْ حِجَارَةً "
حُدِّثْتُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88]
قَالَ: جَعَلَهَا اللَّهُ حِجَارَةً مَنْقُوشَةً عَلَى هَيْئَةِ مَا كَانَتْ "
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَصَابَهُمْ ذَلِكَ؛ طَمَسَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَصَارَتْ حِجَارَةً ذَهَبُهُمْ، وَدَرَاهِمُهُمْ، وَعَدَسُهُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَهْلَكَهَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: أَهْلِكْهَا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] يَقُولُ: دَمَّرْ عَلَيْهِمْ
وَأَهْلِكْ أَمْوَالَهُمْ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاطْبَعْ عَلَيْهَا حَتَّى لَا تَلِينَ وَلَا تَنْشَرِحَ بِالْإِيمَانِ.
كَمَا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُوسَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ فِرْعَوْنَ: " رَبَّنَا ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88] فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَحَالَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَبَيْنَ الْإِيمَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] يَقُولُ: وَاطْبَعْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88] وَهُوَ الْغَرَقُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] بِالضَّلَالَةِ "
قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] قَالَ: بِالضَّلَالَةِ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] يَقُولُ: أَهْلِكْهُمْ كُفَّارًا " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَلَا يُصَدِّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَيُقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْمُوجِعَ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: 88] بِاللَّهِ فِيمَا يَرَوْنَ مِنَ الْآيَاتِ، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
قَالَ ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمِنْقَرِيَّ، يَقُولُ: " {فَلَا
يُؤْمِنُوا} [يونس: 88] يَقُولُ: دَعَا عَلَيْهِمْ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ: ﴿يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: 88] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هُوَ نَصْبٌ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْأَمْرِ بِالْفَاءِ أَوْ يَكُونُ دُعَاءً عَلَيْهِمْ إِذَا عَصَوْا.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ نَصْبٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: 88] وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَوْضِعُهُ جَزْمٌ عَلَى الدُّعَاءِ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِمْ، بِمَعْنَى: فَلَا آمَنُوا.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَلَا يَنْبَسِطْ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْكَ مَا انْزَوَى ... وَلَا تَلْقَنِي إِلَّا وَأَنْفُكَ رَاغِمُ
بِمَعْنَى: فَلَا انْبَسَطَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْكَ مَا انْزَوَى، وَلَا لَقِيتَنِي عَلَى الدُّعَاءِ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: هُوَ دُعَاءٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ فَلَا يُؤْمِنُوا.
قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ خَرَجَتْ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ، فَتَجْعَلُ ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: 88] فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْجَوَابِ، وَلَيْسَ بِسَهْلٍ.
قَالَ: وَيَكُونُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الرجز]
يَا نَاقَ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا
قَالَ: وَلَيْسَ الْجَوَابُ بِسَهْلٍ فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ جَزْمٌ عَلَى الدُّعَاءِ، بِمَعْنَى: فَلَا آمَنُوا.
وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ دُعَاءً، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88] فَإِلْحَاقُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: 88] إِذْ كَانَ فِي سِيَاقِ ذَلِكَ بِمَعْنَاهُ أَشْبَهُ وَأَوْلَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88] فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: حَتَّى يَرَوُا الْغَرَقَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ بَعْضِ وجُوهِهَا فِيمَا مَضَى
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88] قَالَ: الْغَرَقَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ إِجَابَتِهِ لِمُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَارُونَ دُعَاءَهُمَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْرَافَ قَوْمِهِ وَأَمْوَالِهِمْ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30] اللَّهُ لَهُمَا ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] فِي فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
وَأَمْوَالِهِمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ نُسِبَتِ الْإِجَابَةُ إِلَى اثْنَيْنِ، وَالدُّعَاءُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ وَاحِدٍ قِيلَ: إِنَّ الدَّاعِيَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، فَإِنَّ الثَّانِي كَانَ مُؤْمِنًا وَهُوَ هَارُونُ، فَلِذَلِكَ نُسِبَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ دَاعٍ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكَمَا﴾ [يونس: 89] قَالَ: كَانَ مُوسَى يَدْعُو وَهَارُونُ يُؤَمِّنُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] " وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْعَرَبَ تُخَاطِبُ الْوَاحِدَ خِطَابَ الِاثْنَيْنِ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ: [البحر الوافر] فَقُلْتُ لِصَاحِبِي لَا تُعْجِلَانَا ... بِنَزْعِ أُصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَا
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: " ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] قَالَ: دَعَا مُوسَى، وَأَمَّنَ هَارُونُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، وَزَيْدُ بْنُ حُبَابِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «دَعَا مُوسَى، وَأَمَّنَ هَارُونُ»
قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «دَعَا مُوسَى، وَأَمَّنَ هَارُونُ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي
الْعَالِيَةِ، قَالَ: " ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] قَالَ: دَعَا مُوسَى، وَأَمَّنَ هَارُونُ "
قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: " دَعَا مُوسَى وَأَمَّنَ هَارُونُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] قَالَ: كَانَ مُوسَى يَدْعُو وَهَارُونُ يُؤَمِّنُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] لِمُوسَى وَهَارُونَ ". قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ عِكْرِمَةُ: أَمَّنَ هَارُونُ عَلَى دُعَاءِ مُوسَى، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 89]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " كَانَ هَارُونُ يَقُولُ: آمِينَ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] فَصَارَ التَّأْمِينُ دَعْوَةً صَارَ شَرِيكَهُ فِيهَا " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 89] فَإِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ
بِالِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ.
عَلَى أَمْرِهَا مِنْ دُعَاءِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِلَى الْإِجَابَةِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ عِقَابُ اللَّهِ الَّذِي أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ أَجَابَهُمَا فِيهِ.
كَمَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 89] فَامْضِيَا لِأَمْرِي، وَهِيَ الِاسْتِقَامَةُ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُونَ: إِنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89] يَقُولُ: وَلَا تَسْلُكَانِ طَرِيقَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ حَقِيقَةَ وَعَدِي، فَتَسْتَعْجِلَانِ قَضَائِي، فَإِنَّ وَعَدِيَ لَا خَالِفَ لَهُ، وَإِنَّ وَعِيدِيَ نَازِلٌ بِفِرْعَونَ وَعَذَابِي وَاقِعٌ بِهِ وَبِقَوْمِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَطَعْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ حَتَّى جَاوَزُوهُ.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: 90] يَقُولُ:
فَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ ﴿وَجُنُودُهُ﴾ [البقرة: 249] يُقَالُ مِنْهُ: اتَّبَعْتُهُ وَتَبِعْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
وَقَدْ كَانَ الْكَسَائِيُّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْهُ يَقُولُ: إِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ أَتْبَعَهُمْ خَيْرًا أَوْ شَرًّا فَالْكَلَامُ «أَتْبَعَهُمْ» بِهَمْزِ الْأَلِفِ، وَإِذَا أُرِيدَ اتَّبَعَ أَثَرَهُمْ أَوْ اقْتَدَى بِهِمْ
فَإِنَّهُ مِنْ «اتَّبَعْتُ» مُشَدَّدَةُ التَّايِ غَيْرُ مَهْمُوزَةِ الْأَلِفِ.
﴿بَغْيًا﴾ [البقرة: 90] عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَمَنَ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿وَعَدْوًا﴾ [يونس: 90] . يَقُولُ: وَاعْتَدَاءً عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ فِي الظُّلْمِ يَعْدُو عَلَيْهِ عَدْوًا، مِثْلُ غَزَا يَغْزُو غَزْوًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: «بَغْيًا وَعَدْوًا» وَهُوَ أَيْضًا مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَدَا يَعْدُو عَدْوًا، مِثْلُ عَلَا يَعْلُو عُلُوًّا.
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: 90] يَقُولُ: حَتَّى إِذَا أَحَاطَ بِهِ الْغَرَقُ.
وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ قَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا فِيهِ، فَغَرَّقْنَاهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ فِرْعَوْنَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى الْغَرَقِ وَأَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ: ﴿آمَنْتُ﴾ [الأنعام: 158] يَقُولُ: أَقْرَرْتُ، ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: «أَنَّهُ» بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ «أَنَّهُ» عَلَى إِعْمَالِ «آمَنْتُ» فِيهَا وَنَصْبَهَا بِهِ.
وَقَرَأَ آخَرُونَ: «آمَنْتُ إِنَّهُ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَبَرِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْكُوفِيِّينَ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَبِأَيِّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ