قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الحجر: 19] رَوَاسِيهَا: جِبَالُهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرُّسُوِّ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] يَقُولُ: وَأَنْبَتْنَا فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، يَقُولُ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، وَبِحَدٍّ مَعْلُومٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] يَقُولُ: مَعْلُومٍ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] يَقُولُ: مَعْلُومٍ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أَوْ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «بِقَدَرٍ» . حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَوْ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «بِقَدَرٍ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا عَلِيٌّ يَعْنِي ابْنَ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «بِقَدْرٍ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «بِقَدْرٍ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «مَعْلُومٍ»
حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَسَأَلَهُ أَبُو مَخْزُومٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ، وَسَأَلَهُ أَبُو عُرْوَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ» . هَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ: وَسَأَلَهُ أَبُو عُرْوَةَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا شَبَابَةُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «مَقْدُورٍ بِقَدْرٍ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «مَقْدُورٍ بِقَدْرٍ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «مَقْدُورٍ بِقَدْرٍ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «بِقَدْرٍ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] يَقُولُ: «مَعْلُومٍ» . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] يَقُولُ: مَعْلُومٍ ". وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ وَأَنْبَتْنَا فِي الْجِبَالِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، يَعْنِي مِنَ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُوزَنُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] قَالَ: «الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُوزَنُ» . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ﴾ [الأعراف: 10] أَيُّهَا النَّاسُ فِي الْأَرْضِ ﴿مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: 10] وَهِيَ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] . اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ الدَّوَابَّ
وَالْأَنْعَامَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا شَبَابَةُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، جَمِيعًا، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] الدَّوَابَّ وَالْأَنْعَامَ ".
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ الْوَحْشَ خَاصَّةً
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] قَالَ: «الْوَحْشَ» فَتَأْوِيلُ «مَنْ» فِي: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَعْنَى «مَا» ، وَذَلِكَ قَلِيلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، وَأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] مِنَ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ، وَالدَّوَابِّ، وَالْأَنْعَامِ، فَمَعْنَى ذَلِكَ: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ، وَالْعَبِيدَ، وَالْإِمَاءَ، وَالدَّوَابَّ، وَالْأَنْعَامَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، حَسُنَ أَنْ تُوضَعَ حِينَئِذٍ مَكَانَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ «مَنْ» وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنِ الْبَهَائِمِ مَعَهَا بَنُو آدَمَ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَصَرَفْنَا إِلَيْهِ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا كَانَتْ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا بِهِ عَلَى «مَعَايِشَ» بِمَعْنَى: جَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
وَقِيلَ: إِنَّ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا بِهِ عَلَى الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ﴾ [الحجر: 20] بِمَعْنَى: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] وَأَحْسِبُ أَنَّ مَنْصُورًا فِي قَوْلِهِ: هُوَ الْوَحْشُ، قَصَدَ هَذَا الْمَعْنَى وَإِيَّاهُ أَرَادَ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَلَامُ الْعَرَبِ فَبَعِيدٌ قَلِيلٌ، لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَظَاهَرُ عَلَى مَعْنَى فِي حَالِ الْخَفْضِ، وَرُبَّمَا جَاءَ فِي شِعْرِ بَعْضِهِمْ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: [البحر الكامل] هَلَّا سَأَلْتَ بِذِي الْجَمَاجِمِ عَنْهُمُ ... وَأَبِي نُعَيْمٍ ذِي اللِّوَاءِ الْمُخْرَقِ فَرَدَّ أَبَا نُعَيْمٍ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي «عَنْهُمْ» ، وَقَدْ بَيَّنْتُ قُبَحَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَمْطَارِ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ، لِكُلِّ أَرْضٍ مَعْلُومٌ عِنْدَنَا حَدُّهُ وَمَبْلَغُهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ
رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " مَا مِنْ أَرْضٍ أَمْطَرُ مِنْ أَرْضٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " مَا مِنْ عَامٍ بِأَمْطَرَ مِنْ عَامٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " مَا مِنْ عَامٍ بِأَمْطَرَ مِنْ عَامٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَقْسِمُهُ حَيْثُ شَاءَ، عَامًا هَهُنَا وَعَامًا هَهُنَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21] قَالَ: «الْمَطَرُ خَاصَّةً»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21] قَالَ: " مَا مِنْ عَامٍ بِأَكْثَرَ مَطَرًا مِنْ عَامٍ وَلَا أَقَلَّ، وَلَكِنَّهُ يُمْطَرُ قَوْمٌ وَيُحْرَمُ آخَرُونَ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْبَحْرِ قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ مَعَ الْمَطَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ وَلَدِ إِبْلِيسَ وَوَلَدِ
آدَمَ يُحْصُونَ كُلَّ قَطْرَةٍ حَيْثُ تَقَعُ، وَمَا تُنْبِتُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ، فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ، وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: 22] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَاقِحَ) " فَوَحَّدَ الرِّيحَ وَهِيَ مَوْصُوفَةٌ
بِالْجَمْعِ، أَعْنِي بِقَوْلِهِ: «لَوَاقِحَ» وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الرِّيحَ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهَا وَاحِدًا، فَمَعْنَاهَا الْجَمْعُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: جَاءَتِ الرِّيحُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَبَّتْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَقِيلَ لَوَاقِحَ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعْنَى جَمْعِهِمْ نَعْتَهَا وَهِيَ فِي اللَّفْظِ وَاحِدَةٌ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: أَرْضٌ سَبَاسِبُ، وَأَرْضُ أَغْفَالٍ، وَثَوْبٌ أَخْلَاقٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز] جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلَاقْ ... شَرَاذِمٌ يَضْحَكُ مِنْهُ التَّوَّاقْ
وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ اتَّسَعَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ وَصْفِ الرِّيَاحِ بِاللَّقْحِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُلْقِحَةٌ لَا لَاقِحَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تُلْقِحُ السَّحَابَ وَالشَّجَرَ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ بِاللَّقْحِ الْمَلْقُوحَةُ لَا الْمُلْقِحُ، كَمَا يُقَالُ: نَاقَةٌ لَاقِحٌ، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: قِيلَ: الرِّيَاحُ لَوَاقِحُ، فَجَعَلَهَا عَلَى لَاقِحٍ، كَأَنَّ الرِّيَاحَ لَقِحَتْ، لِأَنَّ فِيهَا خَيْرًا فَقَدْ لَقِحَتْ بِخَيْرٍ.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الرِّيَاحُ تُلْقِحُ السَّحَابَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، لِأَنَّهَا إِذَا أَنْشَأَتْهُ وَفِيهَا خَيْرٌ وَصَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: فِي ذَلِكَ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْعَلَ الرِّيحَ هِيَ الَّتِي تُلْقِحُ بِمُرُورِهَا عَلَى التُّرَابِ وَالْمَاءِ فَيَكُونُ فِيهَا اللِّقَاحُ، فَيُقَالُ: رِيحٌ لَاقِحٌ، كَمَا يُقَالُ: نَاقَةٌ لَاقِحٌ، قَالَ: وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَصَفَ رِيحَ الْعَذَابِ فَقَالَ: ﴿عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: 41] فَجَعَلَهَا عَقِيمًا إِذَا لَمْ تُلْقِحْ.
قَالَ: وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهَا بِاللَّقْحِ وَإِنْ كَانَتْ تُلْقِحُ، كَمَا قِيلَ: لَيْلٌ نَائِمٌ، وَالنَّوْمُ فِيهِ، وَسِرٌّ كَاتِمٌ، وَكَمَا قِيلَ: الْمَبْرُوزُ وَالْمَخْتُومُ، فَجَعَلَ مَبْرُوزًا وَلَمْ يَقُلْ مُبْرَزًا بَنَاهُ عَلَى غَيْرِ فِعْلِهِ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ
صِفَاتِهِ، فَجَازَ مَفْعُولٌ لِمَفْعَلٍ كَمَا جَازَ فَاعِلٌ لِمَفْعُولٍ إِذَا لَمْ يَرِدِ الْبِنَاءُ عَلَى الْفِعْلِ، كَمَا قِيلَ: مَاءٌ دَافِقٌ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ كَمَا وَصَفَهَا بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ صِفَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُلْقِحُ السَّحَابَ وَالْأَشْجَارَ، فَهِيَ لَاقِحَةٌ مُلْقِحَةٌ، وَلَقَّحَهَا: حَمَّلَهَا الْمَاءَ، وَإِلْقَاحُهَا السَّحَابَ وَالشَّجَرَ: عَمَلُهَا فِيهِ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] قَالَ: «يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيَاحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ، فَتُجِرِي السَّحَابَ، فَتُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ»
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] قَالَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتُلْقِحُ السَّحَابَ، ثُمَّ تُمْرِيهِ فَتُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ اللِّقْحَةَ، ثُمَّ تُمْطِرُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] قَالَ: «يُرْسِلُ الرِّيَاحَ، فَتَحْمِلُ الْمَاءَ مِنَ السَّحَابِ، ثُمَّ تَمْرِي السَّحَابَ، فَتُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ اللِّقْحَةُ» . فَقَدْ بَيَّنَ عَبْدُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ، أَنَّهَا هِيَ اللَّاقِحَةُ بِحَمْلِهَا الْمَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ مُلْقِحَةً بِإِلْقَاحِهَا السَّحَابَ وَالشَّجَرَ.
وَأَمَّا جَمَاعَةٌ أُخَرُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا وَصَفَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا لَوَاقِحَ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى مُلْقِحَةً، وَأَنَّ اللَّوَاقِحَ وُضِعَتْ مَوْضِعَ مَلَاقِحَ، كَمَا قَالَ نَهْشَلُ بْنُ حَرِيٍّ:
[البحر الطويل]
لِيُبْكَ يَزِيدُ بِائِسٌ لِضَرَاعَةٍ ... وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَّوَائِحُ يُرِيدُ الْمَطَاوِحُ، وَكَمَا قَالَ النَّابِغَةُ: [البحر الطويل]
كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَوَاكِبِ بِمَعْنَى: مُنْصِبٍ