تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: 49] يَعْنِي: كِتَابَ أَعْمَالِهِمْ لِمُحَاسَبَتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ

وَقَوْلُهُ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: 49] يَعْنِي: كِتَابَ أَعْمَالِهِمْ لِمُحَاسَبَتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر: 69] قَالَ: «كِتَابُ أَعْمَالِهِمْ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر: 69] قَالَ: «الْحِسَابُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبَيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: 69] يَقُولُ: وَجِيءَ بِالنَّبَيِّينَ لِيَسْأَلَهُمْ رَبُّهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ، وَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، حِينَ أَتَتْهُمْ رِسَالَةُ اللَّهِ؛ وَالشُّهَدَاءِ، يَعْنِي بِالشُّهَدَاءِ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتَشْهِدُهُمْ رَبُّهُمْ عَلَى الرُّسُلِ، فِيمَا ذَكَرَتْ مِنْ تَبْلِيغِهَا رِسَالَةَ اللَّهِ الَّتِي

أَرْسَلَهُمْ بِهَا رَبُّهُمْ إِلَى أُمَمِهَا، إِذْ جَحَدَتْ أُمَمُهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَبْلَغُوهُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ، وَالشُّهَدَاءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] وَقِيلَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] : الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَلَيْسَ لِمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَبِيرُ مَعْنًى، لِأَنَّ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {وَجِيءَ بِالنَّبَيِّينَ

وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} [الزمر: 69] ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَى بِالنَّبَيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهَا، وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ إِنَّمَا هِيَ جَمْعُ شَهِيدٍ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأَنْبِيَاءَ عَلَى أُمَمِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿وَجِيءَ بِالنَّبَيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: 69] «فَإِنَّهُمْ لَيَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَبِتَكْذِيبِ الْأُمَمِ إِيَّاهُمْ»

ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبَيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: 69] : «الَّذِينَ اسْتَشْهَدُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: 69] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقُضِيَ بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَأُمَمِهِمْ بِالْحَقِّ، وَقَضَاؤُهُ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، أَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَى أَحَدٍ ذَنْبَ غَيْرِهِ، وَلَا يُعَاقِبَ نَفْسًا إِلَّا بِمَا كَسَبَتْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَفَّى اللَّهُ حِينَئِذٍ كُلَّ نَفْسٍ جَزَاءَ عَمَلِهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمُثِيبٌ الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِمَا أَسَاءَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: 71] يَقُولُ: وَحُشِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ إِلَى نَارِهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَمَاعَاتٍ، جَمَاعَةً جَمَاعَةً، وَحِزْبًا حِزْبًا

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿زُمَرًا﴾ [الزمر: 71] قَالَ: «جَمَاعَاتٍ»

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ السَّبْعَةُ ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: 71] قَوَّامُهَا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 71] يَعْنِي: كِتَابَ اللَّهِ الْمَنْزَلَ عَلَى رُسُلِهِ وَحُجَجَهُ الَّتِي بَعَثَ بِهَا رُسُلَهُ إِلَى أُمَمِهِمْ ﴿وَيَنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: 130] يَقُولُ: وَيَنْذِرُونَكُمْ مَا تَلْقَوْنَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا؛ وَقَدْ يَحْتَمِلُ

أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَيَنْذِرُونَكُمْ مَصِيرَكُمْ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ قَالُوا: بَلَى: يَقُولُ: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُجِيبِينَ لَخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: بَلَى قَدْ أَتَتْنَا الرُّسُلُ مِنَّا، فَأَنْذَرَتْنَا لِقَاءَنَا هَذَا الْيَوْمَ ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 71] يَقُولُ: قَالُوا:

وَلَكِنْ وَجَبَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ أَنَّ عَذَابَهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ عَلَيْنَا بِكُفْرِنَا بِهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 71] «بِأَعْمَالِهِمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَتَقُولُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا حِينَئِذٍ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: 72] السَّبْعَةَ عَلَى قَدْرِ مَنَازَلِكُمْ فِيهَا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: مَاكِثِينَ فِيهَا لَا يَنْقَلُونَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 72] يَقُولُ: فَبِئْسَ مَسْكَنُ الْمُتَكَبِّرِينَ عَلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَيُفْرِدُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَحُشِرَ

الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَخْلَصُوا لَهُ فِيهَا الْأُلُوهَةَ، وَأَفْرَدُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، فَلَمْ يُشْرِكُوا فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ شَيْئًا ﴿إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: 73] يَعْنِي جَمَاعَاتٍ، فَكَانَ سُوقُ هَؤُلَاءِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ مِنَ

الْجَنَّةِ وَفْدًا عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَى نَجَائِبَ مِنْ نَجَائِبِ الْجَنَّةِ، وَسُوقُ الْآخَرِينَ إِلَى النَّارِ دَعًّا وَوِرْدًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي أَمَاكِنِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ

وَقَدْ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: 71] ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: 73] قَالَ: «كَانَ سُوقُ أُولَئِكَ عُنْفًا وَتَعَبًا وَدَفْعًا» وَقَرَأَ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] قَالَ: «يُدْفَعُونَ دَفْعًا» وَقَرَأَ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 2] ، قَالَ: «يَدْفَعُهُ» وَقَرَأَ ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86] وَ ﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85] ثُمَّ قَالَ: «فَهَؤُلَاءِ وَفْدُ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَوْلُهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: 73] " حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى بَابِهَا، إِذَا هُمْ بِشَجَرَةٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ، فَعَمَدُوا إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَشَرِبُوا مِنْهَا كَأَنَّمَا أُمِرُوا بِهَا، فَخَرَجَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ قَذَرٍ أَوِ اذًى أَوْ قَذًى، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى الْأُخْرَى، فَتَوَضَّئُوا مِنْهَا كَأَنَّمَا أُمِرُوا بِهِ، فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، فَلَنْ تَشْعَثَ رُءُوسُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا وَلَنْ تَبْلَى ثِيَابُهُمْ بَعْدَهَا، ثُمَّ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، فَتَلَقَّتْهُمُ الْوِلْدَانُ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ

الْمَكْنُونُ، فَيَقُولُونَ: أَبْشِرْ، أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا، وَأَعَدَّ لَكَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى تَأْسِيسِ بُنْيَانِهِ جَنْدَلُ اللُّؤْلُؤِ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَخْضَرِ، يَتَلَأْلَأُ كَأَنَّهُ الْبَرْقُ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى أَنْ لَا يَذْهَبَ بَصَرُهُ لَذَهَبَ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرِي قَدْ قَدِمَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَيُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، فَتَقُولُ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ، أَنْتَ رَأَيْتَهُ فَيَسْتَخِفُّهَا الْفَرَحُ حَتَّى تَقُومَ، فَتَجْلِسُ عَلَى أُسْكُفَّةِ بَابِهَا، فَيَدْخُلُ فَيَتَّكِئُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَيَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَنْتَهُونَ إِلَيْهَا، فَيَجِدُونَ عِنْدَ بَابِهَا شَجَرَةً فِي أَصْلِ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، فَيَعْمِدُونَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهَا، فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، فَلَنْ تَشْعَثَ رُءُوسُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَلَنْ تُغَبَّرَ جُلُودُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا، كَأَنَّمَا دُهِنُوا بِالدَّهَانِ؛ وَيَعْمِدُونَ إِلَى الْأُخْرَى، فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا، فَيُذْهِبُ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ قَذًى أَوِ أَذًى، ثُمَّ يَأْتُونَ بَابَ الْجَنَّةِ فَيَسْتَفْتِحُونَ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَتَتَلَقَّاهُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32] " قَالَ: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ، يُطِيفُونَ بِهِمْ كَمَا تُطِيفُ وَلَدَانُ أَهْلِ الدُّنْيَا بِالْحَمِيمِ إِذَا جَاءَ مِنَ الْغِيبَةِ،

يَقُولُونَ: أَبْشِرْ أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا، وَأَعَدَّ لَكَ كَذَا، فَيَنْطَلِقُ أَحَدُهُمْ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَيُبَشِّرُهَا بِهِ، فَيَقُولُ: قَدِمَ فُلَانٌ بِاسْمِهِ الَّذِي كَانَ يُسَمَّى بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ: فَيَسْتَخِفُّهَا الْفَرَحُ حَتَّى تَقُومَ عَلَى أُسْكُفَّةِ بَابِهَا، وَتَقُولُ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ، أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَيَجِيءُ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ، فَإِذَا أُصُولُهُ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ مِنْ بَيْنِ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَأَخْضَرَ، قَالَ: فَيَدْخُلُ فَإِذَا الْأَكْوَابُ مَوْضُوعَةٌ، وَالنَّمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَالزَّرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ قَالَ: ثُمَّ يَدْخُلُ إِلَى زَوْجَتِهِ مِنَ الْحُورِ الْعَيْنِ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَعَدَّهَا لَهُ لَالْتَمَعَ بَصَرُهُ مِنْ نُورِهَا وَحُسْنِهَا؛ قَالَ: فَاتَّكَأَ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43] قَالَ: فَتُنَادِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 43] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، قَالَ: ذَكَرَ السُّدِّيُّ نَحْوَهُ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: لَهُوَ أَهْدَى إِلَى مَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ قَرَأَ السُّدِّيُّ: ﴿وَيُدْخِلُهُمِ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: 6] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ جَوَابِ إِذَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: يُقَالُ إِنَّ قَوْلَهُ ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: 73] فِي مَعْنَى: قَالَ لَهُمْ، كَأَنَّهُ يَلْغِي الْوَاوَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشَّعْرِ شَيْءٌ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل]

فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ ... إِلَّا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ: فَإِذَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَأُضْمِرَ الْخَبَرُ، وَإِضْمَارُ الْخَبَرِ أَيْضًا أَحْسَنُ فِي الْآيَةِ، وَإِضْمَارُ الْخَبَرِ فِي الْكَلَامِ كَثِيرٌ.
وَقَالَ آخَرُ

مِنْهُمْ: هُوَ مَكْفُوفٌ عَنْ خَبَرِهِ، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا؛ قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رِبْعٍ فِي آخِرِ قَصِيدَةٍ: [البحر البسيط]

حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدِهِ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا وَقَالَ الْأَخْطَلُ فِي آخِرِ الْقَصِيدَةِ: [البحر الطويل]

خَلَا أَنَّ حَيًّا مِنْ قُرَيْشٍ تَفَضَّلُوا ... عَلَى النَّاسِ أَوْ أَنَّ الْأَكَارِمَ نَهْشَلَا . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: أُدْخِلَتْ فِي حَتَّى إِذَا وَفِي فَلَمَّا الْوَاوُ فِي جَوَابِهَا وَأُخْرِجَتْ، فَأَمَّا مَنْ أَخْرَجَهَا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَمَنْ أَدْخَلَهَا شَبَّهَ الْأَوَائِلَ بِالتَّعَجُّبِ، فَجَعَلَ الثَّانِي نَسَقًا عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي جَوَابًا كَأَنَّهُ قَالَ: أَتَعَجَّبُ لِهَذَا وَهَذَا وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْجَوَابُ مَتْرُوكٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيَ الْكَلَامِ مَتْرُوكًا، إِذْ كَانَ عَقِيبُهُ ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74] ؛ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: حَتَّى إِذَا جَاءُوا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، دَخَلُوهَا، وَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: 73] : أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ لَكُمْ أَنْ يَنَالَكُمْ بَعْدُ مَكْرُوهٌ أَوِ اذًى

جارٍ التحميل