تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 583-596

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:

صفحات 583-596
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَالْمَشَارِبِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ مِنْ بَنِي آدَمَ.
فإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَغَيْرُ كَائِنٍ إِلَهًا؛ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْغِذَاءِ قَوَامُهُ بِغَيْرِهِ , وَفِي قَوَامِهِ بِغَيْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى مَا يُقِيمُهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى عَجْزِهِ , وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَرْبُوبًا لَا رَبًّا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نُبَيِّنُ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْآيَاتِ , وَهِيَ الْأَدِلَّةُ وَالْإِعْلَامُ وَالْحُجَجُ عَلَى بُطُولِ مَا يَقُولُونَ فِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ , وَفِي

فِرْيَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ , وَادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا , وَشَهَادَتِهِمْ لِبَعْضِ خَلْقِهِ بِأَنَّهُ لَهُمْ رَبٌّ وَإِلَهٌ , ثُمَّ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ كَذِبِهِمْ وَبَاطِلِ قِيلِهِمْ , وَلَا يَنْزَجِرُونَ عَنْ فِرْيَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَعَظِيمِ جَهْلِهِمْ , مَعَ وُرُودِ الْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ عُذْرَهُمْ عَلَيْهِمْ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟ يَقُولُ: ثُمَّ انْظُرْ مَعَ تَبْيِينِنَا لَهُمْ آيَاتِنَا عَلَى بُطُولِ قَوْلِهِمْ: أَيَّ وَجْهٍ يُصْرَفُونَ عَنْ بَيَانِنَا الَّذِي بَيَّنْتُهُ لَهُمْ , وَكَيْفَ عَنِ الْهُدَى الَّذِي نَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ يَضِلُّونَ؟ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَصْرُوفٍ عَنْ شَيْءٍ: هُوَ مَأْفُوكٌ عَنْهُ , يُقَالَ: قَدْ أَفَكْتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا: أَيْ صَرَفْتُهُ عَنْهُ , فَأَنَا آفِكُهُ إِفْكًا , وَهُوَ مَأْفُوكٌ , وَقَدْ أَفِكَتِ الْأَرْضُ: إِذَا صُرِفَ عَنْهَا الْمَطَرُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: 76]

وَهَذَا أَيْضًا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّصَارَى الْقَائِلِينَ فِي الْمَسِيحِ مَا وَصَفَ مِنْ قِيلِهِمْ فِيهِ قَبْلُ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنَ النَّصَارَى الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَبُّهُمْ وَالْقَائِلِينَ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ: أَتَعْبُدُونَ سِوَى اللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُ ضُرَّكُمْ وَنَفْعَكُمْ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَهُوُ يُحْيِيكُمْ وَيُمِيتُكُمْ , شَيْئًا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ شَرًّا وَلَا نَفْعًا؟ يُخْبِرُهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي زَعَمَ مَنْ زَعَمَ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ إِلَهٌ , وَالَّذِي زَعَمَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ لِلَّهِ ابْنٌ , لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ إِنْ أَحَلَّهُ اللَّهُ بِهِمْ , وَلَا نَفْعًا يَجْلِبُهُ إِلَيْهِمْ إِنْ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَهُمْ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَيْفَ يَكُونُ رَبًّا وَإِلَهًا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ؟ بَلِ الرَّبُّ الْمَعْبُودُ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ , فَإِيَّاهُ فَاعْبُدُوا وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَجَزَةِ الَّذِينَ لَا يَنْفَعُونَكُمْ وَلَا يَضُرُّونَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: 76] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لِاسْتِغْفَارِهِمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوهُ مِنْ قِيلِهِمْ مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ فِي الْمَسِيحِ , وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنْطِقِهِمْ وَمَنْطِقِ خَلْقِهِ , الْعَلِيمُ بِتَوْبَتِهِمْ لَوْ تَابُوا مِنْهُ , وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77] وَهَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْغَالِيَةِ مِنَ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 64] يَعْنِي بِالْكِتَابِ: الْإِنْجِيلَ ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171] يَقُولُ: " لَا تَفْرُطُوا فِي الْقَوْلِ فِيمَا تَدِينُونَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَسِيحِ , فَتُجَاوِزُوا فِيهِ الْحَقَّ إِلَى الْبَاطِلِ , فَتَقُولُوا فِيهِ: هُوَ اللَّهُ , أَوْ هُوَ ابْنُهُ؛ وَلَكِنْ قُولُوا: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوْحٌ مِنْهُ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: 77] وَيَقُولُ: وَلَا تَتَّبِعُوا أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ أَهْوَاءَ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَدْ ضَلُّوا قَبْلَكُمْ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى فِي الْقَوْلِ فِيهِ , فَتَقُولُونَ فِيهِ كَمَا قَالُوا: هُوَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ , وَتَبْهَتُوا أُمَّهُ كَمَا يَبْهَتُونَهَا بِالْفِرْيَةِ , وَهِيَ صِدِّيقَةٌ.
﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: 77] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَضَلَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ , فَحَادُوا بِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَحَمَلُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْمَسِيحِ ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77] يَقُولُ: " وَضَلَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ , وَرَكِبُوا غَيْرَ مَحَجَّةِ الْحَقِّ وَإِنَّمَا يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ كُفْرَهُمْ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبَهُمْ رُسُلَهُ عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَهَابَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَبُعْدَهُمْ مِنْهُ.
وَذَلِكَ كَانَ ضَلَالَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ,﴾ [المائدة: 77] قَالَ: " يَهُودُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: 77] فَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا أَتْبَاعَهُمْ ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77] عَنْ عَدْلِ السَّبِيلِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ صِفَتَهُمْ: لَا تَغْلُوا فَتَقُولُوا فِي الْمَسِيحِ غَيْرَ الْحَقِّ , وَلَا

تَقُولُوا فِيهِ مَا قَالَتِ الْيَهُودُ الَّذِينَ قَدْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.
وَكَانَ لَعْنُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ , كَالَّذِي:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قَالَ: «لُعِنُوا بِكُلِّ لِسَانٍ , لُعِنُوا عَلَى عَهْدِ مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ , وَلُعِنُوا عَلَى عَهْدِ دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ , وَلُعِنُوا عَلَى عَهْدِ عِيسَى فِي الْإِنْجِيلِ , وَلُعِنُوا عَلَى عَهْدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أِبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يَقُولُ: «لُعِنُوا فِي الْإِنْجِيلِ عَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ , وَلُعِنُوا فِي الزَّبُورِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ خُصَيْفٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قَالَ: «خَالَطُوهُمْ بَعْدَ النَّهْيِ فِي تِجَارَاتِهِمْ , فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ , فَهُمْ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ حُصَيْنٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قَالَ: «لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ فَصَارُوا قِرَدَةً , وَلُعِنُوا عَلَى لِسَانِ عِيسَى فَصَارُوا خَنَازِيرَ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 78] بِكُلِّ لِسَانٍ؛ لُعِنُوا عَلَى عَهْدِ مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ , وَعَلَى عَهْدِ دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ , وَعَلَى عَهْدِ عِيسَى فِي الْإِنْجِيلِ , وَلُعِنُوا عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ﴾ عَلَى عَهْدِهِ , فَلُعِنُوا بِدَعْوَتِهِ.
قَالَ: مَرَّ دَاوُدُ عَلَى نَفَرٍ مِنْهُمْ وَهُمْ فِي بَيْتٍ , فَقَالَ مَنْ فِي الْبَيْتِ؟ قَالُوا: خَنَازِيرُ , قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ خَنَازِيرَ.
فكَانُوا خَنَازِيرَ؛ ثُمَّ أَصَابَتْهُمْ لَعَنْتُهُ.
ودَعَا عَلَيْهِمْ عِيسَى فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنِ افْتَرَى عَلَيَّ وَعَلَى

أُمِّي , وَاجْعَلْهُمْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 78] الْآيَةُ , لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ فِي زَمَانِهِ فَجَعَلَهُمْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ , وَفِي الْإِنْجِيلِ عَلَى لِسَانِ عِيسَى فَجَعَلَهُمْ خَنَازِيرَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو مِحْصَنٍ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ , عَنْ حُصَيْنٍ , يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي مَالِكٍ , قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ﴾ قَالَ: «مُسِخُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ قِرَدَةً , وَعَلَى لِسَانِ عِيسَى خَنَازِيرَ» حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ , عَنْ أَبِي مَالِكٍ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ , عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا رَأَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا , فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَخَلِيطَهُ وَشَرِيبَهُ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» . ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ , وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ , وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الْمُسِيءِ , وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ , وَلَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: لَمَّا فَشَا الْمُنْكَرُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ , جَعَلَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ.
ثُمَّ لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يُؤَاكِلَهُ وَيُشَارِبَهُ.
فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , ثُمَّ أَنْزَلَ فِيهِمْ كِتَابًا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا , فَجَلَسَ وَقَالَ: «كَلَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوا الظَّالِمَ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا»

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ , قَالَ: ثنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , أَظُنُّهُ عَنْ مَسْرُوقٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمُ الْمُنْكَرَ جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ وَجَارَهُ وَصَاحِبَهُ عَلَى الْمُنْكَرِ فَيَنْهَاهُ , ثُمَّ لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَنَدِيمَهُ , فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , وَلُعِنُوا ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ إِلَى ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 81] ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا , فَغَضِبَ وَقَالَ: «لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ فَتَأْطُرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمُ النَّقْصُ كَانَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الرِّيَبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ , فَإِذَا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ؛ فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ , وَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ , فَقَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 81] " قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا , فَجَلَسَ وَقَالَ: «لَا حَتَّى تَأْخُذُوا يَدَيِ الظَّالِمِ فَتَأْطُرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ: أَمْلَاهُ عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ

سُفْيَانَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ.
نحْوَهُ.
غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا فِي حَدِيثِهِمَا: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا , فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: «كَلَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ , فَتَأْطُرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا»

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قَالَ: " فَقَالَ: لُعِنُوا فِي الْإِنْجِيلِ وَفِي الزَّبُورِ.
وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ رَحَى الْإِيمَانِ قَدْ دَارَتْ , فَدُورُوا مَعَ الْقُرْآنِ حَيْثُ دَارَ , فَإِنَّهُ قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِمَّا افْتَرَضَ فِيهِ , وَإِنَّهُ كَانَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا أَهْلَ عَدْلٍ , يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ , فَأَخَذَهُمْ قَوْمُهُمْ فَنَشَرُوهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ , وَصَلَبُوهُمْ عَلَى الْخَشَبِ , وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ , فَلَمْ يَرْضَوْا حَتَّى دَاخَلُوا الْمُلُوكَ وَجَالَسُوهُمْ , ثُمَّ لَمْ يَرْضَوْا حَتَّى وَاكَلُوهُمْ , فَضَرَبَ اللَّهُ تِلْكَ الْقُلُوبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً» فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ﴾ إِلَى ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: 61] مَاذَا كَانَتْ مَعْصِيَتُهُمْ؟ قَالَ: «كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ , لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْيَهُودِ بِاللَّهِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ , وَلُعِنَ وَاللَّهِ آبَاؤُهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ , بِمَا عَصَوُا اللَّهَ فَخَالَفُوا أَمْرَهُ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ , يَقُولُ: وَكَانُوا يَتَجَاوَزُونَ حُدُودَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَانَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ [المائدة: 79] يَقُولُ: " لَا يَنْتَهُونَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ , وَلَا يَنْهَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَيَعْنِي بِالْمُنْكَرِ: الْمَعَاصِي الَّتِي كَانُوا يَعْصَوْنَ اللَّهَ بِهَا.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: كَانُوا لَا يَنْتَهُونَ عَنْ مُنْكَرٍ أَتَوْهُ.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79] وَهَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ , يَقُولُ: أَقْسَمَ لَبِئْسَ الْفِعْلُ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي تَرْكِهِمُ الِانْتِهَاءَ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى وَرُكُوبِ مَحَارِمِهِ وَقَتْلِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ , فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: 79] لَا تَتَنَاهَى أَنْفُسُهُمْ بَعْدَ أَنْ وَقَعُوا فِي الْكُفْرِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَرَى يَا مُحَمَّدُ كَثِيرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا , يَقُولُ: يَتَوَلَّوْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ , يُعَادُّونَ أَوْلِيَاءَ

اللَّهِ وَرُسُلَهُ.
﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ الشَّيْءُ الَّذِي قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَمَامَهُمْ إِلَى مَعَادِهِمْ فِي الْآخِرَةِ ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 80] فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ تَرْجَمَةً عَنْ مَا الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ مَا﴾ [المائدة: 62] . ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: 80] يَقُولُ: " وَفِي عَذَابِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ

خَالِدُونَ , دَائِمٌ مَقَامُهُمْ وَمُكْثُهُمْ فِيهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 81] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ [المائدة: 81] يَقُولُ: " يُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيُوَحِّدُونَهُ وَيُصَدَّقُونَ

نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لِلَّهِ نَبِيُّ مَبْعُوثٌ وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة: 81] يَقُولُ: " يُقِرُّونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ آيِ الْفُرْقَانِ ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 81] يَقُولُ: " مَا اتَّخَذُوهُمْ أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿وَلَكِنْ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 81] يَقُولُ: " وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَهْلُ خُرُوجٍ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى مَعْصِيَتِهِ وَأَهْلُ اسْتِحْلَالٍ لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ

وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 81] قَالَ: «الْمُنَافِقُونَ»

الْقَولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَتَجِدَنَّ يَا مُحَمَّدُ أَشَدَّ النَّاسِ

عَدَاوَةً لِلَّذِينَ

صَدَّقُوكَ وَاتَّبَعُوكَ وَصَدَّقُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يَعْنِي عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَوْثَانَ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا، يَقُولُ: ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ مَوَدَّةً وَمَحَبَّةً.
وَالْمَوَدَّةُ: الْمَفْعَلَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: وَدِدْتُ كَذَا أَوَدَّهُ وُدًّا وَوِدًّا وَوَدًّا ومَوَدَّةً، إِذَا أَحْبَبْتَهُ.
لِلَّذِينَ آمَنُوا، يَقُولُ: لِلَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَالْإِذْعَانِ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصَارَى الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وَاتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَأَصْحَابٍ لَهُ أَسْلَمُوا مَعَهُ:

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا خُصَيْفٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّجَاشِيُّ وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمُوا.
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَالَ: " فَرَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ، فَأَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ، فَلَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا حَتَّى مَاتَ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ» ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، وَالنَّجَاشِيُّ بِالْحَبَشَةِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82] ، قَالَ: «هُمُ الْوَفْدُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82] ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ خَافَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَبَعَثَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ، بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي رَهْطٍ مِنْهُمْ، ذَكَرَ أَنَّهُمْ سَبَقُوا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَالُوا: إِنَّهُ خَرَجَ فِينَا رَجُلٌ سَفَّهَ عُقُولَ قُرَيْشٍ وَأَحْلَامَهَا، زَعَمَ أَنَّهُ نَبِيُّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكَ رَهْطًا لِيُفْسِدُوا عَلَيْكَ قَوْمَكَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَأْتِيَكَ وَنُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ.
قَالَ: إِنْ جَاءوُنِي نَظَرْتُ فِيمَا يَقُولُونَ.
فَقَدِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقَامُوا بِبَابِ النَّجَاشِيِّ فَقَالُوا: أَتَأْذَنُ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُمْ، فَمَرْحَبًا بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمُوا، فَقَالَ لَهُ الرَّهْطُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَلَا تَرَى أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّا صَدَقْنَاكَ، لَمْ يُحَيُّوكَ بِتَحِيَّتِكَ الَّتِي تُحَيَّا بِهَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُحَيُّونِي بِتَحِيَّتِي؟ فَقَالُوا: إِنَّا حَيَّيْنَاكَ بِتَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَحِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ لَهُمْ: مَا يَقُولُ

صَاحِبُكُمْ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ؟ قَالَ: يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَيَقُولُ فِي مَرْيَمَ: إِنَّهَا الْعَذْرَاءُ الْبَتُولُ.
قَالَ: فَأَخَذَ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: مَا زَادَ عِيسَى وَأُمُّهُ عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ قَدْرَ هَذَا الْعُودِ، فَكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قَوْلَهُ، وَتَغَيَّرَتْ وجُوهُهُمْ.
قَالَ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: اقْرَءُوا، فَقَرَؤُوا، وَهُنَالِكَ مِنْهُمْ قِسِّيسُونَ وَرُهْبَانٌ وَسَائِرُ النَّصَارَى، فَعَرَفَتْ كُلَّ مَا قَرَأُوا، وَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُمْ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: 83] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثني أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82] الْآيَةَ.
قَالَ: " بَعَثَ النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَبَشَةِ، سَبْعَةً قِسِّيسِينَ وَخَمْسَةً رُهْبَانًا، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَسْأَلُونَهُ.
فَلَمَّا لَقَوْهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وَآمَنُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهِمْ: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83] ، فَآمَنُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَهَاجَرَ النَّجَاشِيُّ مَعَهُمْ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ "

جارٍ التحميل