وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ شَرْقِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءُ»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «الْمَوَاكِبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «هُوَ السُّلْطَانُ الْمَحْرُوسُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ» . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: 11] مِنْ ذِكْرِ «مَنْ» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: 10] وَأَنَّ
الْمُعَقِّبَاتِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، هِيَ حَرَسُهُ وَجَلَاوِزَتُهُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: 11] أَقْرَبُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: 10] مِنْهُ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ، فَهِيَ لِقُرْبِهَا مِنْهُ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ هَذَا مَعَ دَلَالَةِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: 11] عَلَى أَنَّهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَكَرَ قَوْمًا أَهْلَ مَعْصِيَةٍ لَهُ وَأَهْلَ رِيبَةٍ، يَسْتَخْفُونَ بِاللَّيْلِ وَيَظْهَرُونَ بِالنَّهَارِ، وَيَمْتَنِعُونَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ بِحَرَسٍ يَحْرُسُهُمْ، وَمَنَعَةٍ تَمْنَعُهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَأْتُونَ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذَا أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا لَمْ يَنْفَعُهُمْ حَرَسُهُمْ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ حِفْظُهُمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَرْفِ عَلَى نَحْوِ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: 11] فَمَنْ قَالَ: الْمُعَقِّبَاتُ هِيَ الْمَلَائِكَةُ قَالَ: الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ هُمْ أَيْضًا الْمَلَائِكَةُ، وَمَنْ قَالَ: الْمُعَقِّبَاتُ هِيَ الْحَرَسُ وَالْجَلَاوِزَةُ مِنْ بَنِي آدَمَ، قَالَ: الَّذِينَ
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ هُمْ أُولَئِكَ الْحَرَسُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 43] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حِفْظُهُمْ إِيَّاهُ مِنْ أَمْرِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بِأَمْرِ اللَّهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَوَجْهُ قَوْلِهِ: (بِأَمْرِ اللَّهِ) إِلَى مَعْنَى أَنَّ حِفْظَهَا إِيَّاهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] يَقُولُ: بِإِذْنِ اللَّهِ، فَالْمُعَقِّبَاتُ: هِيَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: " الْمَلَائِكَةُ: الْحَفَظَةُ، وَحِفْظُهُمْ إِيَّاهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: ثني عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «الْحَفَظَةُ هُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»
قَالَ: ثنا عَلِيُّ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الرعد: 11] رُقَبَاءُ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: 11] مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ [الرعد: 11] "
قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْجَارُودِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الرعد: 11] رَقِيبٌ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: 11] "
حَدَّثني الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «الْحَفَظَةُ» ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] : أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ (بِأَمْرِ اللَّهِ) "
حَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ،
عَنْ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» ذِكْرُ مَنْ قَالَ: تَحْفَظُهُ الْحَرَسُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
حَدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] يَعْنِي: " وَلِيُّ السُّلْطَانِ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَرَسُ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِي، فَإِنِّي إِذَا أَرَدْتُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ "
حَدَّثني أَبُو هُرَيْرَةَ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ شَرْقِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: الْجَلَاوِزَةُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَأَمْرُ اللَّهِ الْجِنُّ، وَمَنْ يَبْغِي أَذَاهُ وَمَكْرُوهُهُ قَبْلَ مَجِيءِ قَضَاءِ اللَّهِ، فَإِذَا جَاءَ قَضَاؤُهُ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثني أَبُو هُرَيْرَةَ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: " ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: مِنَ الْجِنِّ "
حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا يُحَدِّثُ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يَحْفَظُهُ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْهُمْ شَيْءٌ يَأْتِيِهِ يُرِيدُهُ إِلَّا قَالَ: وَرَاءَكَ، إِلَّا شَيْئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فَيُصِيبُهُ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، قَالَ: «لَوْ تَجَلَّى لِابْنِ آدَمَ كُلُّ سَهْلٍ وَحَزَنٍ، لَرَأَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيَاطِينَ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ، وَمَشْرَبِكُمْ، وَعَوْرَاتِكُمْ، إِذَنْ لَتُخُطِّفْتُمْ»
حَدَّثني يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ مُرَادِ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ: احْتَرِسْ، فَإِنَّ نَاسًا مِنْ مُرَادِ يُرِيدُونَ قَتْلَكَ فَقَالَ: «إِنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: «مَا مِنْ آدَمَيٍّ إِلَّا وَمَعَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يَذُودُ عَنْهُ حَتَّى يُسْلِمَهُ لِلَّذِي قُدِّرَ لَهُ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] قَالَ: «يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ» . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي ابْنَ جُرَيْجٍ بِقَوْلِهِ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلَةَ بِابْنِ آدَمَ، بِحِفْظِ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، وَهِيَ الْمُعَقِّبَاتُ عِنْدَنَا، تَحْفَظُ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَسَنَاتَهُ وَسَيِّئَاتَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 43] أَنَّ الْحَفَظَةَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أَوْ تَحْفَظُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ [الرعد: 11] وُحِّدَتْ وَذُكِّرَتْ، وَهِيَ مُرَادٌ بِهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ ذِكْرِ مَنِ الَّذِي هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ، أُقِيمَ ذِكْرُهُ مَقَامَ الْخَبَرِ عَنْ سَيِّئَاتِهِ وَحَسَنَاتِهِ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا
حَدَّثني يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 10] قَالَ: أَتَى عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَامِرٌ: مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ أَنَا اتَّبَعْتُكُ؟ قَالَ: «أَنْتَ فَارِسٌ، أُعْطِيكَ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ» قَالَ: لَا قَالَ: «فَمَا تَبْغِي؟» قَالَ: لِيَ الشَّرْقُ وَلَكَ الْغَرْبُ، قَالَ: «لَا» قَالَ: فَلِيَ الْوَبَرُ وَلَكَ الْمَدَرُ قَالَ: «لَا» قَالَ: لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ إِذًا خَيْلًا وَرِجَالًا، قَالَ: «يَمْنَعُكَ اللَّهُ ذَاكَ وَأَبْنَاءُ قِيلَةَ» يُرِيدُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ قَالَ: فَخَرَجَا، فَقَالَ عَامِرٌ لِأَرْبَدَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَنَا لَمُمْكِنًا، لَوْ قَتَلْنَاهُ مَا انْتَطَحَتْ فِيهِ عَنْزَانِ، وَلَرَضُوا بِأَنْ نَعْقِلَهُ لَهُمْ، وَأَحَبُّوا السِّلْمَ، وَكَرِهُوا الْحَرْبَ إِذَا رَأَوْا أَمْرًا قَدْ وَقَعَ، فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ شِئْتَ، فَتَشَاوَرَا، وَقَالَ: ارْجِعْ وَأَنَا أَشْغَلُهُ عَنْكَ بِالْمُجَادَلَةِ، وَكُنْ وَرَاءَهُ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَكَانَا كَذَلِكَ، وَاحِدٌ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْآخَرُ قَالَ: اقْصُصْ عَلَيْنَا قَصَصَكَ، قَالَ: مَا يَقُولُ قُرْآنُكَ؟ فَجَعَلَ يُجَادِلُهُ وَيَسْتَبْطِئُهُ حَتَّى قَالَ: مَالَكَ، أَحْشَمْتَ؟ قَالَ: وَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَائِمِ سَيْفِي فَيَبَسَتْ، فَمَا قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أُحْلَى وَلَا أُمِرَّ وَلَا أُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَخَرَجَا فَلَمَّا كَانَا بِالْحَرَّةِ سَمِعَ بِذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَخَرَجَا إِلَيْهِمَا، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَأْمَتُهُ وَرُمْحُهُ بِيَدِهِ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَا لِعَامِرِ بْنِ
الطُّفَيْلِ: يَا أَعْوَرُ، يَا خَبِيثُ، يَا أَمْلَخُ، أَنْتَ الَّذِي تَشْتَرِطُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ لَوْلَا أَنَّكَ فِي أَمَانٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رُمْتَ الْمَنْزِلَ حَتَّى ضَرَبْتُ عُنُقَكَ، وَلَكِنْ لَا تَسْتَبْقِيَنَّ وَكَانَ أَشَدُّ الرَّجُلَيْنِ عَلَيْهِ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا لَمْ يَفْعَلْ بِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ لِأَرْبَدَ: اخْرُجْ أَنْتَ يَا أَرْبَدُ إِلَى نَاحِيَةِ عَذْبَةَ، وَأَخْرُجُ أَنَا إِلَى نَجْدٍ، فَنَجْمَعُ الرِّجَالَ فَنَلْتَقِي عَلَيْهِ فَخَرَجَ أَرْبَدُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّقْمِ بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً مِنَ الصَّيْفِ فِيهَا صَاعِقَةٌ فَأَحْرَقَتْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ عَامِرٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الْجَرِيرُ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الطَّاعُونَ، فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا آلَ عَامِرٍ، أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبِكْرِ تَقْتُلُنِي، يَا آلَ عَامِرٍ أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبِكْرِ تَقْتُلُنِي، وَمَوْتٌ أَيْضًا فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ قَيْسٍ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: 10] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ [الرعد: 11] تِلْكَ الْمُعَقِّبَاتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَقِّبَاتٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، تِلْكَ الْمُعَقِّبَاتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ لِهَذَيْنِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] فَقَرَأَ حَتَّى
بَلَغَ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: 13] الْآيَةَ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: 14] . قَالَ: وَقَالَ لَبِيدٌ فِي أَخِيهِ أَرْبَدَ، وَهُوَ يَبْكِيهِ: [البحر المنسرح]
أَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الْحُتُوفَ ... وَلَا أَرْهَبُ نَوْءَ السِّمَاكِ وَالْأَسَدِ فَجَّعَنِي الرَّعْدُ وَالصَّوَاعِقُ بِالْـ ... ــفَارِسِ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ النَّجُدِ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ مَعَ خِلَافِهِ أَقْوَالَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: 11] مِنْ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَجْرِ لَهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَا فِي الَّتِي قَبْلَ الْأُخْرَى ذِكْرٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7] ، ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: 11] فَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ بَعِيدٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَوْنُهَا عَائِدَةٌ عَلَى «مَنْ» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: 10] أَقْرَبُ، لِأَنَّهُ قَبْلَهَا وَالْخَبَرُ بَعْدَهَا عَنْهُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ
الْكَلَامِ: سَوَاءٌ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِفِسْقِهِ وَرِيبَتِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَسَارِبٌ: يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ مُمْتَنِعًا بِجُنْدِهِ وَحَرَسِهِ الَّذِينَ يَتَعَقَّبُونَهُ مِنْ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يُقِيمُوا حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11]
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ عَافِيَةٍ وَنِعْمَةٍ فَيُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَيُهْلِكَهُمْ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ بِظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَاعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَتَحِلَّ بِهِمْ حِينَئِذٍ عُقُوبَتُهُ وَتَغْيِيرُهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: 11] يَقُولُ: وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَخْفُونَ بِاللَّيْلِ وَيَسْرَبُونَ بِالنَّهَارِ، لَهُمْ جُنْدٌ وَمَنَعَةٌ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ هَلَاكًا وَخِزْيًا فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: 11] يَقُولُ: فَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ عَنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرُ
اللَّهِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: 11] يَقُولُ: وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي «لَهُمْ» مِنْ ذِكْرِ الْقَوْمِ الَّذِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ [الرعد: 11] مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَالٍ، يَعْنِي: مِنْ وَالٍ يَلِيهِمْ وَيْلِي أَمَرَهُمْ وَعُقَوبَتَهُمْ،
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ: السُّوءُ: الْهَلَكَةُ، وَيَقُولُ: كُلُّ جُذَامٍ، وَبَرَصٍ، وَعَمًى، وَبَلَاءٍ عَظِيمٍ، فَهُوَ سُوءٌ، مَضْمُومُ الْأَوَّلِ، وَإِذَا فُتِحَ أَوَّلُهُ فَهُوَ مَصْدَرُ سُؤْتَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلُ سَوْءٍ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 10] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: 10] وَمَنْ هُوَ ظَاهَرٌ بِاللَّيْلِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا أَظْهَرْتَهُ، وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
[البحر الوافر]
فَإِنْ تَكْتُمُوا الدَّاءَ لَا نَخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الْحَرْبَ لَا نَقْعُدِ
وَقَالَ: وَقَدْ قُرِئَ (أَكَادُ أَخْفِيهَا) بِمَعْنَى: أُظْهِرُهَا، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 10] السَّارِبُ: هُوَ الْمُتَوَارِي كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ صَارَ فِي السَّرَبِ بِالنَّهَارِ مُسْتَخْفِيًا.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: إِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ: أَيْ مُسْتَتِرٌ بِاللَّيْلِ مِنَ الِاسْتِخْفَاءِ، وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ: وَذَاهِبٌ بِالنَّهَارِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: سَرَبَتِ الْإِبِلُ إِلَى الْمَرَاعِي، وَذَلِكَ ذَهَابُهَا إِلَى الْمَرَاعِي وَخُرُوجُهَا إِلَيْهَا وَقِيلَ: إِنَّ السُّرُوبَ بِالْعَشِيِّ وَالسُّرُوحَ بِالْغَدَاةِ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي تَأْنِيثِ مُعَقِّبَاتٌ، وَهِيَ صِفَةٌ لِغَيْرِ الْإِنَاثِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّمَا أُنِّثَتْ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهَا، نَحْوَ: نَسَّابَةُ وَعَلَّامَةٌ، ثُمَّ ذُكِّرَ لِأَنَّ الْمَعْنَى مُذَكَّرٌ، فَقَالَ: يَحْفَظُونَهُ،
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: إِنَّمَا هِيَ مَلَائِكَةٌ مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ جُمِعَتْ مُعَقِّبَاتٌ، فَهُوَ جَمْعُ جَمْعٍ، ثُمَّ قِيلَ: يَحْفَظُونَهُ، لِأَنَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُنَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِبِ بِالنَّهَارِ وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ فِي ذَلِكَ فَقَوْلٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَجْهٌ خِلَافٌ لِقَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَحَسَبُهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِهِ خُرُوجُهُ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ، وَأَمَّا الْمُعَقِّبَاتُ، فَإِنَّ التَّعْقِيبَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعَوْدُ بَعْدَ الْبَدْءِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الشَّيْءِ بَعْدَ الِانْصِرَافِ عَنْهُ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: 10] : أَيْ لَمْ يَرْجِعْ، وَكَمَا قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: [البحر البسيط] وَكَرُّنَا الْخَيْلَ فِي آثَارِهِمْ رُجُعًا ... كُسَّ السَّنَابِكِ مِنْ بَدْءٍ وَتَعْقِيبِ يَعْنِي: فِي غَزْو ثَانٍ عَقَّبُوا، وَكَمَا قَالَ طَرَفَةُ: [البحر الرمل] وَلَقَدْ كُنْتُ عَلَيْكُمْ عَاتِبًا ... فَعَقَبْتُمْ بِذُنُوبٍ غَيْرِ مُرِّ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: عَقَبْتُمْ: رَجَعْتُمْ، وَأَتَاهَا التَّأْنِيثُ عِنْدَنَا، وَهِيَ مِنْ صِفَةِ الْحَرَسِ الَّذِي يَحْرُسُونَ الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِبِ بِالنَّهَارِ، لِأَنَّهُ عُنِيَ بِهَا حَرَسٌ مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ جُمِعَتِ الْمُعَقِّبَةُ، فَقِيلَ: مُعَقِّبَاتٌ، فَذَلِكَ جَمْعُ جَمْعِ الْمُعَقِّبِ، وَالْمُعَقِّبُ: وَاحِدُ الْمُعَقِّبَةِ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ: [البحر الكامل]
حَتَّى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاحِ وَهَاجَهَا ... طَلَبَ الْمُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ وَالْمُعَقِّبَاتُ جَمْعُهَا، ثُمَّ قَالَ: يَحْفَظُونَهُ، فَرَدَّ الْخَبَرَ إِلَى تَذْكِيرِ الْحَرَسِ وَالْجُنْدِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَعْنَاهُ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ، وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِهِ، إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، قَالَ: وَيَكُونُ يَحْفَظُونَهُ ذَلِكَ الْحِفْظَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَبِإِذْنِهِ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَجَبْتُكَ مِنْ دُعَائِكَ
إِيَّايَ، وَبِدُعَائِكَ إِيَّايَ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَحْفَظُونَهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، كَمَا قَالُوا: أَطْعَمَنِي مِنْ جُوعٍ وَعَنْ جُوعٍ، وَكَسَانِي عَنْ عُرْيٍ وَمِنْ عُرْيٍ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] مِنْ صِفَةِ حَرَسِ هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ، وَهِيَ تَحْرُسُهُ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْهُ أَمْرَ اللَّهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ حَرَسَهُ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا إِذَا جَاءَ أَمْرُهُ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: 11]