﴿المص﴾ [الأعراف: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَنَا اللَّهُ أَفْضَلُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قِيلِهِ لِإِبْلِيسَ إِذْ عَصَاهُ فَلَمْ يَسْجُدْ لِآدَمَ إِذْ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، يَقُولُ: ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30] اللَّهُ لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ [الأعراف: 12] : أَيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] : أَنْ تَدَعَ السُّجُودَ لِآدَمَ، ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] أَنْ تَسْجُدَ.
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12] يَقُولُ: قَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ آدَمَ، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلْقَتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَخْبِرْنَا عَنْ إِبْلِيسَ، أَلْحَقَتْهُ الْمَلَامَةُ عَلَى السُّجُودِ أَمْ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ؟ فَإِنْ تَكُنْ لَحِقَتْهُ الْمَلَامَةُ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ، فَكَيْفَ قِيلَ لَهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] ، وَإِنْ كَانَ النَّكِيرُ عَلَى السُّجُودِ، فَذَلِكَ خِلَافُ مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ، وَخِلَافُ مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ.
قِيلَ: إِنَّ الْمَلَامَةَ لَمْ تَلْحَقْ إِبْلِيسَ إِلَّا عَلَى مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ بِتَرْكِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ إِذْ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِيَ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ اخْتِلَافًا أَبْدَأُ بِذِكْرِ مَا قَالُوا، ثُمَّ أَذْكُرُ الَّذِي هُوَ أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، وَ (لَا) هَهُنَا زَائِدَةٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودُ قَاتِلَهْ
وَقَالَ: فَسَّرَتْهُ الْعَرَبُ: أَبَى جُودُهُ الْبُخْلَ، وَجَعَلُوا (لَا) زَائِدَةً حَشْوًا هَهُنَا وَصَلُوا بِهَا الْكَلَامَ.
قَالَ: وَزَعَمَ يُونُسُ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يَجُرُّ (الْبُخْلَ) ، وَيَجْعَلُ (لَا) مُضَافَةً إِلَيْهِ، أَرَادَ: أَبَى جُودُهُ (لَا) الَّتِي هِيَ لِلْبُخْلِ، وَيَجْعَلُ (لَا) مُضَافَةً، لِأَنَّ (لَا) قَدْ تَكُونُ لِلْجُودِ وَالْبُخْلِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: امْنَعِ الْحَقَّ وَلَا تُعْطِ الْمِسْكِينَ، فَقَالَ (لَا) كَانَ هَذَا جُودًا مِنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ نَحْوَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ فِي مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي دُخُولِ (لَا) فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] ، أَنَّ فِيَ أَوَّلِ الْكَلَامِ جَحْدًا، يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: 11] ، فَإِنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا أَعَادُوا فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ جَحْدُ الْجَحْدِ، كَالِاسْتِيثَاقِ وَالتَّوْكِيدِ لَهُ، قَالَ: وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ:
مَا إِنْ رَأَيْنَا مِثْلَهُنَّ لِمَعْشَرٍ ... سُودِ الرُّوسِ فَوَالِجٌ وَفُيُولُ
فَأَعَادَ عَلَى الْجَحْدِ الَّذِي هُوَ (مَا) جَحْدًا، وَهُوَ قَوْلُهُ (إِنْ) فَجَمَعَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: لَيْسَتْ (لَا) بِحَشْو فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا صِلَةٍ، وَلَكِنَّ الْمَنْعَ هَهُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ.
إِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مَنْ قَالَ لَكَ لَا تَسْجُدْ إِذْ أَمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ؟ وَلَكِنْ دَخَلَ فِي الْكَلَامِ (أَنْ) إِذْ كَانَ الْمَنْعُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ لَا فِي لَفْظِهِ، كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَلَامِ الَّذِي يُضَارِعُ الْقَوْلَ، وَهُوَ لَهُ فِي اللَّفْظِ مُخَالِفٌ كَقَوْلِهِمْ: نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَوَى: (أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلِ) بِمَعْنَى: كَلِمَةِ الْبُخْلِ، لِأَنَّ (لَا) هِيَ كَلِمَةُ الْبُخْلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَلِمَةَ الْبُخْلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْمَنْعِ: الْحَوْلُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَمَا يُرِيدُهُ، قَالَ: وَالْمَمْنُوعُ مُضْطَرٌّ بِهِ إِلَى خِلَافِ مَا مُنِعَ مِنْهُ، كَالْمَمْنُوعِ مِنَ الْقِيَامِ وَهُوَ يُرِيدُهُ، فَهُوَ مُضْطَرٌّ مِنَ الْفِعْلِ إِلَى مَا كَانَ خِلَافًا لِلْقِيَامِ، إِذْ كَانَ الْمُخْتَارُ لِلْفِعْلِ هُوَ الَّذِي لَهُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ وَإِلَى خِلَافِهِ، فَيُؤْثِرُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَفْعَلُهُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ صِفَةُ الْمَنْعِ ذَلِكَ، فَخُوطِبَ إِبْلِيسُ بِالْمَنْعِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] كَانَ مَعْنَاهُ: كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ اضْطَرَّكَ إِلَى أَنْ لَا تَسْجُدَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا قَدْ كَفَى دَلِيلُ الظَّاهِرِ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ فَأَحْوَجَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ؟ فَتَرَكَ ذِكْرَ أَحْوَجَكَ اسْتِغْنَاءً بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ.
قَوْلُهُ: {إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ
السَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11] أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ ذِكْرِهِ، ثُمَّ عَمِلَ قَوْلُهُ، ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ [الأعراف: 12] فِي أَنْ مَا كَانَ عَامِلًا فِيهِ قَبْلَ (أَحْوَجَكَ) لَوْ ظَهَرَ إِذْ كَانَ قَدْ نَابَ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا قَدْ مَضَى مِنْ دِلَالَتِنَا قَبْلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَأَنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مَعْنًى صَحِيحًا، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ (لَا) فِي الْكَلَامِ حَشْوٌ لَا مَعْنَى لَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْمَنْعِ هَهُنَا: الْقَوْلُ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ (لَا) مَعَ (أَنْ) ، فَإِنَّ الْمَنْعَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ قَوْلًا وَفِعْلًا، فَلَيْسَ الْمَعْرُوفُ فِي النَّاسِ اسْتِعْمَالَ الْمَنْعِ فِي الْأَمْرِ بِتَرْكِ الشَّيْءِ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَفَعَلَهُ لَا يُقَالُ فَعَلَهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِهِ إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ لِلْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْفِعْلِ حَوَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَغَيْرُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَهُوَ مَحُولٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَاعِلًا لَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ جَازَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحُولًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لَا مَحُولًا وَمَمْنُوعًا لَا مَمْنُوعًا وَبَعْدُ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَأْتَمِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالسُّجُودِ لِآدَمَ كِبْرًا، فَكَيْفَ كَانَ يَأْتَمِرُ لِغَيْرِهِ فِي تَرْكِ أَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِآدَمَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ لَا تَسْجُدْ لِآدَمَ إِذْ أَمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ لَهُ؟ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا قُلْتُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، فَأَحْوَجَكَ، أَوْ فَأَخْرَجَكَ، أَوْ فَاضْطَرَّكَ إِلَى أَنْ لَا تَسْجُدَ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنْتُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ
اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ جَوَابِ إِبْلِيسَ إِيَّاهُ إِذْ سَأَلَهُ: مَا الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، فَأَحْوَجَهُ إِلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ لَهُ، وَاضْطَرَّهُ إِلَى خِلَافِهِ أَمْرَهُ بِهِ وَتَرْكِهِ طَاعَتَهُ، أَنَّ الْمَانِعَ كَانَ لَهُ مِنَ السُّجُودِ وَالدَّاعِي لَهُ إِلَى خِلَافِهِ أَمْرَ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَشَدُّ مِنْهُ أَيْدًا، وَأَقْوَى مِنْهُ قُوَّةً، وَأَفْضَلُ مِنْهُ فَضْلًا، لِفَضْلِ الْجِنْسِ الَّذِي مِنْهُ خُلِقَ وَهُوَ النَّارُ، مِنَ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ وَهُوَ الطِّينُ، فَجَهَلَ عَدُوُّ اللَّهِ وَجْهَ الْحَقِّ، وَأَخْطَأَ سَبِيلَ الصَّوَابِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مِنَ جَوْهَرِ النَّارِ: الْخِفَّةَ وَالطَّيْشَ وَالِاضْطِرَابَ وَالِارْتِفَاعَ عُلُوًّا، وَالَّذِي فِي جَوْهَرِهَا مِنْ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْخَبِيثَ بَعْدَ الشَّقَاءِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ السَّابِقِ عَلَى الِاسْتِكْبَارِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَالِاسْتِخْفَافِ بِأَمْرِ رَبِّهِ، فَأَوْرَثَهُ الْعَطَبَ وَالْهَلَاكَ، وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مِنَ جَوْهَرِ الطِّينِ: الرَّزَانَةَ وَالْأَنَاةَ وَالْحِلْمَ وَالْحَيَاءَ وَالتَّثَبُّتَ، وَذَلِكَ الَّذِي فِي جَوْهَرِهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ الدَّاعِي لِآدَمَ بَعْدَ السَّعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْ رَبِّهِ فِي الْكِتَابِ السَّابِقِ إِلَى التَّوْبَةِ مِنْ خَطِيئَتِهِ، وَمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ الْعَفْوَ عَنْهُ وَالْمَغْفِرَةَ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَقُولَانِ: «أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسَ» ، يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ: الْقِيَاسَ الْخَطَأَ، وَهُوَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ خَطَأِ قَوْلِهِ وَبُعْدِهِ مِنْ إِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْفَضْلِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ آدَمَ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ مِنْ خَلْقِهِ إِيَّاهُ بِيَدِهِ، وَنَفْخِهِ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَإِسْجَادِهِ لَهُ الْمَلَائِكَةَ، وَتَعْلِيمِهِ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ سَائِرِ مَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَضَرَبَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الْجَاهِلُ صَفْحًا، وَقَصَدَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ وَخَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا لَهُ غَيْرُ كُفْءٍ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ تَكْرِمَةً شَيْءٌ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ وَالَّذِي خَصَّ
بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ يَكْثُرُ تِعْدَادُهُ وَيُمَلُّ إِحْصَاؤُهُ؟
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ، وَمَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] قَالَ: «قَاسَ إِبْلِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ» وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْلِيسَ خَاصَّةً دُونَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَوَاتِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ، لِمَا كَانَ حَدَّثَ نَفْسَهُ مِنْ كِبْرِهِ وَاغْتِرَارِهِ، فَقَالَ: لَا أَسْجُدُ لَهُ وَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَكْبَرُ سِنًّا، وَأَقْوَى خَلْقًا، خَلَقْتَنِي مِنْ
نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
يَقُولُ: إِنَّ النَّارَ أَقْوَى مِنَ الطِّينِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: 12] قَالَ: «ثُمَّ جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ مَاءٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَدُوُّ اللَّهِ لَيْسَ لِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ بِجَوَابٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ؟ فَلَمْ يُجِبْ بِأَنَّ الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ: أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، وَلَكِنَّهُ ابْتَدَأَ خَبَرًا عَنْ نَفْسِهِ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَوْضِعِ الْجَوَابِ، فَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 13] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ اللَّهُ لِإِبْلِيسَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 13] ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْهُبُوطَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: 13] ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:
فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: اهْبِطْ مِنْهَا يَعْنِي: مِنَ الْجَنَّةِ فَمَا يَكُونُ لَكَ، يَقُولُ: فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَسْتَكْبِرَ فِي الْجَنَّةِ عَنْ طَاعَتِي وَأَمْرِي.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَلْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَكَبَّرَ فِي الْجَنَّةِ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: فَاهْبِطْ مِنَ الْجَنَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْكُنُ الْجَنَّةَ مُتَكَبِّرٌ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَأَمَّا غَيْرُهَا فَإِنَّهُ قَدْ يَسْكُنُهَا الْمُسْتَكْبِرُ
عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَالْمُسْتَكِينُ لِطَاعَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 13] ، يَقُولُ: فَاخْرُجْ مِنَ الْجَنَّةِ إِنَّكَ مِنَ الَّذِينَ قَدْ نَالَهُمْ مِنَ اللَّهِ الصَّغَارُ وَالذُّلُّ وَالْمَهَانَةُ، يُقَالُ مِنْهُ: صَغِرَ يَصْغُرُ صَغَرًا وَصَغَارًا وَصَغْرَانًا، وَقَدْ قِيلَ: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغَارًا وَصَغَارَةً.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا قَالَ السُّدِّيُّ
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 13] " وَالصَّغَارُ: هُوَ الذُّلُّ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ وَهَذِهِ أَيْضًا جَهْلَةٌ أُخْرَى مِنْ جَهَلَاتِهِ الْخَبِيثَةِ، سَأَلَ رَبَّهُ مَا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّظِرَةَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ هُوَ يَوْمُ يُبْعَثُ فِيهِ الْخَلْقُ، وَلَوْ أُعْطِيَ مَا سَأَلَ
مِنَ النَّظِرَةِ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ الْخُلُودَ وَبَقَاءً لَا فَنَاءَ مَعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَوْتَ بَعْدَ الْبَعْثِ.
فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ، وَذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي قَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكَ وَالْمَوْتَ وَالْفَنَاءَ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ يَبْقَى فَلَا يَفْنَى غَيْرَ رَبِّنَا الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] ، وَالْإِنْظَارُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: التَّأْخِيرُ، يُقَالُ مِنْهُ: أَنْظَرْتُهُ بِحَقِّي عَلَيْهِ، أَنْظَرَهُ بِهِ إِنْظَارًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لَهُ إِذْ سَأَلَهُ الْإِنْظَارَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: 15] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَدْ أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ مُجِيبًا لَهُ إِلَى مَا سَأَلَ لَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي سَأَلْتَ، أَوْ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، أَوْ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى إِجَابَتَهِ إِلَى مَا سَأَلَ مِنَ النَّظِرَةِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: 15] فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لَوْلَا الْآيَةُ الْأُخْرَى الَّتِي قَدْ بَيَّنَ فِيهَا مُدَّةَ إِنْظَارِهِ إِيَّاهُ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: 38] عَلَى الْمُدَّةِ الَّتِي أَنْظَرَهُ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ إِذَا أَنْظَرَهُ يَوْمًا وَاحِدًا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، فَقَدْ دَخَلَ فِي عِدَادِ الْمُنْظَرِينَ
وَتَمَّ فِيهِ وَعْدُ اللَّهِ الصَّادِقُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ قَدْرَ مُدَّةِ ذَلِكَ بِالَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ الْوَقْتَ الَّذِي أُنْظِرَ إِلَيْهِ.
وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: 37] «فَلَمْ يُنْظِرْهُ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، وَلَكِنْ أَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَهُوَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الْأُولَى، فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، فَمَاتَ» فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ: أَنْظِرْنِي، أَيْ أَخِّرْنِي وَأَجِّلْنِي،
وَأَنْسِئْ فِي أَجْلِي، وَلَا تُمِتْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، يَقُولُ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ الْخَلْقِ.
فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: 15] إِلَى يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ أَحَدٌ مُنْظَرٌ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ سِوَى إِبْلِيسَ، فَيُقَالُ لَهُ إِنَّكَ مِنْهُمْ؟ قِيلَ: نَعَمْ، مَنْ لَمْ يَقْبِضِ اللَّهُ رُوحَهُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ مِمَّنْ تَقُومُ عَلَيْهِ السَّاعَةُ، فَهُمْ مِنَ الْمُنْظَرِينَ بِآجَالِهِمْ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِإِبْلِيسَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: 15] بِمَعْنَى: إِنَّكَ مِمَّنْ لَا يُمِيتُهُ اللَّهُ إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: 16] يَقُولُ: فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي
كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: 16] يَقُولُ: «أَضْلَلْتَنِي»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: 16] قَالَ: «فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي» وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: 16] : بِمَا أَهْلَكْتَنِي، مِنْ قَوْلِهِمْ:
غَوِيَ الْفَصِيلُ يَغْوَى غَوًى، وَذَلِكَ إِذَا فَقَدَ اللَّبَنَ فَمَاتَ، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
مُعَطَّفَةُ الْأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَا ... بِرَازِئِهَا دَرًّا وَلَا مَيِّتٍ غَوًى
وَأَصْلُ الْإِغْوَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَزْيِينُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ الشَّيْءَ حَتَّى يُحَسِّنَهُ عِنْدَهُ غَارًّا لَهُ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ قَبَائِلِ طَيِّئٍ أَنَّهَا تَقُولُ: أَصْبَحَ فُلَانٌ غَاوِيًا: أَيْ أَصْبَحَ مَرِيضًا.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْقَسَمِ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ: فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، كَمَا يُقَالُ: بِاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُجَازَاةِ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ: فَلِأَنَّكَ أَغْوَيْتَنِي، أَوْ فَبِأَنَّكَ أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ.
وَفِي هَذَا بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى فَسَادِ مَا يَقُولُ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَفَرَ أَوْ آمَنَ فَبِتَفْوِيضِ اللَّهِ أَسْبَابَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ يَصِلُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الْإِيمَانِ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ يَصِلُ الْكَافِرُ إِلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَكَانَ الْخَبِيثُ قَدْ قَالَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: 16] فَبِمَا أَصْلَحْتَنِي، إِذْ كَانَ سَبَبُ الْإِغْوَاءِ هُوَ سَبَبَ الْإِصْلَاحِ، وَكَانَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الْإِغْوَاءِ إِخْبَارٌ عَنِ
الْإِصْلَاحِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ سَبَبَاهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ غَوَى وَهَلَكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: 16] . وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ
فِيمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: ثنا أَبُو مَوْدُودٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْقَدَرِيَّةَ، لَإِبْلِيسُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَأَجْلِسَنَّ لِبَنِي آدَمَ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، يَعْنِي: طَرِيقَكَ الْقَوِيمَ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الْحَقُّ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَشَرَائِعُهُ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: لَأَصُدَنَّ بَنِي آدَمَ عَنْ عِبَادَتِكَ وَطَاعَتِكَ، وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ كَمَا أَغْوَيْتَنِي، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ كَمَا أَضْلَلْتَنِي
وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ الْفَاكِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ.
ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَالْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ؟ فَعَصَاهُ وَهَاجَرَ.
ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقَ الْجِهَادِ، وَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَقَالَ: أَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلَ
فَتُنْكَحَ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ؟ قَالَ: فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ " وَرُوِيَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا حَيْوَةُ أَبُو يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] قَالَ: «طَرِيقَ مَكَّةَ» وَالَّذِي قَالَهُ عَوْنٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ فَلَيْسَ هُوَ الصِّرَاطَ كُلَّهُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَّهُ يَقْعُدُ لَهُمْ صِرَاطَ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمَ وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، فَالَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَأَوْلَى بِالتَّأْوِيلِ، لِأَنَّ الْخَبِيثَ لَا يَأْلُو عِبَادَ اللَّهِ الصَّدَّ عَنْ كُلِّ مَا كَانَ لَهُمْ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسْتَقِيمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] قَالَ: «الْحَقَّ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] قَالَ: «سَبِيلَ الْحَقِّ، فَلَأُضِلَّنَّهُمْ إِلَّا قَلِيلًا» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَاهُ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، كَمَا يُقَالُ: تَوَجَّهَ مَكَّةَ: أَيْ إِلَى مَكَّةَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
كَأَنِّيَ إِذْ أَسْعَى لِأَظْفَرَ طَائِرًا ... مَعَ النَّجْمِ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
بِمَعْنَى: لِأَظْفَرَ بِطَائِرٍ، فَأَلْقَى الْبَاءَ، وَكَمَا قَالَ: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 150] بِمَعْنَى: أَعَجِلْتُمْ عَنْ أَمْرِ رَبِّكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِمْ، وَفِي طَرِيقِهِمْ، قَالَ: وَإِلْقَاءُ الصِّفَةِ مِنْ هَذَا جَائِزٌ، كَمَا تَقُولُ: قَعَدْتُ لَكَ وَجْهَ الطَّرِيقِ، وَعَلَى وَجْهِ الطَّرِيقِ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ مَا يَحْتَمِلُهُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ وَالْعَامُ، إِذْ قِيلَ: آتِيكَ غَدًا، وَآتِيكَ فِي غَدٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ الْقُعُودَ مُقْتَضٍ مَكَانًا
يَقْعُدُ فِيهِ، فَكَمَا يُقَالُ: قَعَدْتُ فِي مَكَانِكَ، يُقَالُ: قَعَدْتُ عَلَى صِرَاطِكَ، وَفِي صِرَاطِكَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] لَدْنٍ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ فَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ الْبُلْدَانِ، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ: جَلَسْتُ مَكَّةَ وَقُمْتُ بَغْدَادَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ،
﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ الْبَاطِلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] يَقُولُ: «أُشَكِّكُهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ» ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] «أُرَغِّبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ» ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] " أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] «أُشَهِّي لَهُمُ الْمَعَاصِيَ» وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ خِلَافُ هَذَا التَّأْوِيلِ
وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «يَعْنِي مِنَ الدُّنْيَا» ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنَ الْآخِرَةِ» ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ» ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ سَيِّئَاتِهِمْ» وَتُحَقِّقُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الَّتِي
حَدَّثَنِي بِهَا، مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] قَالَ: " مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَمِنْ قِبَلِهِمْ، أَمَّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ فَأَمْرُ آخِرَتِهِمْ، وَأَمَّا عَنْ أَيْمَانِهِمْ: فَمِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ، وَأَمَّا عَنْ شَمَائِلِهِمْ: فَمِنْ قِبَلِ سَيِّئَاتِهِمْ "