تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 573-586

ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾

صفحات 573-586
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[النساء: 129]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] قَالَ: «تَذَرُوهَا لَا هِيَ أَيِّمٌ , وَلَا ذَاتَ زَوْجٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ , عَنْ أَشْعَثَ , عَنْ جَعْفَرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] قَالَ: «لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ , عَنْ مُبَارَكٍ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] قَالَ: «لَا مُطْلَقَةً , وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ , عَنْ عَمْرٍو , عَنِ الْحَسَنِ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] أَيْ كَالْمَحْبُوسَةِ أَوْ كَالْمَسْجُونَةِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] قَالَ: «كَالْمَسْجُونَةِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنِ الرَّبِيعِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] يَقُولُ: «لَا مُطْلَقَةً , وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثني إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا

أَبُو جَعْفَرٍ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] لَا مُطْلَقَةً , وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] قَالَ: «لَا أَيِّمًا , وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] لَيْسَتْ بَأَيِّمٍ , وَلَا ذَاتِ زَوْجٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ , وَأَبُو خَالِدٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: «لَا تَدَعْهَا كَأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] قَالَ: «لَا أَيِّمًا , وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] قَالَ: " الْمُعَلَّقَةُ: الَّتِي لَيْسَتْ بِمُخْلَاةٍ وَنَفْسَهَا فَتَبْتَغِي لَهَا , وَلَيْسَتْ مُتَهَيِّئَةً كَهَيْئَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا , لَا هِيَ عِنْدَ زَوْجِهَا وَلَا مُفَارَقَةً فَتَبْتَغِي لِنَفْسِهَا , فَتِلْكَ الْمُعَلَّقَةُ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] الرِّجَالَ بِالْعَدْلِ بَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ فِيمَا اسْتَطَاعُوا فِيهِ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ مِنَ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُنَّ وَالنَّفَقَةِ , وَتَرْكِ الْجَوْرِ فِي ذَلِكَ بِإِيثَارِ إِحْدَاهُنَّ عَلَى الْأُخْرَى فِيمَا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْعَدْلُ بَيْنَهُنَّ فِيهِ , إِذْ كَانَ قَدْ صَفَحَ لَهُمْ عَمَّا لَا يُطِيقُونَ الْعَدْلَ فِيهِ بَيْنَهُنَّ , مِمَّا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْهَوَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 129] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنْ تُصْلِحُوا أَعْمَالَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ , فَتَعْدِلُوا فِي قَسْمِكُمْ بَيْنَ أَزْوَاجِكُمْ وَمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ , فَلَا تَجُورُوا فِي ذَلِكَ.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: 224] يَقُولُ: " وَتَتَّقُوا اللَّهَ

فِي الْمَيْلِ الَّذِي نَهَاكُمْ عَنْهُ , بِأَنْ تَمِيلُوا لِإِحْدَاهُنَّ عَلَى الْأُخْرَى , فَتَظْلِمُوهَا حَقَّهَا مِمَّا أَوْجَبَهَا اللَّهُ لَهُ عَلَيْكُمْ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ [النساء: 129] يَقُولُ: " فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلَيْكُمْ مَا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ مَيْلِكُمْ وَجَوْرِكُمْ عَلَيْهِنَّ قَبْلَ ذَلِكَ بِتَرْكِهِ عُقُوبَتَكُمْ عَلَيْهِ , وَيُغَطِّي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ بِعَفْوِهِ عَنْكُمْ مَا مَضَى مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ قَبْلُ ﴿رَحِيمًا﴾ [النساء: 16] يَقُولُ: " وَكَانَ رَحِيمًا بِكُمْ إِذَا تَابَ عَلَيْكُمْ , فَقَبِلَ تَوْبَتَكُمُ الَّذِي سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ

جَوْرِكُمْ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ , وَفِي تَرْخِيصِهِ لَكُمُ الصُّلْحَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ , بِصَفْحِهِنَّ عَنْ حُقُوقِهِنَّ لَكُمْ مِنَ الْقَسْمِ عَلَى أَنْ يُطَلَّقْنَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كَلَا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 130] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنْ أَبَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي قَدْ نَشَزَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا , أَوْ أَعْرَضَ عَنْهَا بِالْمَيْلِ مِنْهُ إِلَى ضَرَّتِهَا لِجَمَالِهَا أَوْ شَبَابِهَا , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَمِيلُ النُّفُوسُ بِهِ إِلَيْهَا الصُّلْحُ , لِصَفْحِهَا

لِزَوْجِهَا عَنْ يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا , وَطَلَبَتْ حَقَّهَا مِنْهُ مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهَا عَلَيْهِ , وَأَبَى الزَّوْجُ الْأَخْذَ عَلَيْهَا بِالْإِحْسَانِ الَّذِي نَدَبَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 128] وَإِلْحَاقُهَا فِي الْقَسْمِ لَهَا وَالنَّفَقَةِ وَالْعِشْرَةِ بِالَّتِي هُوَ إِلَيْهَا مَائِلٌ , فَتَفَرَّقَا بِطَلَاقِ الزَّوَاجِ إِيَّاهَا ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] يَقُولُ: " يُغْنِ اللَّهُ الزَّوْجَ وَالْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ مِنْ سَعَةِ فَضْلِهِ , أَمَّا هَذِهِ فَبِزَوْجٍ هُوَ أَصْلَحُ لَهَا مِنَ الْمُطَلِّقِ الْأَوَّلِ , أَوْ بِرِزْقٍ وَاسِعٍ وَعِصْمَةٍ؛ وَأَمَّا هَذَا فَبِرِزْقٍ وَاسِعٍ وَزَوْجَةٍ هِيَ أَصْلَحُ لَهُ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ أَوْ عِفَّةٍ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: 130] يَعْنِي: وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا لَهُمَا فِي رِزْقِهِ إِيَّاهُمَا وَغَيْرَهُمَا مِنْ خَلْقِهِ.
﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: 11] فِيمَا قَضَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنَ الْفُرْقَةِ وَالطَّلَاقِ , وَسَائِرِ الْمَعَانِي الَّتِي عَرَفْنَاهَا مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَغَيْرِهَا وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَقَضَايَاهُ فِي خَلْقِهِ.

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] قَالَ: «الطَّلَاقُ يُغْنِي اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلِلَّهِ مُلْكُ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ

السَّبْعُ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِعَقِبِ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] تَنْبِيهًا مِنْهُ خَلْقَهُ عَلَى مَوْضِعِ الرَّغْبَةِ عِنْدَ فِرَاقِ أَحَدِهِمْ زَوْجَتَهُ , لِيَفْزَعُوا إِلَيْهِ عِنْدَ الْجَزَعِ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَالْوَحْشَةِ بِفِرَاقِ سَكَنِهِ وَزَوْجَتِهِ , وَتَذْكِيرًا مِنْهُ لَهُ أَنَّهُ الَّذِي لَهُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا وَأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَغَيْرُ مُتَعَذَّرٍ عَلَيْهِ أَنْ يُغْنِيَهُ , وَكُلُّ ذِي فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ , وَيُؤْنِسَ كُلَّ ذِي وَحْشَةً.
ثُمَّ رَجَعَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى عَذْلِ مَنْ سَعَى فِي أَمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ وَتَوْبِيخِهِمْ وَوَعِيدِ مَنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمْ فَقَالَ: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ

وَإِيَّاكُمْ} [النساء: 131] يَقُولُ: وَلَقَدْ أَمَرْنَا أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَإِيَّاكُمْ , يَقُولُ: وَأَمَرْنَاكُمْ وَقُلْنَا لَكُمْ وَلَهُمْ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 278] يَقُولُ: احْذَرُوا أَنْ تَعْصَوْهُ وَتُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ , ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ [النساء: 131] يَقُولُ: وَإِنْ تَجْحَدُوا وَصِيَّتَهُ إِيَّاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَتُخَالِفُوهَا ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يَقُولُ: فَإِنَّكُمْ لَا تَضُرُّونُ بِخِلَافِكُمْ وَصِيَّتَهُ غَيْرَ أَنْفُسِكُمْ , وَلَا تَعْدُونَ فِي كُفْرِكُمْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي نُزُولِ عُقُوبَتِهِ بِكُمْ وَحُلُولِ غَضَبِهِ عَلَيْكُمْ كَمَا حَلَّ بِهِمْ , إِذْ بَدَّلُوا عَهْدَهُ وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ , فَغَيَّرَ بِهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ خَفْضِ الْعَيْشِ وَأَمْنِ السِّرْبِ , وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ مُلْكَ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ بِجَمِيعِهِ وَبِشَيْءٍ مِنْهُ مِنْ إِعْزَازِ مَنْ أَرَادَ إِعْزَازَهُ وَإِذْلَالِ مَنْ أَرَادَ إِذْلَالَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا , لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ بِهِمْ إِلَيْهِ الْفَاقَةُ وَالْحَاجَةُ , وَبِهِ قَوَامُهُمْ وَبَقَاؤُهُمْ وَهَلَاكُهُمْ وَفَنَاؤُهُمْ , وَهُوَ الْغَنِيُّ الَّذِي لَا حَاجَةَ تَحِلُّ بِهِ إِلَى شَيْءٍ وَلَا فَاقَةَ تَنْزِلِ بِهِ تَضْطَرُّهُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَلَا إِلَى غَيْرِكُمْ , وَالْحَمِيدُ الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْخَلْقُ الْحَمْدَ بِصَنَائِعِهِ الْحَمِيدَةِ إِلَيْكُمْ وَآلَائِهِ الْجَمِيلَةِ لَدَيْكُمْ , فَاسْتَدِيمُوا ذَلِكَ أَيُّهَا النَّاسُ بِاتِّقَائِهِ , وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفٌ , عَنْ أَبِي رَوْقٍ , عَنْ عَلِيٍّ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131] قَالَ: " غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ

﴿حَمِيدًا﴾ [النساء: 131] قَالَ: «مُسْتَحْمِدًا إِلَيْهِمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلِلَّهِ مُلْكُ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ , وَهُوَ الْقَيِّمُ بِجَمِيعِهِ , وَالْحَافِظُ لِذَلِكَ كُلِّهِ , لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ , وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُ وَتَدْبِيرُهُ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا هِشَامٌ , عَنْ عَمْرٍو , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81] قَالَ: «حَفِيظًا» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ تَكْرَارِ قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فِي آيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي إِثْرِ الْأُخْرَى؟ قِيلَ: كَرَّرَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ عَمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الْآيَتَيْنِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْهُ فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ ذَكَرَ حَاجَتَهُ إِلَى بَارِئِهِ وَغِنَى بَارِئِهِ عَنْهُ , وَفِي الْأُخْرَى حِفْظَ بَارِئِهِ إِيَّاهُ بِهِ وَعِلْمَهُ بِهِ وَتَدْبِيرَهُ.
فَإِنْ قَالَ: أَفَلَا قِيلَ: وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا؟

قِيلَ: إِنَّ الَّذِي فِي الْآيَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: 131] مِمَّا صَلَحَ أَنْ يَخْتِمَ مَا خُتِمَ بِهِ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِالْغِنَى وَأَنَّهُ مَحْمُودٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يُخْتَمَ بِوَصْفِهِ مَعَهُ بِالْحِفْظِ وَالتَّدْبِيرِ , فَلِذَلِكَ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: 133] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ [النساء: 133] اللَّهُ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: 133] أَيْ يُذْهِبْكُمْ بِإِهْلَاكِكُمْ وَإِفْنَائِكُمْ ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: 133] يَقُولُ: وَيَأْتِ بِنَاسٍ آخَرِينَ غَيْرِكُمْ , لِمُؤَازَرَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُصْرَتِهِ.

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: 133] يَقُولُ: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى إِهْلَاكِكُمْ وَإِفْنَائِكُمْ , وَاسْتِبْدَالِ آخَرِينَ غَيْرِكُمْ بِكُمْ قَدِيرًا , يَعْنِي: ذَا قُدْرَةٍ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا وَبَّخَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْخَائِنِينَ الَّذِينَ خَانُوا الدِّرْعَ الَّتِي وَصَفْنَا شَأْنَهَا , الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ , ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] وَحَذَّرَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ , وَأَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَ الْمُرْتَدِّ مِنْهُمْ فِي ارْتِدَادِهِ وَلَحَاقِهِ بِالْمُشْرِكِينَ , وَعَرَّفَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ مِنْهُمْ فَلَنْ يَضُرَّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلَنْ يُوبِقَ بِرِدَّتِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ , لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجَ مَعَ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ , وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عَنْهُمْ , ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: 133] بِالْهَلَاكِ وَالِاسْتِئْصَالِ إِنْ هُمْ فَعَلُوا فِعْلَ ابْنَ أُبَيْرِقٍ طُعْمَةَ الْمُرْتَدِّ , وَبِاسْتِبْدَالِ آخَرِينَ غَيْرِهِمْ بِهِمْ لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَصُحْبَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ عَلَى دِينِهِ , كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرُكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38] .

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ , ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى ظَهْرِ سَلْمَانَ , فَقَالَ: «هُمْ قَوْمُ هَذَا» يَعْنِي عَجَمَ الْفُرْسِ كَذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

وَقَالَ قَتَادَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: 133] : أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ , أَنْ يُهْلِكَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ , وَيَأْتِي بِآخَرِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 134] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ [النساء: 134] مِمَّنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْرَ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾

[آل عمران: 145] يَعْنِي: عَرَضَ الدُّنْيَا , بِإِظْهَارِ مَا أَظْهَرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِلِسَانِهِ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ [النساء: 134]

يَعْنِي: جَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا مِنْهَا وَثَوَابُهُ فِيهَا , هُوَ مَا يُصِيبُ مِنَ الْمَغْنَمِ إِذَا شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ مَشْهَدًا , وَأَمَّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ فَنَارُ جَهَنَّمَ.
فَمَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ كَانَ مِنَ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَجَزَاءَهَا مِنْ عَمَلِهِ , فَإِنَّ اللَّهَ مُجَازِيهِ جَزَاءَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا , وَجَزَاءَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ , وَهُوَ مَالِكٌ جَمِيعَهُ , كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 16] . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ سَعَوْا فِي أَمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ , وَالَّذِينَ وَصَفَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 107] وَمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 134] يَعْنِي: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوَابَ الدُّنْيَا بِأَعْمَالِهِمْ , وَإِظْهَارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يُظْهِرُونَ لَهُمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ وَقَوْلِهِمْ لَهُمْ آمَنَّا.
﴿بَصِيرًا﴾ [النساء: 58] يَعْنِي: وَكَانَ ذَا بَصَرٍ بِهِمْ وَبِمَا

هُمْ عَلَيْهِ مُنْطَوُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يَكْتُمُونَهُ وَلَا يُبْدُونَهُ لَهُمْ مِنَ الْغِشِّ وَالْغِلِّ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135] وَهَذَا تَقَدَّمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى

ذِكْرُهُ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَ الَّذِينَ سَعَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أْمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ , أَنْ يَقُومَ بِالْعُذْرِ لَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ وَذَبِّهِمْ عَنْهُمْ وَتَحْسِينِهِمْ أَمْرَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ فَاقَةٍ وَفَقْرٍ؛ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135] يَقُولُهُ: لِيَكُنْ مِنْ أَخْلَاقِكُمْ وَصِفَاتِكُمُ الْقِيَامُ بِالْقِسْطِ , يَعْنِي بِالْعَدْلِ.
﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] وَالشُّهَدَاءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ , وَنُصِبَتِ الشُّهَدَاءُ عَلَى الْقَطْعِ مِمَّا فِي قَوْلِهِ: ﴿قَوَّامِينَ﴾ [النساء: 135] , مِنْ ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا , وَمَعْنَاهُ: قُومُوا بِالْقِسْطِ لِلَّهِ عِنْدَ شَهَادَتِكُمْ , أَوْ حِينَ شَهَادَتِكُمْ.
﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] يَقُولُ: وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَتُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ , أَوْ عَلَى وَالِدَيْكُمْ أَوْ أَقْرَبِيكُمْ , فَقُومُوا فِيهَا بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ , وَأَقِيمُوهَا عَلَى صِحَّتِهَا بِأَنْ تَقُولُوا فِيهَا الْحَقَّ , وَلَا تَمِيلُوا فِيهَا لِغَنِيٍّ لِغِنَاهُ عَلَى فَقِيرٍ , وَلَا لِفَقِيرٍ لِفَقْرِهِ عَلَى غَنِيٍّ فَتَجُورُوا , فَإِنَّ اللَّهَ الَّذِي سَوَّى بَيْنَ حُكْمِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَدْلِ أَوْلَى بِهِمَا , وَأَحَقُّ مِنْكُمْ , لِأَنَّهُ مَالِكُهُمَا وَأَوْلَى بِهِمَا دُونَكُمْ , فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا مِنْكُمْ , فَلِذَلِكَ أَمَرَكُمْ

بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا.
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135] يَقُولُ: " فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِكُمْ فِي الْمَيْلِ فِي شَهَادَتِكُمْ إِذَا قُمْتُمْ بِهَا لِغَنِيٍّ عَلَى فَقِيرٍ أَوْ لِفَقِيرٍ عَلَى غَنِيٍّ إِلَّا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ فَتَقُولُوا غَيْرَ الْحَقِّ , وَلَكِنْ قُومُوا فِيهِ بِالْقِسْطِ وَأَدُّوا الشَّهَادَةَ عَلَى مَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِأَدَائِهَا بِالْعَدْلِ لِمَنْ شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ وَلَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَقُومُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ الشَّاهِدُ بِالْقِسْطِ , وَهَلْ يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ , وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ , فَيُقِرَّ لَهُ بِهِ , فَذَلِكَ قِيَامٌ مِنْهُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ عِنْدِي تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَفْعَلُوا مَا فَعَلَهُ الَّذِينَ عَذَرُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ فِي سَرِقَتِهِمْ مَا سَرَقُوا وَخِيَانَتِهِمْ مَا خَانُوا مِنْ ذِكْرِ مَا قِيلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهَادَتِهِمْ لَهُمْ عِنْدَهُ بِالصَّلَاحِ , فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا قُمْتُمْ بِالشَّهَادَةِ لِإِنْسَانٍ أَوْ عَلَيْهِ , فَقُومُوا فِيهَا بِالْعَدْلِ وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَتُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ , فَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ غَنَى مَنْ شَهِدْتُمْ لَهُ أَوْ فَقْرُهُ أَوْ قَرَابَتُهُ وَرَحِمُهُ مِنْكُمْ عَلَى الشَّهَادَةِ لَهُ بِالزُّورِ وَلَا عَلَى تَرْكِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَكِتْمَانِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ تَأْدِيبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] قَالَ: "

نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ غَنِيُّ وَفَقِيرٌ , وَكَانَ ضِلْعُهُ مَعَ الْفَقِيرِ , يَرَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَظْلِمُ الْغَنِيَّ , فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ فِي الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ , فَقَالَ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135] الْآيَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِنَا إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الشَّهَادَةِ أَمْرًا مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُسَوُّوا فِي قِيَامِهِمْ بِشَهَادَاتِهِمْ لِمَنْ قَامُوا بِهَا بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] قَالَ: " أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ آبَائِهِمْ أَوْ أَبْنَائِهِمْ , وَلَا يُحَابُوا غَنِيًّا لِغِنَاهُ , وَلَا يَرْحَمُوا مِسْكِينًا لِمَسْكَنَتِهِ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135] فَتَذَرُوا الْحَقَّ فَتَجُورُوا "

جارٍ التحميل