تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 135-157

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:

صفحات 135-157
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَعْنَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] الشُّكْرُ خَالِصًا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ دُونَ سَائِرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، وَدُونَ كُلِّ مَا بَرَأَ مِنْ خَلْقِهِ، بِمَا أَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النَّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا الْعَدَدُ وَلَا يُحِيطُ بِعَدَدِهَا غَيْرُهُ أَحَدٌ، فِي تَصْحِيحِ الْآلَاتِ لِطَاعَتِهِ، وَتَمْكِينِ جَوَارِحِ أَجْسَامِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، مَعَ مَا بَسَطَ لَهُمْ فِي

دُنْيَاهُمْ مِنَ الرِّزْقِ وَغَذَّاهُمْ بِهِ مِنْ نُعَيْمِ الْعَيْشِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمَعَ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى دَوَامِ الْخُلُودِ فِي دَارِ الْمَقَامِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ.
فَلِرَبِّنَا الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا.
وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ رَبِّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] جَاءَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "

الْحَمْدُ لِلَّهِ: هُوَ الشُّكْرُ، وَالِاسْتِخْذَاءِ لِلَّهِ، وَالْإِقْرَارِ بِنِعْمَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَابْتِدَائِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ "

وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينِ، فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزَادَكَ» قَالَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الْحُسْنَى، وَقَوْلَهُ: «الشُّكْرُ لِلَّهِ» ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ وَأَيَادِيهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ» وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ مِنْ أَيِّ مَعْنَيَيِ الثَّنَاءِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا ذَلِكَ

حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّلُولِيُّ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: «مَنْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَذَلِكَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ»

وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْخَرَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَانِيُّ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْحَمْدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَا تَمَانُعَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ مَنِ الْحُكْمِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا بِالصِّحَّةِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ صَحِيحًا، أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ قَدْ يُنْطَقُ بِهِ فِي مَوْضِعِ الشُّكْرِ، وَأَنَّ الشُّكْرَ قَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْحَمْدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا، فَيَخْرُجُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ مَصْدَرُ أَشْكَرَ، لِأَنَّ الشُّكْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنَى الْحَمْدِ، كَانَ خَطَأً أَنْ يَصْدُرَ مِنَ الْحَمْدِ غَيْرَ مَعْنَاهُ وَغَيْرَ لَفْظِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ إِدْخَالِ الْأَلْفِ وَاللَّامِ فِي الْحَمْدِ؟ وَهَلَّا قِيلَ: حَمْدًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قِيلَ: إِنَّ لِدُخُولِ الْأَلْفِ وَاللَّامِ فِي الْحَمْدِ مَعْنًى لَا يُؤَدِّيهِ قَوْلُ الْقَائِلِ حَمْدًا، بِإِسْقَاطِ الْأَلْفِ وَاللَّامِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ دُخُولَهُمَا فِي الْحَمْدِ مُنْبِئٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: جَمِيعُ الْمَحَامِدِ وَالشُّكْرُ الْكَامِلُ لِلَّهِ.
وَلَوْ أُسْقِطَتَا مِنْهُ لَمَا دَلَّ إِلَّا عَلَى أَنْ حَمْدَ قَائِلِ ذَلِكَ لِلَّهِ، دُونَ الْمَحَامِدِ كُلِّهَا.
إِذْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: حَمْدًا لِلَّهِ أَوْ حَمْدٌ لِلَّهِ: أَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا، وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] تَالِيًا سُورَةً أَمِ الْقُرْآنُ أَحْمَدَ اللَّهَ، بَلِ التَّأْوِيلُ فِي ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْمَحَامِدِ لِلَّهِ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ، بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعَمِ الَّتِي لَا كُفْءَ لَهَا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْعَاجِلِ وَالْآجِلِ.
وَلِذَلِكَ مِنَ الْمَعْنَى، تَتَابَعَتْ قِرَاءَةُ الْقُرَّاءِ وَعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَمْدِ مِنَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] دُونَ نَصْبِهَا، الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى تَالِيهِ كَذَلِكَ: أَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا.
وَلَوْ قَرَأَ قَارِئٌ ذَلِكَ بِالنَّصْبِ، لَكَانَ عِنْدِي مُحِيلًا

مَعْنَاهُ وَمُسْتَحِقًّا الْعُقُوبَةَ عَلَى قِرَاءَتِهِ إِيَّاهُ كَذَلِكَ إِذَا تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِخَطَئِهِ وَفَسَادِ تَأْوِيلِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؟ أَحْمَدُ اللَّهَ نَفْسَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَأَثْنَى عَلَيْهَا، ثُمَّ عَلَّمَنَاهُ لِنَقُولَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وَهُوَ عَزَّ ذِكْرُهُ مَعْبُودٌ لَا عَابِدٌ؟ أَمْ ذَلِكَ مِنْ قِيلِ جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلَّهِ كَلَامًا.
قِيلَ: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ؛ وَلَكِنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ حَمِدَ نَفْسَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهَا بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ عَلَّمَ ذَلِكَ عِبَادَهُ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ تِلَاوَتَهُ، اخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ وَابْتِلَاءً، فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقُولُوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] مِمَّا عَلَّمَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَقُولُوهُ وَيَدِينُوا لَهُ بِمَعْنَاهُ.
وَذَلِكَ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] وَكَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا هَذَا وَهَذَا.
فَإِنْ قَالَ: وَأَيْنَ قَوْلُهُ: «قُولُوا» فَيَكُونُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا ادَّعَيْتَ؟ قِيلَ: قَدْ دَلَلْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْعَرَبَ مِنْ شَأْنِهَا إِذَا عَرَفَتْ مَكَانَ الْكَلِمَةِ وَلَمْ تَشُكَّ أَنَّ سَامِعَهَا يُعْرِفُ بِمَا أَظْهَرَتْ مِنْ مَنْطِقِهَا مَا حَذَفَتْ حُذِفَ مَا كَفَى

مِنْهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَنْطِقِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي حُذِفَتْ قَوْلًا أَوْ تَأْوِيلَ قَوْلٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] وَأَعْلَمُ أَنَّنِي لَأَكُونُ رَمْسًا ... إِذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لَا يَسِيرُ فَقَالَ السَّائِلُونَ لِمَنْ حَفَرْتُمْ ... فَقَالَ الْمُخْبِرُونَ لَهُمْ وَزِيرُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يُرِيدُ بِذَلِكَ: فَقَالَ الْمُخْبِرُونَ لَهُمُ: الْمَيِّتُ وَزِيرٌ، فَأَسْقَطَ الْمَيِّتَ، إِذْ كَانَ قَدْ أَتَى مِنَ الْكَلَامِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الكامل] وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا

وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الرُّمْحَ لَا يُتَقَلَّدُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: وَحَامِلًا رُمْحًا.
وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ اكْتَفَى بِمَا قَدْ ظَهَرَ مِنْ كَلَامِهِ عَنْ إِظْهَارِ مَا حَذَفَ مِنْهُ.
وَقَدْ يَقُولُونَ لِلْمُسَافِرِ إِذَا وَدَّعُوهُ: مُصَاحَبًا مُعَافًى، يَحْذِفُونَ سِرْ وَاخْرُجْ؛ إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ وَإِنْ أُسْقِطَ ذِكْرُهُ.
فَكَذَلِكَ مَا حُذِفَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] لَمَّا عَلِمَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] مِنْ مَعْنَى أَمْرِهِ عِبَادَهُ، أَغْنَتْ دَلَالَةُ مَا ظَهْرَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ عَنْ إِبْدَاءِ مَا حُذِفَ.
وَقَدْ رُوِّينَا الْخَبَرَ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مُبْتَدَأً فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِمُحَمَّدٍ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] " وَبَيَّنَا أَنَّ جِبْرِيلَ إِنَّمَا عَلَّمَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُمِرَ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ.
وَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ تَأْوِيلِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ فِي بِسْمِ اللَّهِ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى تَكْرَارِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ﴾ [الفاتحة: 2] ، فَإِنَّ الرَّبَّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُتَصَرِّفٌ عَلَى مُعَانٍ: فَالسَّيِّدُ الْمُطَاعُ فِيهَا يُدْعَى رَبًّا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: [البحر الطويل] وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وَابْنَهُ ... وَرَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ يَعْنِي بِرَبِّ كِنْدَةَ: سَيِّدَ كِنْدَةَ.
وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ: [البحر الطويل] تَخُبُّ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنَالَهُ ... فِدًى لَكَ مِنْ رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي وَالرَّجُلُ الْمُصْلِحُ لِلشَّيْءِ يُدْعَى رَبًّا.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ بْنِ غَالِبٍ: [البحر البسيط] كَانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إِذْ حَقَنَتْ ... سِلَاءَهَا فِي أَدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبِ يَعْنِي بِذَلِكَ: فِي أَدِيمٍ غَيْرِ مُصْلَحٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ فُلَانًا يَرُبُّ صَنِيعَتَهُ عِنْدَ فُلَانٍ، إِذَا كَانَ يُحَاوِلُ إِصْلَاحَهَا وَإِدْامَتَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: [البحر الطويل]

فَكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رَبَابَتِي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوبُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَفَضْتُ إِلَيْكَ: أَيْ أَوْصَلْتُ إِلَيْكَ رَبَابَتِي، فَصِرْتَ أَنْتَ الَّذِي تَرُبُّ أَمْرِي فَتُصْلِحُهُ لَمَّا خَرَجْتَ مِنْ رَبَابَةِ غَيْرِكَ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكَ عَلَيَّ، فَضَيَّعُوا أَمْرِي وَتَرَكُوا تَفَقُّدَهُ.
وَهُمُ الرُّبُوبُ وَاحِدُهُمْ رَبٌّ؛ وَالْمَالِكُ لِلشَّيْءِ يُدْعَى رَبَّهُ.
وَقَدْ يَتَصَرَّفُ أَيْضًا مَعْنَى الرَّبِّ فِي وُجُوهِ غَيْرِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
فَرَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ السَّيِّدُ الَّذِي لَا شِبْهَ لَهُ، وَلَا مَثَلَ فِي سُؤُدُّدِهِ، وَالْمُصْلِحُ أَمْرَ خَلْقِهِ بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَالْمَالِكُ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ: يَا مُحَمَّدُ، قُلِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يَقُولُ قُلِ الْحَمْدُ

لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ كُلُّهُ، السَّمَوَاتُ كُلُّهُنَّ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَالْأَرْضُونَ كُلُّهُنَّ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ، مِمَّا يُعْلَمُ وَمِمَّا لَا يُعْلَمُ.
يَقُولُ: اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ رَبَّكَ هَذَا لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْعَالَمُونَ جَمْعُ عَالَمٍ، وَالْعَالَمُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْأَنَامِ وَالرَّهْطِ وَالْجَيْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ مَوْضُوعَاتٌ عَلَى جِمَاعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
وَالْعَالَمُ اسْمٌ لِأَصْنَافِ الْأُمَمِ، وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا عَالَمٌ، وَأَهْلُ كُلِّ قَرْنٍ

مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا عَالَمُ ذَلِكَ الْقَرْنِ وَذَلِكَ الزَّمَانِ، فَالْإِنْسُ عَالَمٌ وَكُلُّ أَهْلِ زَمَانٍ مِنْهُمْ عَالَمُ ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَالْجِنُّ عَالَمٌ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ، كُلُّ جِنْسٍ مِنْهَا عَالَمُ زَمَانِهِ.
وَلِذَلِكَ جُمِعَ فَقِيلَ: عَالَمُونَ، وَوَاحِدُهُ جَمْعٌ لِكَوْنِ عَالَمِ كُلِّ زَمَانٍ مِنْ ذَلِكَ عَالَمَ ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] فَخِنْدَفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ فَجَعَلَهُمْ عَالَمَ زَمَانِهِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَاهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ كُلُّهُ، السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ، مِمَّا يُعْلَمُ وَلَا يُعْلَمُ "

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] : الْجِنُّ وَالْإِنْسُ "

وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: " ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ: رَبِّ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ "

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَوْلُهُ: " ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ "

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَوْلُهُ: " ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ: ابْنُ آدَمَ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ كُلُّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ عَالَمٌ عَلَى حِدَتِهِ "

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: بِمِثْلِهِ

وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ: كُلُّ صِنْفٍ: عَالَمٌ "

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ: «الْإِنْسُ عَالَمٌ، وَالْجِنُّ عَالَمٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفِ عَالِمٍ، أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفِ عَالِمٍ - وَهُوَ يَشُكُّ - مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلِلْأَرْضِ أَرْبَعُ زَوَايَا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ ثَلَاثَةُ آلَافِ عَالَمٍ وَخَمْسُمِائَةِ عَالِمٍ، خَلَقَهُمْ لِعِبَادَتِهِ»

وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] قَالَ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ، فِي تَأْوِيلِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَلَمْ يُحْتَجُّ إِلَى الْإِبَانَةِ عَنْ وَجْهِ تَكْرِيرِ اللَّهِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إِذْ كُنَّا لَا نَرَى أَنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آيَةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْنَا لِسَائِلِ مَسْأَلَةٍ بِأَنْ يَقُولَ: مَا وَجْهُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ مَضَى

وَصْفُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَفْسَهُ فِي قَوْلِهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ، مَعَ قُرْبِ مَكَانِ إِحْدَى الْآيَتَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى وَمُجَاوَرَتِهَا لِصَاحِبَتِهَا؟ بَلْ ذَلِكَ لَنَا حُجَّةٌ عَلَى خَطَأِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آيَةٌ , إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ إِعَادَةَ آيَةٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَفْظٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا.
وَغَيْرُ مَوْجُودٌ فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آيَتَانِ مُتَجَاوَرَتَانِ مُكَرَّرَتَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ، لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا مِنْ كَلَامٍ يُخَالِفُ مَعْنَاهُ مَعْنَاهُمَا، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِتَكْرِيرِ آيَةٍ بِكَمَالِهَا فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ، مَعَ فُصُولٍ تَفْصِلُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَلَامٍ يُعْتَرَضُ بِهِ بِغَيْرِ مَعْنَى الْآيَاتِ الْمُكَرَّرَاتِ أَوْ غَيْرُ أَلْفَاظِهَا، وَلَا فَاصِلَ بَيْنَ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] مِنْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ، وَقَوْلُ اللَّهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ، مِنْ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] فَاصِلٌ بَيْنَ ذَلِكَ.
قِيلَ: قَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَقَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَإِنَّمَا هُو: الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَلَكِ يَوْمِ الدِّينِ.
وَاسْتَشْهَدُوْا عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فَقَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَبْدَهُ أَنْ يَصِفَهُ بِالْمَلِكِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (مَلَكَ) ، وَبِالْمَلِكِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ﴿مَالِكِ﴾ [آل عمران: 26] . قَالُوا: فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُجَاوِرُ وَصَفِهِ بِالْمُلْكِ أَوِ الْمَلِكِ مَا كَانَ نَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ الْوَصْفِ، وَذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُ

﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ، الَّذِي هُوَ خَبَرٌ عَنْ مُلْكِهِ جَمِيعَ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ، وَأَنْ يَكُونَ مُجَاوِرُ وَصَفِهِ بِالْعَظَمَةِ وَالْأُلُوهَةِ مَا كَانَ لَهُ نَظِيرًا فِي الْمَعْنِيِّ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] فَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] بِمَعْنَى التَّقْدِيمِ قَبْلَ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُؤَخِّرًا.
وَقَالُوا: نَظَائِرُ ذَلِكَ مِنَ التَّقْدِيمِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَالْمُؤَخَّرُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّقْدِيمِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَفْشَى وَفِي مَنْطِقِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ: [البحر الكامل] طَافَ الْخَيَالُ وَأَيْنَ مِنْكَ لِمَامَا ... فَارْجِعْ لِزَوْرِكَ بِالسَّلَامِ سَلَامَا بِمَعْنَى طَافَ الْخَيَالُ لِمَامًا وَأَيْنَ هُوَ مِنْكَ.
وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ [الكهف: 2] الْمَعْنَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ شَاهِدٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آيَةً

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْقُرَّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي تِلَاوَةِ (مَلِكِ يَوْمَ الدِّينِ) ، فَبَعْضُهُمْ يَتْلُوهُ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَبَعْضُهُمْ يَتْلُوهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَبَعْضُهُمْ يَتْلُوهُ: (مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) بِنَصْبِ الْكَافِ.
وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا حِكَايَةَ

الرِّوَايَةِ عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةً فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ، وَأَخْبَرْنَا بِالَّذِي نَخْتَارُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَالْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ صِحَّةَ مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهِ، فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إِذْ كَانَ الَّذِي قَصَدْنَا لَهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا الْبَيَانُ عَنْ وجُوهِ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ دُونَ وجُوهِ قِرَاءَتِهَا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ، أَنَّ الْمَلِكَ مِنِ الْمُلْكِ مُشْتَقٌّ، وَأَنَّ الْمَالِكَ مِنِ الْمِلْكِ مَأْخُوذٌ.
فَتَأْوِيلُ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أَنَّ لِلَّهِ الْمُلْكَ يَوْمَ الدِّينِ خَالِصًا دُونَ جَمِيعِ خَلْقِهِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا مُلُوكًا جَبَابِرَةً يُنَازِعُونَهُ الْمُلْكَ وَيُدَافِعُونَهُ الِانْفِرَادَ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالسُّلْطَانِ وَالْجَبْرِيَّةِ.
فَأَيْقَنُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ يَوْمَ الدِّينِ أَنَّهُمُ الصَّغَرَةُ الْأَذِلَّةُ، وَأَنَّ لَهُ دُونَهُمْ وَدُونَ غَيْرِهِمُ الْمُلْكَ وَالْكِبْرِيَاءَ وَالْعِزَّةَ وَالْبَهَاءَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ فِي تَنْزِيلِهِ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16] فَأُخْبِرَ تَعَالَى، أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ يَوْمَئِذٍ بِالْمُلْكِ دُونَ مُلُوكِ الدُّنْيَا الَّذِينَ صَارُوا يَوْمَ الدِّينِ مِنْ مُلْكِهِمْ إِلَى ذِلَّةٍ وَصَغَارٍ، وَمِنْ دُنْيَاهُمْ فِي الْمَعَادِ إِلَى خَسَارٍ

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَقُولُ: " لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَهُ حُكْمًا كَمُلْكِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38] وَقَالَ: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: 108] ،

وَقَالَ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ وَأَصَحُّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي التِّلَاوَةِ عِنْدِي التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ «مَلِكَ» بِمَعْنَى الْمُلْكِ؛ لِأَنَّ فِي الْإِقْرَارِ لَهُ بِالِانْفِرَادِ بِالْمُلْكِ إِيجَابًا لِانْفِرَادِهِ بِالْمُلْكِ وَفَضِيلَةِ زِيَادَةِ الْمَلِكِ عَلَى الْمَالِكِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ لَا مُلَكَ إِلَّا وَهُوَ مَالِكٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَالِكُ لَا مَلِكًا.
وَبَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ عِبَادَهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعَ الْعَالَمِينَ وَسَيِّدُهُمْ، وَمُصْلِحُهُمْ وَالنَّاظِرُ لَهُمْ، وَالرَّحِيمُ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] . فَإِذَا كَانَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَنْبَأَهُمْ عَنْ مُلْكِهِ إِيَّاهُمْ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] فَأَوْلَى الصِّفَاتِ مِنْ صِفَاتِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، أَنْ يُتْبِعَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْوِهِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3] مَعَ قُرْبِ مَا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ مِنَ الْمُوَاصَلَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ، إِذْ كَانَتْ حِكْمَتُهُ الْحِكْمَةَ الَّتِي لَا تُشْبِهُهَا حِكْمَةٌ.
وَكَانَ فِي إِعَادَةِ وَصَفِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِأَنَّهُ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ إِعَادَةَ مَا قَدْ مَضَى مِنْ وَصَفِهِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] مَعَ تَقَارُبِ الْآيَتَيْنِ وَتَجَاوُرِ الصِّفَتَيْنِ.
وَكَانَ فِي إِعَادَةِ ذَلِكَ تَكْرَارُ أَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ بِمَعَانٍ مُتَّفِقَةٍ، لَا تُفِيدُ سَامِعَ مَا كَرَّرَ مِنْهُ فَائِدَةً بِهِ إِلَيْهَا حَاجَةٌ.
وَالَّذِي لَمْ يَحْوِهِ مِنْ صِفَاتِهِ جَلَّ

ذِكْرُهُ مَا قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الْمَعْنَى الَّذِي فِي قَوْلِهِ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَهُوَ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ الْمَلِكُ.
فَبَيَّنَ إِذًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ وَأَحَقَّ التَّأْوِيلَيْنِ بِالْكِتَابِ: قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، بِمَعْنَى إِخْلَاصِ الْمُلْكِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ، دُونَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بِمَعْنَى: أَنَّهُ يَمْلِكُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَفَصْلَ الْقَضَاءِ مُتَفَرِّدًا بِهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] نَبَأٌ عَنْ مِلْكِهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ يُوجِبُ وَصَلَهُ بِالنَّبَأِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى نَحْوِ مِلْكِهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَقَدْ أَغْفَلَ وَظَنَّ خَطَأً؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِظَانٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] مَحْصُورٌ مَعْنَاهُ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رُبُوبِيَّةِ عَالَمِ الدُّنْيَا دُونَ عَالَمِ الْآخِرَةِ مَعَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، أَوْ فِي خَبَرٍ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مَنْقُولٌ، أَوْ بِحُجَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْمَعْقُولِ، لَجَازَ لِآخَرَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ مَحْصُورٌ عَلَى عَالَمِ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] دُونَ سَائِرِ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْحَادِثَةِ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِذْ كَانَ صَحِيحًا بِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْبَيَانِ أَنَّ عَالَمَ كُلِّ زَمَانٍ

غَيْرُ عَالَمِ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ.
فَإِنْ غَبِيَ عَنْ عِلْمِ صِحَّةِ ذَلِكَ بِمَا قَدْ قَدَّمْنَا ذُو غَبَاءٍ، فَإِنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: 16] دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ عَالَمَ كُلِّ زَمَانٍ غَيْرُ عَالَمِ الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ وَعَالَمَ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ.
إِذْ كَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ فَضَّلَ أُمَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] الْآيَةَ.
فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عَصْرِ نَبِيِّنَا، لَمْ يَكُونُوا مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الْعَالَمِينِ، بَلْ كَانَ أَفْضَلَ الْعَالَمِينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَبَعْدَهُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ الْمُتَّبِعُونَ مِنْهَاجَهُ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ الضَّالَّةِ عَنْ مِنْهَاجِهِ.
فَإِذْ كَانَ بَيِّنًا فَسَادُ تَأْوِيلِ مُتَأَوِّلٍ لَوْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ: أَنَّ اللَّهَ رَبُّ عَالَمَيْ زَمَنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ عَالَمَيْ سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ غَيْرِهِ، كَانَ وَاضِحًا فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ تَأْوِيلَهُ: رَبِّ عَالَمِ الدُّنْيَا دُونَ عَالَمِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ اسْتَحَقَّ الْوَصْلَ بِهِ لِيُعْلِمَ أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ مُلْكُهُمْ وَرُبُوبِيَّتِهِمْ بِمِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا.
وَيَسْأَلُ زَاعِمُ ذَلِكَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُتْحَكِّمٍ مِثْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] تَحَكَّمَ، فَقَالَ: أَنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهُ رَبُّ عَالَمَيْ زَمَانِ مُحَمَّدٍ دُونَ عَالَمَيْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَزْمَانِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَهُ وَالْحَادِثَةِ بَعْدَهُ، كَالَّذِي زَعَمَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ

أَنَّهُ عَنَى بِهِ عَالَمَ الدُّنْيَا دُونَ عَالَمِ الْآخِرَةِ مِنْ أَصْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ.
فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ وَأَمَّا الزَّاعِمُ أَنْ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أَنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ إِقَامَةَ يَوْمِ الدِّينِ، فَإِنَّ الَّذِي أَلْزَمْنَا قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ لَهُ لَازِمٌ، إِذْ كَانَتْ إِقَامَةُ الْقِيَامَةِ إِنَّمَا هِيَ إِعَادَةُ الْخَلْقِ الَّذِينَ قَدْ بَادُوا لِهَيْئَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْلَ الْهَلَاكِ فِي الدَّارِ الَّتِي أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِيهَا مَا أَعَدَّ، وَهُمُ الْعَالِمُونَ الَّذِينَ قَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ رَبُّهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] وَأَمَّا تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) فَإِنَّهُ أَرَادَ: يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، فَنَصَبَهُ بِنِيَّةِ النِّدَاءِ وَالدُّعَاءِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: 29] بِتَأْوِيلِ: يَا يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَهُوَ شِعْرٌ فِيمَا يُقَالُ جَاهِلِيٌّ: [البحر المنسرح] إِنْ كُنْتَ أَزْنَنْتَنِي بِهَا كَذِبًا ... جَزْءُ، فَلَاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلَا يُرِيدُ: يَا جَزْءُ.
وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: [البحر الطويل]

كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ لَا تَنْكِحُونَهَا ... بَنِي شَابَ قَرْنَاهَا تَصُرُّ وَتَحْلُبُ يُرِيدُ: يَا بَنِي شَابَ قَرْنَاهَا.
وَإِنَّمَا أَوْرَطَهُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِنَصْبِ الْكَافِ مِنْ (مَالِكَ) عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ حِيرَتُهُ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وِجْهَتَهُ مَعَ جَرِّ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَخَفْضِهِ، فظَنَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعْنَى ذَلِكَ بَعْدَ جَرِّهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَنَصَبَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لِيَكُونَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] لَهُ خِطَابًا، كَأَنَّهُ أَرَادَ: يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
وَلَوْ كَانَ عَلِمَ تَأْوِيلَ أَوَّلِ السُّورَةِ وَأَنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ، أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَبْدَهُ بِقِيلِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ اللَّهِ: " قُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَقُلْ أَيْضًا يَا مُحَمَّدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] ، وَكَانَ عَقَلَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّ مِنَ شَأْنِهَا إِذَا حَكَتْ أَوْ أُمِرَتْ بِحِكَايَةِ خَبَرٍ يَتْلُو الْقَوْلَ، أَنْ تُخَاطِبَ ثُمَّ تُخْبِرُ عَنْ غَائِبٍ، وَتُخْبِرُ عَنِ الْغَائِبِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخَطَّابِ؛ لِمَا فِي الْحِكَايَةِ بِالْقَوْلِ مِنْ مَعْنَى الْغَائِبِ وَالْمُخَاطَبِ، كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ: قَدْ قُلْتَ لِأَخِيكَ: لَوْ قُمْتَ لَقُمْتُ، وَقَدْ قُلْتَ لِأَخِيكَ: لَوْ قَامَ لَقُمْتُ؛

لَسَهُلَ عَلَيْهِ مَخْرَجُ مَا اسْتُصْعِبَ عَلَيْهِ وِجْهَتَهُ مِنْ جَرِّ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَمِنْ نَظِيرِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مَجْرُورًا، ثُمَّ عَوْدِهِ إِلَى الْخَطَّابِ بِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، الْبَيْتُ السَّائِرُ مِنْ شِعْرِ أَبِي كَبِيرٍ الْهُذَلِيِّ: [البحر الكامل] يَا لَهْفَ نَفْسِي كَانَ جِدَّةُ خَالِدٍ ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ لِلتُّرَابِ الْأَعْفَرِ فَرَجَعَ إِلَى الْخَطَّابِ بِقَوْلِهِ: وَبَيَاضُ وَجْهِكَ، بَعْدَ مَا قَدْ قَضَى الْخَبَرَ عَنْ خَالِدٍ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: [البحر البسيط] بَاتَتْ تَشَكَّى إِلَيَّ النَّفْسُ مُجْهَشَةً ... وَقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا فَرَجَعَ إِلَى مُخَاطَبَةِ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخَبَرُ عَنْهَا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ وَهُوَ أَصْدَقُ قِيلٍ وَأَثْبَتُ حُجَّةٍ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيْبَةٍ﴾ [يونس: 22] فَخَاطَبَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَجَرَيْنَ بِكُمْ.
وَالشَّوَاهِدُ مِنَ الشِّعْرِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ.

جارٍ التحميل