الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 78] قَالَ: السُّلْطَانُ فِي الْأَرْضِ "
قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الْمُلْكُ فِي الْأَرْضِ»
قَالَ: ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 78] قَالَ: الطَّاعَةُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 78] قَالَ: الْمُلْكُ "
قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «السُّلْطَانُ فِي الْأَرْضِ» وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَاتِ الْمَعَانِي، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُلْكَ سُلْطَانٌ، وَالطَّاعَةَ مُلْكٌ؛ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَى الْكِبْرِيَاءِ هُوَ مَا ثَبَتَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ عَظَمَةً بِمُلْكٍ وَسُلْطَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 78] يَقُولُ: وَمَا نَحْنُ لَكُمَا يَا مُوسَى وَهَارُونَ بِمُؤْمِنِينُ، يَعْنِي بِمُقِرِّينَ بِأَنَّكُمَا رَسُولَانِ أُرْسِلْتُمَا إِلَيْنَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُم مُّلْقُونَ﴾ [يونس: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ: ائْتُونِي بِكُلِّ مَنْ يَسْحَرُ مِنَ السَّحَرَةِ، عَلِيمٌ بِالسِّحْرِ.
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ، قَالَ مُوسَى: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ مِنْ
حِبَالِكُمْ وَعِصِيِّكُمْ وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ قَدْ تُرِكَ، وَهُوَ: فَأَتَوْهُ بِالسَّحَرَةِ فَلَمَّا جَاءَ
السَّحَرَةُ؛ وَلَكِنِ اكْتَفَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ [يونس: 80] عَلَى ذَلِكَ، فَتُرِكَ ذِكْرُهُ.
وَكَذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس: 80] مَحْذُوفٌ أَيْضًا قَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ: " فَأَلْقُوا حِبَالَهُمْ وَعِصِيِّهِمْ، فَلَمَّا أَلْقُوا قَالَ مُوسَى، وَلَكِنِ اكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، فَتُرِكَ ذِكْرُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَلْقُوا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَمَّا أَلْقُوا﴾ [الأعراف: 116] مَا هُمْ مُلْقُوهُ ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30] لَهُمْ ﴿مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ [يونس: 81] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ " ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ [يونس: 81] " عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْ مُوسَى عَنِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ سِحْرٌ كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِهِمْ، قَالَ مُوسَى: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَيُّهَا السَّحَرَةُ هُوَ السِّحْرُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: (مَا جِئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ) عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ مُوسَى إِلَى السَّحَرَةِ عَمَّا جَاءُوا بِهِ، أَسِحْرٌ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ؟ وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ لَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، لِأَنَّ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَاكًا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ أَنَّهُ سِحْرٌ لَا حَقِيقَةٌ لَهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى اسْتِخْبَارِ السَّحَرَةِ عَنْهُ أَيْ هُوَ.
وَأُخْرَى أَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ كَانَ عَلَى عِلْمٍ مِنَ السَّحَرَةِ، إِنَّمَا جَاءَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ لِيُغَالِبُوهُ عَلَى مَا كَانَ جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُ، فَلَمْ يَكُنْ يَذْهَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي الْخَبَرِ عَمَّا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ، فَيَسْتَخْبِرُهُمْ أَوْ يَسْتَجِيزُ اسْتِخْبَارَهُمْ عَنْهُ؛ وَلَكِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَعْلَمَهُمُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِبُطُولِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَتَاهُ وَمُبْطِلٌ كَيْدَهُمْ بِجِدِّهِ، وَهَذِهِ أَوْلَى بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأُخْرَى.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي السِّحْرِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ فِي نَظِيرِ هَذَا أَنْ يَقُولُوا: مَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرٌو دِرْهَمَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي أَخُوكَ دِينَارَ، وَلَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا الَّذِي أَعْطَانِي أَخُوكَ الدِّرْهَمُ، وَمَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرُو الدِّينَارُ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى كَلَامُ الْعَرَبِ إِدْخَالُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي خَبَرِ مَا وَالَّذِي إِذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ مَعْهُودٍ قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطِبُ وَالْمُخَاطَبُ، بَلْ لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ حِينَئِذٍ خَبَرٌ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ؛ وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ وَلَا مَقْصُودٍ قَصَدَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، فَحِينَئِذٍ لَا تَدْخُلُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْخَبَرِ، وَخَبَرُ مُوسَى كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَ السَّحَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ نَسَبَتْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ إِلَى أَنَّهُ سِحْرٌ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: السِّحْرُ الَّذِي وَصَفْتُمْ بِهِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ أَيُّهَا السَّحَرَةُ، هُوَ الَّذِي جِئْتُمْ
بِهِ أَنْتُمْ لَا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَنَا.
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ.
فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: 81] يَقُولُ: سَيَذْهَبُ بِهِ، فَذَهَبَ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَصًا مُوسَى قَدْ حَوَّلَهَا ثُعْبَانًا يَتَلَقَّفُهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81] يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ مَنْ سَعَى فِي أَرْضِ اللَّهِ بِمَا يَكْرَهُهُ وَعَمِلَ فِيهَا بِمَعَاصِيهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ» ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ» ، وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ بِنَحْوِ الَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 82] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿وَيَحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ [يونس: 82] يَقُولُ: وَيُثْبِتُ اللَّهُ الْحَقَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُعْلِيهِ عَلَى بَاطِلِكُمْ، وَيُصَحِّحُهُ بِكَلِمَاتِهِ، يَعْنِي بِأَمْرِهِ؛ ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 8] يَعْنِي الَّذِينَ
اكْتَسَبُوا الْإِثْمَ بِرَبِّهِمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: 83] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمْ يُؤْمِنْ لِمُوسَى مَعَ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالْأَدِلَّةِ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ خَائِفِينَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الذُّرِّيَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الذُّرِّيَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْقَلِيلُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: " ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الذُّرِّيَّةُ: الْقَلِيلُ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] الذُّرِّيَّةُ: الْقَلِيلُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 133] " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِطُولِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْآبَاءَ مَاتُوا وَبَقِيَ الْأَبْنَاءُ، فَقِيلَ لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا ذُرِّيَّةَ مَنْ هَلَكَ مِمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] قَالَ: أَوْلَادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ طُولِ الزَّمَانِ وَمَاتَ
آبَاؤُهُمْ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ وحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] قَالَ: أَوْلَادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى مِنْ طُولِ الزَّمَانِ وَمَاتَ آبَاؤُهُمْ "
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، " ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: 83] قَالَ: أَبْنَاءُ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الزَّمَانُ وَمَاتَتْ آبَاؤُهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: 83] قَالَ: كَانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسَى مِنْ أُنَاسٍ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يَسِيرٌ، مِنْهُمُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمُؤْمِنُ آلَ فِرْعَوْنَ، وَخَازِنُ فِرْعَوْنَ، وَامْرَأَةُ خَازِنِهِ "
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ، وَذَلِكَ مَا
حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] يَقُولُ: بَنِي إِسْرَائِيلَ «فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الذُّرِّيَّةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الذُّرِّيَّةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أُرِيدَ بِهَا ذُرِّيَّةُ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَلَكُوا قَبْلَ أَنْ يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ لِطُولِ الزَّمَانِ، فَأُدْرَكَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ فَآمَنَ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ اللَّهُ بِمُوسَى وَإِنَّمَا قُلْتُ هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرٌ لِغَيْرِ مُوسَى، فَلَأَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ» ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: 60] " مِنْ ذِكْرِ مُوسَى لِقُرْبِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِ، أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ لِبُعْدِ ذِكْرِهِ مِنْهَا، إِذْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ خَبَرٍ وَلَا نَظَرٍ.
وَبَعْدُ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: 83] الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: 83] مِنْ ذِكْرِ مُوسَى لَا مِنْ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ؛ لِأَنَّهَا لَوُ كَانَتْ مِنْ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ لَكَانَ الْكَلَامُ: «عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ» ، وَلَمْ يَكُنْ ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ ﴾ [يونس: 83] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: 83] فَإِنَّهُ يَعْنِي عَلَى حَالِ خَوْفٍ مِمَّنْ آمَنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمِ مُوسَى بِمُوسَى فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنُوهُمْ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، لِأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إِنَّمَا كَانَتْ أُمَّهَاتُهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَآبَاؤُهُمْ مِنَ الْقِبْطِ، فَقِيلَ لَهُمُ الذُّرِّيَّةُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ لِأَبْنَاءِ الْفُرْسِ الَّذِينَ أُمَّهَاتُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ وَآبَاؤُهُمْ مِنَ الْعَجَمِ: أَبْنَاءٌ.
وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى الذُّرِّيَّةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: أَنَّهَا أَعْقَابُ مَنْ نُسِبَتْ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 3] وَكَمَا قَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: 85] فَجَعَلَ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: 83] فَإِنَّ الْمَلَأَ: الْأَشْرَافَ.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَمِنْ أَشْرَافِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِيمَنْ عَنَى بِالْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: 83] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: عَنَى بِهَا الذُّرِّيَّةَ.
وَكَأَنَّهُ وَجَّهَ الْكَلَامَ إِلَى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَمَلَأِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: عَنَى بِهِمَا فِرْعَوْنَ، قَالَ: وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ وَفِرْعَوْنُ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا ذُكِرَ لِخَوفٍ أَوْ سَفَرٍ وَقُدُومٍ مِنْ سَفَرٍ ذَهَبَ الْوَهْمُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ مَعَهُ.
وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: قَدِمَ الْخَلِيفَةُ فَكَثُرَ النَّاسُ، تُرِيدُ بِمَنْ مَعَهُ، وَقَدِمَ فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ؟ لَأَنَّا نَنْوِي بِقُدُومِهِ قَدُومَ مَنْ مَعَهُ.
قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ يُرِيدُ أَنَّ بِفِرْعَونَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَيَحْذِفُ آلَ فِرْعَوْنَ فَيَجُوزُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْهَاءُ وَالْمُيمُ عَائِدَتَانِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ.
وَوَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى أَنَّهُ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَمَلَأِ الذُّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذُرِّيَّةِ الْقَرْنِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى مَنْ كَانَ أَبُوهُ قِبْطِيًّا وَأُمُّهُ إِسْرَائِيلِيَّةَ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْهُمْ كَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: 83] يَقُولُ: كَانَ إِيمَانُ مَنْ آمَنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمِ مُوسَى عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يَفْتِنَهُمْ بِالْعَذَابِ، فَيَصُدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَحْمِلُهِمْ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ إِيمَانِهِمْ، وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ.
وَقَالَ: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: 83] فَوَحَّدَ وَلَمْ يَقُلْ: «أَنْ يَفْتِنُوهُمْ» ، لِدَلِيلِ الْخَبَرِ عَنْ فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: 83] وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 83] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَجَبَّارٌ مُسْتَكْبِرٌ عَلَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: 83] وَإِنَّهُ لِمَنْ الْمُتَجَاوِزِينَ الْحَقَّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَذَلِكَ كُفْرُهُ بِاللَّهِ، وَتَرْكُهُ الْإِيمَانَ بِهِ، وَجُحُودُهُ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ، وَادِّعَاؤُهُ لِنَفْسِهِ الْأُلُوهَةَ، وَسَفْكُهُ الدِّمَاءَ بِغَيْرِ حِلِّهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ مُوسَى نَبِيِّهِ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَصَدَّقْتُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ.
﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ [يونس: 84] يَقُولُ: فَبِهِ فَثِقُوا، وَلِأَمْرِهِ فَسَلِّمُوا، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْذُلَ
وَلِيَّهُ وَيُسْلِمُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمَيْنَ﴾ [يونس: 84] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُذْعِنِينَ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: 89] أَيْ بِهِ وَثِقْنَا، وَإِلَيْهِ فَوَّضْنَا أَمْرَنَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ مُوسَى
أَنَّهُمْ دَعُوا رَبَّهُمْ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا لَا تَخْتَبِرْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، وَلَا
تَمْتَحِنْهُمْ بِنَا؛ يَعْنُونَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي سَأَلُوهُ رَبَّهُمْ مِنْ إِعَادَتِهِ ابْتِلَاءِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلُوهُ أَنْ لَا يُظْهِرَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا سُلِّطُوا عَلَيْهِمْ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَهَوَانِ الْآخَرِينَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] قَالَ: لَا يَظْهَرُوا عَلَيْنَا فَيَرَوْا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنَّا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] قَالَ: قَالُوا: لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيَرَوْا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنَّا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، " ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] قَالَ: لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَزْدَادُوا فِتْنَةً "
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] قَالَ: لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيُضِلُّونَا " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ.
وَقَالَ أَيْضًا فَيَفْتِنُونَا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوُ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا سُلِّطْنَا عَلَيْهِمْ وَلَا عُذِّبُوا، فَيُفْتَنُوا بِنَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] قَالَ: لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوُ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا سُلِّطْنَا عَلَيْهِمْ وَلَا عُذِّبُوا، فَيُفْتَتَنُوا بِنَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] قَالَ: لَا تُصِبْنَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ فَيُفْتَتَنُوا، وَيَقُولُوا: لَوُ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا سُلِّطْنَا عَلَيْهِمْ وَمَا عُذِّبُوا "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] لَا تَبْتَلِنَا رَبَّنَا فَتَجْهَدَنَا وَتَجْعَلُهُ فِتْنَةً لَهُمْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ.
وَقَرَأَ: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: 63] قَالَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُؤْمِنِينَ، وَيَرْمُونَهُمْ: أَلَيْسَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ، وَسُوءًا لَهُمْ؟ وَهِيَ بَلِيَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يُجِيرَهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِحْنَةً لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وَبَلَاءً، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ مَصَدَّةٌ عَنِ اتِّبَاعِ مُوسَى، وَالْإِقْرَارِ بِهِ وَبِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ فِتْنَةٌ،