تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 279-292

وَقَوْلِهِ ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 19] يَقُولُ: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْبِلَادِ كُلِّ مَقْطَعٍ

صفحات 279-292
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] إِلَى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] قَالَ: " لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا الرَّسُولَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَبَعَثَ بِالْوَحْيِ، سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتَ الْجَبَّارِ يَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ؛ فَلَمَّا كَشَفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ سَأَلُوا عَمَّا قَالَ اللَّهُ، فَقَالُوا: الْحَقَّ، وَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وَأَنَّهُ مُنْجِزُ مَا وَعَدَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَصَوْتُ الْوَحْيِ كَصَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا؛ فَلَمَّا سَمِعُوهُ خَرُّوا سُجَّدًا؛ فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 74]

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] الْآيَةَ، قَالَ: " الْوَحْيُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِذَا

قَضَاهُ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] قَالَ: " إِنَّ الْوَحْيَ إِذَا قَضَى فِي زَوَايَا السَّمَاءِ، قَالَ: مِثْلُ وَقْعِ الْفُولَاذِ عَلَى الصَّخْرَةِ، قَالَ: فَيُشْفَقُونَ، لَا يَدْرُونَ مَا حَدَثَ، فَيَفْزَعُونَ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِمُ الرُّسُلُ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ: الْمَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّمَا يُفَزَّعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَزَعُهُمْ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ الَّذِي يَقْضِيهِ حَذَرًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيَامَ السَّاعَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: 23] الْآيَةَ، قَالَ: " يُوحِي اللَّهُ إِلَى جَبْرَائِيلَ، فَتُفَرَّقَ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ تَفْزَعُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ، فَإِذَا جُلِّيَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ مَلَائِكَةِ السَّمَوَاتِ إِذَا مَرَّتْ بِهَا الْمُعَقِّبَاتُ فَزَعًا أَنْ يَكُونَ حَدَثَ أَمْرُ السَّاعَةِ "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] الْآيَةَ، زَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُعَقِّبَاتَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إِلَى الْأَرْضِ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ، إِذَا أَرْسَلَهُمُ الرَّبُّ فَانْحَدَرُوا سُمِعَ لَهُمُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، فَيَحْسِبُ الَّذِينَ هُمْ أَسْفَلُ مِنْهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ، فَخَرُّوا سُجَّدًا، وَهَكَذَا كُلَّمَا مُرُوا عَلَيْهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ خَوْفِ رَبِّهِمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يُفَزَّعُ الشَّيْطَانُ عَنْ قُلُوبِهِمْ؛ قَالَ: وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْمَنِيَّةِ بِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23] قَالَ: " فَزِعَ الشَّيْطَانُ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَفَارَقَهُمْ وَأَمَانِيهِمْ، وَمَا كَانَ يُضِلُّهُمْ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] قَالَ: وَهَذَا فِي بَنِي آدَمَ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَقَرُّوا بِهِ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِقْرَارُ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأْيِيدِهِ

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ، إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُشَّفَعَ عِنْدَهُ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُشَفَّعَ فَزِعَ لِسَمَاعِهِ إِذْنَهُ، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَجُلِّيَ عَنْهَا، وَكَشَفَ الْفَزَعَ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: الْحَقَّ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [سبأ: 23] عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴿الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] الَّذِي لَا شَيْءَ دُونَهُ.
وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ فَزِعَ فِي مَعْنَيَيْنِ، فَتَقُولُ لِلشُّجَاعِ الَّذِي بِهِ تَنْزِلُ الْأُمُورُ الَّتِي يُفْزَعُ مِنْهَا: وَهُوَ مُفْزَعٌ؛ وَتَقُولُ لِلْجَبَانِ الَّذِي يَفْزَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: إِنَّهُ لَمُفَزَّعُ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَقْضِي لَهُ النَّاسُ فِي الْأُمُورِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَنْ نَازِلَهُ فِيهَا: هُوَ مُغَلِّبُ؛ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ غَالِبًا؛ وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ أَيْضًا الَّذِي هُوَ مَغْلُوبٌ أَبَدًا: مُغَلَّبٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ أَجْمَعُونَ: ﴿فُزِّعَ﴾ [النمل: 89] بِالزَّايِ وَالْعَيْنِ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ وَرُوِي عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: (حَتَّى إِذَا فُرِّغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) بِالرَّاءِ وَالْغَيْنِ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وَقَدْ يَحْتَمِلُ تَوْجِيهُ مَعْنَى قِرَاءَةِ الْحَسَنِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، إِلَى حَتَّى إِذَا فُرِّغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَصَارَتْ فَارِغَةً مِنَ الْفَزَعِ الَّذِي كَانَ حَلَّ بِهَا ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: فُزِّعَ بِمَعْنَى: كَشَفَ اللَّهُ الْفَزَعَ عَنْهَا

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ الْقِرَاءَةُ بِالزَّايِ وَالْعَيْنِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهَا، وَلِصِحَّةِ الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأْيِيدِهَا، وَالدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ: مَنْ يَرْزُقُّكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِإِنْزَالِهِ الْغَيْثَ عَلَيْكُمْ

مِنْهَا حَيَاةً لِحُرُوثِكُمْ، وَصَلَاحًا لِمَعَايِشِكُمْ، وَتَسْخِيرِهِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ لِمَنَافِعِكُمْ، وَمَنَافِعِ أَقْوَاتِكُمْ، وَالْأَرْضَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا أَقْوَاتَكُمْ وَأَقْوَاتَ أَنْعَامَكُمْ؟ وَتَرَكَ الْخَبَرُ عَنْ جَوَّابِ الْقَوْمِ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَهُ، وَهُوَ: فَإِنْ قَالُوا: لَا نَدْرِي، فَقُلِ: الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ذَلِكَ اللَّهُ، ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: 24] أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24] يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّا لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ، أَوِ انَّكُمْ عَلَى ضَلَالٍ أَوْ هُدًى وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ: «قَدْ قَالَ ذَلِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَاللَّهُ مَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، إِنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ لَمُهْتَدٍ» وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِنَّا لَعَلَى هُدًى، وَإِنَّكُمْ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّهِيدِيُّ، قَالَ: ثنا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَزِيَادٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24] قَالَ: «إِنَّا لَعَلَى هُدًى؛ وَإِنَّكُمْ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: لَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ شَكٌّ، وَلَكِنْ هَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُهْتَدِي، قَالَ: وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أَحَدُنَا ضَارِبُ صَاحِبِهِ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ إِشْكَالٌ عَلَى السَّامِعِ أَنَّ الْمَوْلَىَ هُوَ الضَّارِبُ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّا لَعَلَى هُدًى، وَإِنَّكُمْ إِيَّاكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ أَوْ فِي مَوْضِعِ وَاوِ الْمُوَالَاةِ، قَالَ جَرِيرٌ: [البحر الوافر]

أَثَعْلَبَةُ الْفَوَارِسِ أَوْ رِيَاحًا ... عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ وَالْخِشَابَا قَالَ: يَعْنِي ثَعْلَبَةً وَرِيَاحًا، قَالَ: وَقَدْ تَكَلَّمَ بِهَذَا مَنْ لَا يُشَكُّ فِي دِينِهِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى، وَأُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ، فَيُقَالُ: هَذَا وَإِنْ كَانَ كَلَامًا وَاحِدًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ، فَقَالَ: هَذَا لَهُمْ، وَقَالَ: [البحر الوافر] فَإِنْ يَكُنْ حُبُّهُمْ رُشْدًا أُصِبْهُ ... وَلَسْتُ بِمُخْطِئٍ إِنْ كَانَ غَيًّا وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِيِّ الْكُوفَةِ: مَعْنَى أَوْ مَعْنَى الْوَاوِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْمَعْنَى غَيْرُ أَنَّ الْقَرِينَةَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَا تَكُونُ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ فِي الْأَمْرِ الْمُفَوَّضِ، كَمَا تَقُولُ: إِنْ شِئْتَ فَخُذْ دِرْهَمًا أَوِ اثْنَيْنِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثَلَاثَةً.
قَالَ: وَهُوَ فِي قَوْلِ مَنْ لَا يُبْصِرُ الْعَرَبِيَّةَ، وَيَجْعَلُ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثَلَاثَةً، لِأَنَّهُ فِي قَوْلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: خُذْ دِرْهَمًا أَوِ اثْنَيْنِ؛ قَالَ: وَالْمَعْنَى فِي ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: 24] إِنَّا لَضَالُّونَ أَوْ مُهْتَدُونَ، وَإِنَّكُمْ أَيْضًا لَضَالُّونَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَهُ الْمُهْتَدِي، وَأَنَّ غَيْرُهُ الضَّالُّ.
قَالَ: وَأَنْتَ تَقُولُ فِي الْكَلَامِ لِلرَّجُلِ يُكَذِّبُكَ وَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا لَكَاذِبٌ،

وَأَنْتَ تَعْنِيهِ، وَكَذَّبَتْهُ تَكْذِيبًا غَيْرَ مَكْشُوفٍ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ، أَنْ يُوَجِّهَ الْكَلَامَ إِلَى أَحْسَنِ مَذَاهِبِهِ، إِذَا عُرِفَ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِمَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَدِمَ فُلَانٌ، وَهُوَ كَاذِبٌ، فَيَقُولُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ قُلْ: فِيمَا أَظُنُّ، فَيُكَذِّبُهُ بِأَحْسَنِ تَصْرِيحِ التَّكْذِيبِ.
قَالَ: وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا: قَاتَلَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِحُ فَيَقُولُونَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، وَكَاتَعَهُ اللَّهُ قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ: وَيْحَكَ، وَوَيْسَكَ، إِنَّمَا هِيَ فِي مَعْنَى: وَيْلُكَ، إِلَّا أَنَّهَا دُونَهَا وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِتَكْذِيبِ مَنْ أَمَرَهُ بِخِطَابِهِ بِهَذَا الْقَوْلِ بِأَجْمَلِ التَّكْذِيبِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبٍ لَهُ يُخَاطِبُهُ، وَهُوَ يُرِيدُ تَكْذِيبَهُ فِي خَبَرٍ لَهُ: أَحَدُنَا كَاذِبٌ، وَقَائِلٌ ذَلِكَ يَعْنِي صَاحِبَهُ، لَا نَفْسَهُ؛ فَلِهَذَا الْمَعْنَى صُيِّرَ الْكَلَامُ بِأَوْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 26] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: أَحَدُ فَرِيقَيْنَا عَلَى هُدًى وَالْآخَرُ عَلَى ضَلَالٍ، لَا تُسْأَلُونَ أَنْتُمْ

عَمَّا أَجْرَمْنَا نَحْنُ مِنْ جُرْمٍ، وَرَكِبْنَا مِنْ إِثْمٍ، وَلَا نُسْأَلُ نَحْنُ عَمَّا تَعْمَلُونَ أَنْتُمْ مِنْ عَمَلٍ، قُلْ لَهُمْ: يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَهُ، ثُمَّ يُفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ.
يَقُولُ: ثُمَّ يَقْضِي بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَيَتَبَيَّنُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُهْتَدِي مِنَّا مِنَ الضَّالِّ ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 26] يَقُولُ: وَاللَّهُ الْقَاضِي الْعَلِيمُ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، لِأَنَّهُ لَا تَخْفَى عَنْهُ خَافِيَةٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شُهُودٍ تُعَرِّفُهُ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ [سبأ: 26] «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ﴿ثُمَّ يُفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ: 26] «أَيْ يَقْضِي بَيْنَنَا»

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 26] يَقُولُ: «الْقَاضِي»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَصْنَامَ: أَرُونِي أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ

أَلْحَقْتُمُوهُمْ بِاللَّهِ فَصَيَّرْتُمُوهُمْ لَهُ شُرَكَاءَ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُمْ: مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ﴿كَلَّا﴾ [النساء: 130] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَذَبُوا، لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفُوا، وَلَا كَمَا جَعَلُوا وَقَالُوا مِنْ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، بَلْ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ، الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ أَشْرَكَ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ، الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكِ خَاصَّةً، وَلَكِنَّا أَرْسَلْنَاكَ كَافَّةً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، الْعَرَبِ مِنْهُمْ وَالْعَجَمِ، وَالْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، بَشِيرًا مَنْ

أَطَاعَكَ، وَنَذِيرًا مَنْ كَذَّبَكَ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187] أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ كَذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28] قَالَ: «أَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا إِلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ لَهُ» ذَكَرَ لَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَنَا سَابِقُ الْعَرَبِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ، وَبِلَالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ فَارِسَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ إِذَا سَمِعُوا وَعِيدَ اللَّهِ الْكُفَّارَ وَمَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ فِي مَعَادِهِمْ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾

[يونس: 48] جَائِيًا، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ هُوَ كَائِنٌ ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ [البقرة: 23] فِيمَا تَعِدُونَنَا مِنْ ذَلِكَ ﴿صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] أَنَّهُ كَائِنٌ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿لَكُمْ﴾ [البقرة: 22] أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ [سبأ: 30] هُوَ آتِيكُمْ ﴿لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ﴾ [سبأ: 30] إِذَا جَاءَكُمْ ﴿سَاعَةً﴾ [الأعراف: 34] فَتَنْظُرُوا لِلتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ ﴿وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: 30] قِبَلَهُ بِالْعَذَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَكُمْ ذَلِكَ أَجَلًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [إبراهيم: 13] مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ:

﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ: 31] الَّذِي جَاءَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِالْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: 31] قَالَ: " قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ، وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ وَالْأَنْبِيَاءِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: 31] يَتَلَاوَمُونَ، يُحَاوِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَقُولُ الْمُسْتَضْعَفُونَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لِلَّذِينَ كَانُوا عَلَيْهِمْ فِيهَا يَسْتَكْبِرُونَ: لَوْلَا أَنْتُمْ أَيُّهَا الرُّؤَسَاءُ وَالْكُبَرَاءُ فِي الدُّنْيَا لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [الأعراف: 76] فِي الدُّنْيَا، فَرَأَسُوا فِي الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [الأعراف: 75] فِيهَا فَكَانُوا أَتْبَاعًا لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ مِنْهُمْ إِذْ قَالُوا

لَهُمْ: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] ، ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ: 32] وَمَنَعْنَاكُمْ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ: 32] مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: 32] فَمَنَعَكُمْ إِيثَارُكُمُ الْكُفْرَ بِاللَّهِ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ اتِّبَاعِ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا

يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ: 33] مِنَ الْكَفَرَةِ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، فَكَانُوا أَتْبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [إبراهيم: 21] فِيهَا، فَكَانُوا لَهُمْ رُؤَسَاءَ ﴿بَلْ مَكْرُ﴾ [سبأ: 33] كَمْ لَنَا بِـ ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 164] صَدَّنَا عَنِ الْهُدَى ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ﴾ [سبأ: 33] أَمْثَالًا وَأَشْبَاهًا فِي الْعِبَادَةِ وَالْأُلُوهَةِ؛ فَأُضِيفَ الْمَكْرُ إِلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَكْرِ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِالْمُسْتَضْعَفِينَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، عَلَى اتِّسَاعِ الْعَرَبِ فِي الَّذِي قَدْ عَرَفَ مَعْنَاهَا فِيهِ مِنْ مَنْطِقِهَا، مِنْ نَقْلِ صِفَةِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ، فَتَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا فُلَانُ نَهَارُكَ صَائِمٌ وَلَيْلُكَ قَائِمٌ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَنِمْتِ وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ مَضَى بَيَانًا لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: 33] يَقُولُ: «بَلْ مَكْرُكُمْ بِنَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَيُّهَا الْعُظَمَاءُ الرُّؤَسَاءُ حَتَّى أَزَلْتُمُونَا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ»

وَقَدْ ذُكِرَ فِي تَأْوِيلِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33] قَالَ: «مَرُّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»

جارٍ التحميل