تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 340-355

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا

صفحات 340-355
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ , قَالَ: ثنا هَمَّامٌ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنْ يَهُودِيًّا , قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ , فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَتَلَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» قَالُوا: فَأَقَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَاتِلٍ بِحَجَرٍ وَذَلِكَ غَيْرُ حَدِيدٍ.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِشَيْءٍ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِثْلَ الْمَقْتُولِ بِهِ , نَظِيرُ حُكْمِ الْيَهُودِيِّ الْقَاتِلِ الْجَارِيَةَ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَنْ

ضَرَبَ إِنْسَانًا بِشَيْءٍ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ يُتْلِفُهُ , فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ حَتَّى أَتْلَفَ نَفْسَهُ بِهِ أَنَّهُ قَاتِلُ عَمْدٍ مَا كَانَ الْمَضْرُوبُ بِهِ مِنْ شَيْءٍ؛ لِلَّذِي ذَكَرْنَا مِنَ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ إِنْ جَازَاهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] قَالَ: «هُوَ جَزَاؤُهُ , وَإِنْ شَاءَ تَجَاوَزَ عَنْهُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] قَالَ: «جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ إِنْ جَازَاهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: عَنِّي بِذَلِكَ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ كَانَ أَسْلَمَ , فَارْتَدَّ عَنْ إِسْلَامِهِ وَقَتَلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا؛ قَالُوا: فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مُسْتَحِلًّا قَتْلُهُ , فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ

خَالِدًا فِيهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ رَجُلًا , مِنَ الْأَنْصَارِ قَتَلَ أَخَا مِقْيَسِ بْنِ ضَبَابَةَ , فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّيَةَ فَقَبِلَهَا , ثُمَّ وَثَبَ عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَتَهُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ , ثُمَّ بَعَثَ مِقْيَسًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِي حَاجَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاحْتَمَلَ مِقْيَسٌ الْفِهْرِيَّ وَكَانَ أَيِّدًا , فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ , وَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ , ثُمَّ أُلْفِيَ يَتَغَنَّى: [البحر الطويل]

قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرَاةَ ... بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ فَقَالَ النَّبِيُّ: «أَظُنُّهُ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا , أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ فَعَلَ لَا أُؤَمِّنُهُ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ , وَلَا سِلْمٍ وَلَا حَرْبٍ» فَقُتِلَ يَوْمَ الْفَتْحِ؛ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] الْآيَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا مَنْ تَابَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ , أَوْ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ , وَلَا تَوْبَةَ لَهُ.
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ , فَقَالَ: إِلَّا مَنْ نَدِمَ " وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ إِيجَابٌ مِنَ اللَّهِ الْوَعِيدِ لِقَاتِلِ الْمُؤْمِنِ مُتَعَمِّدًا كَائِنًا مَنْ كَانَ الْقَاتِلُ , عَلَى مَا وَصَفَهُ فِي كِتَابِهِ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ تَوْبَةً مِنْ فِعْلِهِ.
قَالُوا: فَكُلُّ قَاتِلِ مُؤْمِنٍ عَمْدًا فَلَهُ مَا أَوْعَدَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ , وَلَا تَوْبَةَ لَهُ.
وَقَالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ يَحْيَى الْجَابِرِ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ مَا كُفَّ بَصَرُهُ , فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَنَادَاهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ , مَا تَرَى فِي رَجُلٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؟ فَقَالَ: جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا , وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ , وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.
قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ , وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ وَالْهُدَى , فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " ثَكِلَتْهُ

أُمُّهُ , رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا مُتَعَمِّدًا , جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذًا بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ , تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا , فِي قُبُلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ , يَلْزَمُ قَاتِلَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي «. وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَمَا نَسَخَتْهَا مِنْ آيَةٍ حَتَّى قُبِضَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا نَزَلَ بَعْدَهَا مِنْ بُرْهَانٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ

الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93] فَقِيلَ لَهُ: وَإِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا؟ فَقَالَ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ: ثنا هَمَّامُ عَنْ يَحْيَى , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ سَالِمٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا أَيْنَ مَنْزِلُهُ؟ قَالَ: جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا , وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ , وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.
قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ هُوَ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ: وَأَنَّى لَهُ الْهُدَى ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ.
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَسَمِعْتُهُ يَقُولُ , يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَلَّقًا رَأْسُهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ , إِمَّا بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ , آخِذًا صَاحِبَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ حِيَالَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ عَبْدَكَ هَذَا عَلَامَ قَتَلَنِي؟ «فَمَا جَاءَ نَبِيُّ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ , وَلَا نَزَلَ كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِكُمْ» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ زُرَيْقٍ , عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَى نَبِيِّكُمْ ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ , وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِقَاتِلِ الْمُؤْمِنِ , يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذًا رَأْسَهُ بِيَدِهِ» ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي بِشْرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68] قَالَ: «نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ , عَنْ زَائِدَةَ , عَنْ مَنْصُورٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - أَوْ حُدِّثْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبْزَى , أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ , عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الَّتِي , فِي النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ , وَالَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68] إِلَى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 69] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ فِي الْإِسْلَامِ وَعَلِمَ شَرَائِعَهُ وَأَمَرَهُ ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَلَا تَوْبَةَ لَهُ.
وَأَمَّا

الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ , فَإِنَّهَا لَمَّا أُنْزِلَتْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَآتَيْنَا الْفَوَاحِشَ , فَمَا يَنْفَعُنَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: 60] الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 93] قَالَ: «مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنِ الْمُغِيرَةِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «هِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَتْ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ , فَدَخَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ , فَقَالَ: «لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا نَسخَهَا شَيْءٌ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , قَالَ: ثنا أَبُو إِيَاسَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ , يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: 70] بِسَنَةٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] قَالَ: " نَزَلَتْ بَعْدَ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: 60] بِسَنَةٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: ثنا أَبُو إِيَاسَ قَالَ: ثني مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ , فَقُلْتُ لِأَبِي إِيَاسَ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ فَقَالَ: شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] قَالَ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ تَوْبَةٌ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] الْآيَةُ قَالَ عَطِيَّةُ: وَسُئِلَ عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ , فَزَعَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ بِثَمَانِ سِنِينَ , وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 23] "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ مُطَرِّفٍ , عَنْ أَبِي السَّفَرِ , عَنْ نَاجِيَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " هُمَا الْمُبْهَمَتَانِ: الشِّرْكُ , وَالْقَتْلُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ الْكُوفِيِّينَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ مَسْرُوقٍ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] قَالَ: «إِنَّهَا لَمُحْكَمَةٌ , وَمَا تَزْدَادُ إِلَّا شِدَّةً»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: ثني هَيَّاجُ بْنُ بِسْطَامٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ بَعْدَ سُورَةِ الْفُرْقَانِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ: ثني أَبُو صَخْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَأْتِي الْمَقْتُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذًا رَأْسَهُ بِيَمِينِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا , يَقُولُ: يَا رَبِّ

دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
فيُؤْخَذَانِ فَيُسْنَدَانِ إِلَى الْعَرْشِ , فَمَا أَدْرِي مَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93] الْآيَةُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا نَسَخَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مُنْذُ أَنْزَلَهَا عَلَى نَبِيِّكُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا , يُحَدِّثُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَاكَ , يَقُولُ: نَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الْهَيِّنَةِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ , بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا , يُحَدِّثُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَاكَ , فِي هَذَا الْمَكَانِ بِمِنًى يَقُولُ: نَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الْهَيِّنَةِ قَالَ: أُرَاهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ , يَعْنِي: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] بَعْدَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ , قَالَ: «مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ مُنْذُ نَزَلَتْ , وَلَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ إِنْ جَزَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا , وَلَكِنَّهُ يَعْفُو أَوْ يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ , فَلَا يُجَازِيهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا , وَلَكِنَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ بِفَضْلِهِ فَلَا يُدْخِلُهُ النَّارَ , وَإِمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِمَا سَلَفَ مِنْ وَعْدِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْقَاتِلَ إِنْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ , فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُ دَاخِلَا فِيهِ , لِأَنَّ الشِّرْكَ مِنَ الذُّنُوبِ , فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ غَيْرُ غَافِرٍ الشِّرْكَ لِأَحَدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] وَالْقَتْلُ دُونَ الشِّرْكِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إَنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 94] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ

بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ , فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 94] يَقُولُ: " إِذَا سِرْتُمْ مَسِيرًا لِلَّهِ فِي جِهَادِ أَعْدَائِكُمْ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94] يَقُولُ: " فَتَأَنَّوْا فِي قَتْلِ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ أَمْرُهُ , فَلَمْ تَعْلَمُوا حَقِيقَةَ إِسْلَامِهِ وَلَا كُفْرَهِ , وَلَا تَعْجَلُوا فَتَقْتُلُوا مَنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ أَمْرُهُ , وَلَا تَتَقَدَّمُوا عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى قَتْلِ مَنْ عَلِمْتُمُوهُ يَقِينًا حَرْبًا لَكُمْ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: 94] يَقُولُ: " وَلَا تَقُولُوا لِمَنِ اسْتَسْلَمَ لَكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلْكُمْ , مُظْهِرًا لَكُمْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ وَدَعْوَتِكُمْ ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94] فَتَقْتُلُوهُ ابْتِغَاءَ عَرَضِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , يَقُولُ: طَلَبَ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , فَإِنَّ عِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمَ كَثِيرَةً مِنْ رِزْقِهِ وَفَوَاضِلِ نِعَمِهِ , فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ

فَأَثَابَكُمْ بِهَا عَلَى طَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ , فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: 94] يَقُولُ: " كَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ فَقُلْتَ لَهُ لَسْتَ مُؤْمِنًا فَقَتَلْتُمُوهُ , كَذَلِكَ أَنْتُمْ مِنْ قَبْلُ , يَعْنِي: مِنْ قَبْلِ إِعْزَازِ اللَّهِ دِينَهُ بِتُبَّاعِهِ وَأَنْصَارِهِ , تَسْتَخْفُونَ بِدِينِكُمْ كَمَا اسْتَخْفَى هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ , وَأَخَذْتُمْ مَالَهُ بِدِينِهِ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يُظْهِرَهُ لَهُمْ حَذَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: 94] كُنْتُمْ كُفَّارًا مِثْلَهُمْ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 94] يَقُولُ: " فَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِإِعْزَازِ دِينِهِ بِأَنْصَارِهِ وَكَثْرَةِ تُبَّاعِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ قَتْلِكُمْ هَذَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ , وَأَخَذْتُمْ مَالَهُ بَعْدَ مَا أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94] يَقُولُ: " فَلَا تَعْجَلُوا بِقَتْلِ مَنْ أَرَدْتُمْ قَتْلَهُ مِمَّنِ الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ أَمْرُ إِسْلَامِهِ , فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ الَّذِي مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ , وَهَدَاهُ لِمِثْلِ الَّذِي هَدَاكُمْ لَهُ مِنَ الْإِيمَانِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 94] يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِقَتْلِكُمْ مَنْ تَقْتُلُونَ وَكَفِّكُمْ عَمَّنْ تَكُفُّونَ عَنْ قَتْلِهِ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ وَأُمُورِ غَيْرِكُمْ ﴿خَبِيرًا﴾ [النساء: 35] يَعْنِي: ذَا خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ بِهِ , يَحْفَظُهُ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ , حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَكُمْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَزَاءَ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءِ بِإِسَاءَتِهِ.

وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبِ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ , أَوْ بَعْدَ مَا شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ , أَوْ بَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ , لِغَنِيمَةٍ كَانَتْ مَعَهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ , فَأَخَذُوهُ مِنْهُ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ وَالْآثَارِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ نَافِعٍ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ , قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ مَبْعَثًا , فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ , فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ , وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ إِحْنَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , فَرَمَاهُ مُحَلِّمٌ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ.
فَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَكَلَّمَ فِيهِ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ , فَقَالَ الْأَقْرَعُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , سُنَّ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا.
فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا وَاللَّهُ حَتَّى تَذُوقَ نِسَاؤُهُ مِنَ الثُّكْلِ مَا ذَاقَ نِسَائِي.
فَجَاءَ مُحَلِّمٌ فِي بُرْدَيْنِ , فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ لَيَسْتَغْفِرَ لَهُ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ» فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ , فَمَا مَضَتْ بِهِ سَابِعَةٌ حَتَّى مَاتَ وَدَفَنُوهُ , فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ.
فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ: «إِنَّ الْأَرْضَ تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ صَاحِبِكُمْ , وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ» ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ , وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْحِجَارَةِ , وَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ

اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ , عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ , عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ , قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِضَمَ , فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ.
فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَمَ , مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ.
فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سَلَّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ , فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ , وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ , فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَمُتَيِّعَهُ , فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَنَاهُ الْخَبَرَ , نَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94] الْآيَةُ " حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ ,

جارٍ التحميل