تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32] تَقُولُ: مَا كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْرًا فِي ذَلِكَ حَتَّى تَشْهَدُونِ، فَأُشَاوِرَكُمْ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32] تَقُولُ: مَا كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْرًا فِي ذَلِكَ حَتَّى تَشْهَدُونِ، فَأُشَاوِرَكُمْ فِيهِ.

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " دَعَتْ قَوْمَهَا تُشَاوِرُهُمْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي، مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32] يَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا كُنْتُ لِأَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ وَلَا كُنْتُ لِأَقْضِيَ أَمْرًا، فَلِذَلِكَ قَالَتْ: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ [النمل: 32] بِمَعْنَى: قَاضِيَةً "

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ مَلِكَةِ سَبَأَ، إِذْ شَاوَرَتْهُمْ فِي أَمَرِهَا وَأَمْرِ سُلَيْمَانَ: نَحْنُ ذَوُو الْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ، وَالْبَأْسِ الشَّدِيدِ فِي الْحَرْبِ، وَالْأَمْرُ أَيَّتُهَا الْمَلِكَةُ إِلَيْكِ فِي الْقِتَالِ وَفِي تَرْكِهِ، فَانْظُرِي مِنَ الرَّأْيِ مَا تَرَيْنَ، فَمُرِينَا

نَأْتَمِرْ لِأَمْرِكِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عَرَضُوا لَهَا الْقِتَالَ، يُقَاتِلُونَ لَهَا، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ بَعْدَ هَذَا، ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: 33] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ

مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَ مَعَ مَلِكَةِ سَبَأَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قُيُولٍ، مَعَ كُلِّ قُيُولٍ مِائَةَ أَلْفٍ»

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ مَعَ بِلْقِيسَ مِائَةُ أَلْفِ قَيْلٍ، مَعَ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ أَلْفٍ»

قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: " كَانَتْ تَحْتَ يَدِ مَلِكَةِ سَبَأَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ قُيُولٍ؛ وَالْقُيُولُ بِلِسَانِهِمُ: الْمَلِكُ تَحْتَ يَدِ كُلِّ مَلَكٍ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ صَاحِبَةُ سَبَأَ لِلْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهَا، إِذْ عَرَضُوا عَلَيْهَا أَنْفُسَهُمْ لِقِتَالِ سُلَيْمَانَ، إِنْ أَمَرَتْهُمْ بِذَلِكَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: 34] عَنْوَةً وَغَلَبَةً ﴿أَفْسَدُوهَا﴾

[النمل: 34] يَقُولُ: خَرَّبُوهَا ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: 34] وَذَلِكَ بِاسْتِعْبَادِهِمُ الْأَحْرَارَ، وَاسْتِرْقَاقِهِمْ إِيَّاهُمْ؛ وَتَنَاهَى الْخَبَرُ مِنْهَا عَنِ الْمُلُوكِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَمَا قَالَتْ صَاحِبَةُ سَبَأَ تَفْعَلُ الْمُلُوكُ، إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً عَنْوَةً.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: 34] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا عَنْوَةً "

حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: 34] قَالَ: إِذَا دَخَلُوهَا عَنْوَةً خَرَّبُوهَا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: 34] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ.
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ، فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ، بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ.
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: 36] ذُكِرَ أَنَّهَا

قَالَتْ: إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَى سُلَيْمَانَ، لِتَخْتَبِرَهُ بِذَلِكَ وَتَعْرِفَهُ بِهِ، أَمَلِكٌ هُوَ، أَمْ نَبِيُّ؟ وَقَالَتْ: إِنْ يَكُنْ نَبِيًّا لَمْ يَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ، وَلَمْ يَرْضَهُ مِنَّا إِلَّا أَنْ نَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا قَبِلَ الْهَدِيَّةَ وَانْصَرَفَ.

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَتْ: " ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35] قَالَ: وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِوَصَائِفَ وَوُصَفَاءَ، وَأَلْبَسَتْهُمْ لِبَاسًا وَاحِدًا حَتَّى لَا يُعْرَفُ ذَكَرٌ مِنْ أُنْثَى، فَقَالَتْ: إِنْ زَيَّلَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ الذَّكَرَ مِنَ الْأُنْثَى، ثُمَّ رَدَّ الْهَدِيَّةَ فَإِنَّهُ نَبِيُّ، وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُكَ مُلْكَنَا، وَنَتَّبِعَ دِينَهُ، وَنَلْحَقَ بِهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: 35] قَالَ: بِجَوَارٍ لِبَاسُهُمْ لِبَاسُ الْغِلْمَانِ، وَغِلْمَانٌ لِبَاسُهُمْ لِبَاسُ الْجَوَارِي "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَوْلُهَا: " ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: 35] قَالَ: مِائَتَيْ غُلَامٍ وَمِائَتَيْ جَارِيَةٍ "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: " ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: 35] قَالَ: جَوَارٍ أَلْبَسَتْهُنَّ لِبَاسَ الْغِلْمَانِ، وَغِلْمَانٌ أَلْبَسَتْهُمْ لِبَاسَ الْجَوَارِي "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ: «فَإِنْ خَلَّصَ الْجَوَارِي مِنَ الْغِلْمَانِ، وَرَدَّ الْهَدِيَّةَ فَإِنَّهُ نَبِيُّ، وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّبِعَهُ» .

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: «فَخَلَّصَ سُلَيْمَانُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّتَهَا»

قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: «أَهْدَتْ لَهُ صَفَائِحَ الذَّهَبِ فِي أَوْعِيَةِ الدِّيبَاجِ؛ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ أَمَرَ الْجِنَّ فَمَوَّهُوا لَهُ الْآجُرَّ بِالذَّهَبِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي الطُّرُقِ؛ فَلَمَّا جَاءُوا فَرَأَوْهُ مُلْقًى مَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، صَغُرَ فِي أَعْيُنِهِمْ مَا جَاءُوا بِهِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: 34] . . الْآيَةَ، وَقَالَتْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنْ كَانَ إِنَّمَا هِمَّتْهُ الدُّنْيَا فَسَنُرْضِيهِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ الدِّينَ فَلَنْ يَقْبَلَ غَيْرَهُ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " كَانَتْ بِلْقِيسُ امْرَأَةً لَبِيبَةً أَدِيبَةً فِي بَيْتِ مُلْكٍ، لَمْ تَمْلِكْ إِلَّا لِبَقَايَا مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِهَا، إِنَّهُ قَدْ سَيَّسَتْ وَسَاسَتْ حَتَّى أَحْكَمَهَا ذَلِكَ، وَكَانَ دِينُهَا وَدِينُ قَوْمِهَا فِيمَا ذُكِرَ الزِّنْدِيقِيَّةَ؛ فَلَمَّا قَرَأَتِ الْكِتَابَ سَمِعَتْ كِتَابًا لَيْسَ مِنْ كُتُبِ الْمُلُوكِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى الْمُقَاوِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ.
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 30] إِلَى قَوْلِهِ ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35] ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَابٌ لَمْ يَأْتِنِي مِثْلُهُ مِنْ مَلَكٍ مِنَ

الْمُلُوكِ قَبْلَهُ، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَلَا قُوَّةَ، وَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ مَلِكًا يُكَاثِرُ، فَلَيْسَ بِأَعَزَّ مِنَّا وَلَا أَعَدَّ.
فَهَيَّأَتْ هَدَايَا مِمَّا يُهْدَى لِلْمُلُوكِ، مِمَّا يُفْتَنُونَ بِهِ، فَقَالَتْ: إِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَسَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيَرْغَبُ فِي الْمَالِ، وَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَلَيْسَ لَهُ فِي الدُّنْيَا حَاجَةٌ، وَلَيْسَ إِيَّاهَا يُرِيدُ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ نَدْخُلَ مَعَهُ فِي دِينِهِ، وَنَتَّبِعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، أَوْ كَمَا قَالَتْ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: 35] بَعَثَتْ بِوَصَائِفَ وَوُصَفَاءَ، لِبَاسُهُمْ لِبَاسٌ وَاحِدٌ، فَقَالَتْ: إِنْ زَيَّلَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ الذَّكَرَ مِنَ الْأُنْثَى، ثُمَّ رَدَّ الْهَدِيَّةَ فَهُوَ نَبِيٌّ، وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّبِعَهُ، وَنَدْخُلَ فِي دِينِهِ؛ فَزَيَّلَ سُلَيْمَانُ بَيْنَ الْغِلْمَانِ وَالْجَوَارِي، وَرَدَّ الْهَدِيَّةَ، فَقَالَ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ، فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36] "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " كَانَ فِي الْهَدَايَا الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا وَصَائِفُ وَوُصَفَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي ثِيَابِهِمْ لِتَمْيِيزِ الْغِلْمَانِ مِنَ الْجَوَارِي، قَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ، فَجَعَلَ الْجَوَارِي يَتَوَضَّأْنَ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى أَسْفَلَ، وَجَعَلَ الْغِلْمَانُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى فَوْقٍ ". قَالَ: وَكَانَ أَبِي يُحَدِّثُنَا هَذَا الْحَدِيثَ

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " ﴿وَإِنِّي مُرْسَلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: 35] قَالَ: أَرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَتْ: إِنْ

كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا عَلِمْتُهُ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الْآخِرَةَ عَلِمْتُهُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35] تَقُولُ: فَأَنْظُرَ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ خَبَرِهِ وَفِعْلِهِ فِي هَدِيَّتِي الَّتِي أُرْسِلُهَا إِلَيْهِ تُرْجِعُ رُسُلِي، أَبِقَبُولٍ وَانْصِرَافٍ عَنَّا، أَمْ بِرَدِّ الْهَدِيَّةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى مُطَالَبَتِنَا بِاتِّبَاعِهِ عَلَى دِينِهِ؟ وَأُسْقِطَتِ الْأَلْفُ مِنْ «مَا» فِي قَوْلِهِ ﴿بِمَ﴾ [النمل: 35] وَأَصْلُهُ: بِمَا، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا كَانَتْ «مَا»

بِمَعْنَى أَيٍّ، ثُمَّ وَصَلُوهَا بِحَرْفٍ خَافِضٍ أَسْقَطُوا أَلِفَهَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: 1] , وَ ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: 97] ، وَرُبَّمَا أَثْبَتُوا فِيهَا الْأَلْفَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] عَلَامَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ... كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي تُرَابِ وَقَالَتْ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: 35] وَإِنَّمَا أَرْسَلَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ وَحْدَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: 83]

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: 36] إِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: 36] فَجَعَلَ الْخَبَرَ فِي مَجِيءِ سُلَيْمَانَ عَنْ وَاحِدٍ، وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35] فَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ كَانَ وَاحِدًا، فَكَيْفَ قِيلَ ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35] وَإِنَّ كَانُوا جَمَاعَةً فَكَيْفَ قِيلَ: {فَلَمَّا جَاءَ

سُلَيْمَانَ} [النمل: 36] ؟ قِيلَ: هَذَا نَظِيرُ مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ إِظْهَارِ الْعَرَبِ الْخَبَرَ فِي أَمْرٍ كَانَ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنْ شَخَصٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، يُشَارُ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَسُمِّيَ فِي الْخَبَرِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الرَّسُولَ الَّذِي وَجَّهَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأَ إِلَى سُلَيْمَانَ كَانَ امْرَءًا وَاحِدًا، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: 36] يُرَادُ بِهِ: فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ سُلَيْمَانَ؛ وَاسْتَدَلَّ قَائِلُو ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِ سُلَيْمَانَ لِلرَّسُولِ: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: 37] وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (فَلَمَّا جَاءُوا سُلَيْمَانَ) عَلَى الْجَمْعِ، وَذَلِكَ لِلَّفْظِ قَوْلُهُ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35] فَصَلُحَ الْجَمْعُ لِلَّفْظِ وَالتَّوْحِيدُ لِلْمَعْنَى.

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: 36] يَقُولُ: قَالَ سُلَيْمَانُ لَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِهَدَايَاهَا: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (أَتُمِدُّونَنِي) ، بِنُونَيْنِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ مِثْلَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ حَذَفَ الْيَاءَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ

وَكَسَرَ النُّونَ الْأَخِيرَةَ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ بِنُونَيْنِ، وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَحَذْفِهَا فِي الْوَقْفِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مُتَقَارِبَاتٌ وَجَمِيعُهَا صَوَابٌ، لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ فِي لُغَاتِ الْعَرَبِ، مَشْهُورَةٌ فِي مَنْطِقِهَا.

جارٍ التحميل