تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 468-479

﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾

صفحات 468-479
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] قَالَ: «بِعِجْلٍ» حَسِيلِ الْبَقَرِ، وَالْحَنِيذُ: الْمَشْوِيُّ النَّضِيجُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: 69] إِلَى ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] قَالَ: نَضِيجٍ سُخْنٍ أُنْضِجَ بِالْحِجَارَةِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] وَالْحَنِيذُ: النَّضِيجُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] قَالَ: نَضِيجٍ " قَالَ: وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: وَالْحَنِيذُ: الَّذِي يُحْنَذُ فِي الْأَرْضِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] قَالَ: الْحَنِيذُ: الَّذِي يَقْطُرُ مَاءً وَقَدْ شُوِيَ.
وَقَالَ حَفْصٌ: الْحَنِيذُ: مِثْلُ حَنَاذُ الْخَيْلِ

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «ذَبَحَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ فَهُوَ الْحَنِيذُ حِينَ شَوَاهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، " ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] قَالَ: الْمَشْوِيُّ الَّذِي يَقْطُرُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: «الْحَنِيذُ الَّذِي يَقْطُرُ مَاؤُهُ وَقَدْ شُوِيَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، " ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] قَالَ: نَضِيجٍ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] الَّذِي أُنْضِجَ بِالْحِجَارَةِ "

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، " ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] قَالَ: مَشْوِيُّ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: «حَنِيذٍ، يَعْنِي شُوِيَ»

ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " الْحَنَاذُ: الْإِنْضَاجُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَهْلِ التَّفْسِيرِ، مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمَوْضِعُ «أَنْ» فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] نُصِبَ بِقَوْلِهِ: «فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمَ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَى الْعِجْلِ الَّذِي أَتَاهُمْ

بِهِ وَالطَّعَامِ الَّذِي قَدَّمَ إِلَيْهِمْ نَكِرَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ طَعَامَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِيمَا ذُكِرَ كَفُّوا عَنْ أَكْلِهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَأْكُلُهُ، وَكَانَ إِمْسَاكُهُمْ عَنْ أَكْلِهِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ، وَهُمْ ضِيفَانُهُ مُسْتَنْكَرًا، وَلَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ مَعْرِفَةٌ، وَرَاعَهُ أَمْرُهُمْ، وَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُمْ خِيفَةً، وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: كَانَ إِنْكَارُهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ.
كَمَا

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: 70] وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَطْعَمْ مِنْ طَعَامِهِمْ، ظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَجِيءْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: 70] قَالَ: كَانُوا إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِمْ، ظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَرٍّ، ثُمَّ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَا جَاءُوا " وَقَالَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَا:

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: «لَمَّا دَخَلَ ضَيْفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ، فَجَعَلُوا يَنْكُتُونَ بِقِدَاحٍ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ نَبْلٍ، وَلَا تَصِلُ أَيْدِيهِمْ إِلَيْهِ، نَكِرَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ» يُقَالُ مِنْهُ: نَكِرْتُ الشَّيْءَ أَنْكَرُهُ، وَأَنْكَرْتُهُ أُنْكِرُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمِنْ نَكِرْتُ وَأَنْكَرْتُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر البسيط] وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا فَجَمَعَ اللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا فِي الْبَيْتِ.
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: [البحر الكامل] فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وَامْتَرَسَتْ بِهِ ... هَوْجَاءُ هَادِيَةٌ وَهَادٍ جُرْشُعُ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: 70] يَقُولُ: أَحَسَّ فِي نَفْسِهِ مِنْهُمْ خِيفَةً وَأَضْمَرَهَا، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود: 70] يَقُولُ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَمَّا رَأَتْ مَا بِإِبْرَاهِيمَ مِنَ الْخَوْفِ مِنْهُمْ: لَا تَخَفْ مِنَّا وَكُنْ آمِنًا، فَإِنَّا مَلَائِكَةُ رَبِّكَ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ [هود: 71] سَارَةُ بِنْتُ هَارَانَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ سَارُوجَ بْنِ

رَاعُو بْنِ فَالِغَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ.
﴿قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: 113] قِيلَ: كَانَتْ قَائِمَةٌ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ تَسْتَمِعُ كَلَامَ الرُّسُلِ، وَكَلَامَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقِيلَ: كَانَتْ قَائِمَةٌ تَخْدُمُ الرُّسُلُ، وَإِبْرَاهِيمُ جَالِسٌ مَعَ الرُّسُلِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71] وَفِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ ضَحِكَتْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ضَحِكَتِ الضَّحِكَ الْمَعْرُوفِ تَعَجُّبًا مِنْ أَنَّهَا وَزَوْجَهَا إِبْرَاهِيمَ يَخْدُمَانِ ضِيفَانَهُمْ بِأَنْفُسِهِمَا تَكْرُمَةً لَهُمْ، وَهُمْ عَنْ طَعَامِهِمْ مُمْسِكُونَ لَا يَأْكُلُونَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " بَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِتُهْلِكَ قَوْمَ لُوطٍ، أَقْبَلَتْ تَمْشِي فِي صُورَةِ رِجَالٍ شَبَابٍ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَتَضَيَّفُوهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ إِبْرَاهِيمَ أَجَلَّهُمْ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَذَبَحَهُ، ثُمَّ شَوَاهُ فِي الرَّضْفِ، فَهُوَ الْحَنِيذُ حِينَ شَوَاهُ.
وَأَتَاهُمْ فَقَعَدَ مَعَهُمْ، وَقَامَتْ سَارَةُ تَخْدُمُهُمْ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ [هود: 71] وَهُوَ جَالِسٌ.
فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ: أَلَا تَأْكُلُونَ " قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ قَالَ: فَإِنَّ لِهَذَا ثَمَنًا.
قَالُوا: وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ:

تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ.
فَنَظَرَ جَبْرَئِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حَقٌّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا.
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ [هود: 70] يَقُولُ: لَا يَأْكُلُونَ، فَزِعَ مِنْهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً؛ فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَارَةُ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُمْ وَقَامَتْ هِيَ تَخْدُمُهُمْ، ضَحِكَتْ وَقَالَتْ: عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ، إِنَّا نَخْدُمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا تَكْرُمَةً لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ فِي غَفْلَةٍ، وَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ اللَّهِ لِهَلَاكِهِمْ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «لَمَّا أَوْجَسَ إِبْرَاهِيمُ خِيفَةً فِي نَفْسِهِ حَدَّثُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَا جَاءُوا فِيهِ، فَضَحِكَتِ امْرَأَتُهُ وَعَجِبَتْ مِنْ أَنَّ قَوْمًا أَتَاهُمُ الْعَذَابُ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، فَضَحِكَتْ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَتْ، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «ضَحِكَتْ تَعَجُّبًا مِمَّا فِيهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الْغَفْلَةِ وَمِمَّا أَتَاهُمْ مِنَ الْعَذَابِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ ظَنًّا مِنْهَا بِهِمْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71] قَالَ: لَمَّا جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ ظَنَّتْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا كَمَا يَعْمَلُ قَوْمُ لُوطٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ لَمَّا رَأَتْ بِزَوْجِهَا إِبْرَاهِيمَ مِنَ الرَّوْعِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، " ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71] قَالَ: ضَحِكَتْ حِينَ رَاعُوا إِبْرَاهِيمَ مِمَّا رَأَتْ مِنَ الرَّوْعِ بِإِبْرَاهِيمَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ حِينَ بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ، تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ عَلَى كِبَرِ سِنِّهَا وَسِنِّ زَوْجِهَا ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: " لَمَّا أَتَى الْمَلَائِكَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَآهُمْ، رَاعَهُ هَيْئَتُهُمْ وَجَمَالُهُمْ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَجَلَسُوا إِلَيْهِ، فَقَامَ فَأَمَرَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فُحُنِذَ لَهُ،

فَقَرَّبَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، وَسَارَةُ وَرَاءَ الْبَيْتِ تَسْمَعُ؛ قَالُوا: لَا تَخَفْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ مُبَارَكٍ وَبَشَّرَ بِهِ امْرَأَتَهُ سَارَةَ، فَضَحِكَتْ، وَعَجِبَتْ كَيْفَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَأَنَا عَجُوزٌ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؟ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ، فَقَدْ وَهَبَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَأَبْشِرُوا بِهِ " وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَتَأَوَّلُ هَذَا التَّأْوِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، فَضَحِكَتْ وَقَالَتْ: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: 72] وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَضَحِكَتْ» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَحَاضَتْ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَزْهَرِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71] قَالَ: حَاضَتْ، وَكَانَتِ ابْنَةَ بِضْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، قَالَ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ "

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْأَمْنِ مِنْهُمْ لَمَّا قَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ: لَا تَخَفْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ خَافَهُمْ وَخَافَتْهُمْ أَيْضًا كَمَا خَافَهُمْ إِبْرَاهِيمُ؛ فَلَمَّا أَمِنَتْ ضَحِكَتْ، فَأَتْبَعُوهَا الْبِشَارَةَ بِإِسْحَاقَ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ضَحِكَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ مِنْ ثِقَةٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْحِجَازِ أَخْبَرَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ ضَحِكَتِ الْمَرْأَةُ: حَاضَتْ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ: الضَّحْكُ: الْحَيْضُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمُ: الضَّحْكُ: الْعَجَبُ، وَذَكَرَ بَيْتَ أَبِي ذُؤَيبٍ: [البحر الطويل] فَجَاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ ... هُوَ الضَّحْكُ إِلَّا أَنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْشَدَهُ فِي الضَّحْكِ بِمَعْنَى الْحَيْضِ: [البحر المتقارب] وَضَحْكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْلِ دَمِ الْجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ سَمِعَ لِلْكُمَيْتِ: [البحر الوافر]

فَأَضْحَكَتِ الضِّبَاعَ سُيُوفُ سَعْدٍ ... بِقَتْلَى مَا دُفِنَّ وَلَا وُدِينَا وَقَالَ: يُرِيدُ الْحَيْضَ.
قَالَ: وَبَلْحَرِثِ بْنِ كَعْبٍ يَقُولُونَ: ضَحِكَتِ النَّخْلَةُ: إِذَا أَخْرَجَتِ الطَّلْعَ أَوْ الْبُسْرَ.
وَقَالُوا: الضَّحْكَ: الطَّلْعَ.
قَالَ: وَسَمِعْنَا مَنْ يَحْكِي: أَضْحَكْتُ حَوْضًا: أَيْ مَلَأْتُهُ حَتَّى فَاضَ.
قَالَ: وَكَأَنَّ الْمَعْنَى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ شَيْءٌ يَمْتَلِئُ فَيَفِيضُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَضَحِكَتْ» : فَعَجِبَتْ مِنْ غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ عَمَّا قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَغَفْلَتِهِمْ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ ذُكِرَ عَقِيبُ قَوْلِهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ: لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ لَا وَجْهَ لِلْضَحِكِ، وَالتَّعَجُّبِ مِنْ قَوْلِهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ: لَا تَخَفْ، كَانَ الضَّحِكُ وَالتَّعَجُّبِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِ لُوطٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبَشَّرْنَا سَارَةَ امْرَأَةَ إِبْرَاهِيمَ ثَوَابًا مِنَّا لَهَا عَلَى نَكِيرِهَا وَعَجَبِهَا مِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ بِإِسْحَاقَ وَلَدًا لَهَا.
﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يَقُولُ: وَمِنْ

خَلْفِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ مِنَ ابْنِهَا إِسْحَاقَ.
وَالْوَرَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: وَلَدُ الْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: " ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ: الْوَرَاءُ: وَلَدُ الْوَلَدِ "

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَدَّثَنِي أَبُو الْيَسَعِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ مَوْلَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ جَدِّي أَبِي الْمُغِيرَةِ بْنِ مِهْرَانَ فِي مَسْجِدِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ بِنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُغِيرَةِ مَنْ هَذَا الْفَتَى؟ قَالَ: ابْنِي مِنْ وَرَائِي، فَقَالَ الْحَسَنُ: « ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ »

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ: وَلَدُ الْوَلَدِ هُوَ الْوَرَاءُ "

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ، قَالَ: ثَنَا خَالِدٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قَالَ: الْوَرَاءُ: وَلَدُ الْوَلَدِ " حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَهُ

جارٍ التحميل