وَقَوْلُهُ: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: 23] ذُكِرَ أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ فِي حَالِ الطَّلْقِ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ، كَمَا:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿صَوْمًا﴾ [مريم: 26] فَإِنَّهَا صَامَتْ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكَلَامِ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] قَالَ: كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ إِذَا اجْتَهَدَ صَامَ مِنَ الْكَلَامِ كَمَا يَصُومُ مِنَ الطَّعَامِ، إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَصُومُ مِنَ الْكَلَامِ كَمَا أَصُومُ مِنَ الطَّعَامِ، إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَلَمَّا كَلَّمُوهَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29] فَأَجَابَهُمْ فَقَالَ
: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 30] حَتَّى بَلَغَ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34] وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَهَا بِالصَّوْمِ عَنْ كَلَامِ الْبَشَرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُجَّةٌ عِنْدَ النَّاسِ ظَاهِرَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهَا جَاءَتْ وَهِيَ أَيِّمٌ بِوَلَدٍ بِالْكَفِّ عَنِ الْكَلَامِ لِيَكْفِيهَا فَأَمَرَتِ الْكَلَامَ وَلَدَهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: ثنا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَجَاءَ رَجُلَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُسَلِّمِ الْآخَرُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ النَّاسَ الْيَوْمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَلِّمِ النَّاسَ وَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ عَلِمَتْ أَنَّ أَحَدًا لَا يُصَدِّقُهَا أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ لَمَّا قَالَ عِيسَى لِمَرْيَمَ ﴿لَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: 7] قَالَتْ: وَكَيْفَ لَا أَحْزَنُ وَأَنْتَ مَعِي، لَا ذَاتُ زَوْجٍ وَلَا مَمْلُوكَةٌ، أَيُّ
شَيْءٍ عُذْرِي عِنْدَ النَّاسِ ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: 23] فَقَالَ لَهَا عِيسَى: أَنَا أَكْفِيكِ الْكَلَامَ ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًا﴾ [مريم: 26] قَالَ: هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ عِيسَى لِأُمِّهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] فَإِنِّي سَأَكْفِيكِ الْكَلَامَ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ آيَةً لِمَرْيَمَ وَابْنِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] قَالَ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ: صَمْتًا وَذَلِكَ إِنَّكَ لَا تَلْقَى امْرَأَةً جَاهِلَةً تَقُولُ: نَذَرْتُ كَمَا نَذَرَتْ مَرْيَمُ أَلَّا تَكَلَّمَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ آيَةً لِمَرْيَمَ وَلِابْنِهَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْذُرَ صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] وَكَانَتْ تُقْرَأُ فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ صَمْتًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ آيَةً بَعَثَهَا اللَّهُ لِمَرْيَمَ وَابْنِهَا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ صَائِمَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالصَّائِمُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ يَصُومُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَكَلَامِ النَّاسِ، فَأُذِنَ لِمَرْيَمَ فِي قَدْرِ هَذَا الْكَلَامِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهِيَ صَائِمَةٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: 26] يُكَلِّمُكَ ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] فَكَانَ مَنْ صَامَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يُمْسِيَ، فَقِيلَ لَهَا: لَا تَزِيدِي عَلَى هَذَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ عِيسَى لِأُمِّهِ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهَا، وَسَلَّمَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَحَمَلَتْهُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا.
كَمَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَنْسَاهَا يَعْنِي مَرْيَمَ كَرْبَ الْبَلَاءِ وَخَوْفَ النَّاسِ مَا
كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْبِشَارَةِ بِعِيسَى، حَتَّى إِذَا كَلَّمَهَا، يَعْنِي عِيسَى، وَجَاءَهَا مِصْدَاقُ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَهَا احْتَمَلَتْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ بِهِ إِلَى قَوْمِهَا
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطَانُ، فَأَخْبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَنَّ مَرْيَمَ، قَدْ وَلَدَتْ، فَأَقْبَلُوا يَشْتَدُّونَ، فَدَعَوْهَا ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: 27]
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا رَأَوْا مَرْيَمَ، وَرَأَوْا مَعَهَا الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، قَالُوا لَهَا: يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ، وَأَحْدَثْتِ حَدَثًا عَظِيمًا.
وَكُلُّ عَامِلٍ عَمَلًا أَجَادَهُ وَأَحْسَنَهُ فَقَدْ فَرَاهُ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
قَدْ أَطْعَمَتْنِي دَقَلًا حُجْرِيًّا ... قَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الْفَرِيَّا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] قَالَ: عَظِيمًا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] قَالَ: عَظِيمًا
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] قَالَ: عَظِيمًا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: لَمَّا رَأَوْهَا وَرَأَوْهُ مَعَهَا، قَالُوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] أَيِ الْفَاحِشَةَ غَيْرَ الْمُقَارَبَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ لَهَا: يَا أُخْتَ هَارُونَ، وَمَنْ كَانَ هَارُونُ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا مَرْيَمَ إِلَى أَنَّهَا أُخْتُهُ، فَقَالَ
بَعْضُهُمْ: قِيلَ لَهَا ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28] نِسْبَةً مِنْهُمْ لَهَا إِلَى الصَّلَاحِ، لِأَنَّ أَهْلَ الصَّلَاحِ فِيهِمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ هَارُونَ، وَلَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28] قَالَ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُسَمَّى هَارُونَ، فَشَبَّهُوهَا بِهِ، فَقَالُوا: يَا شَبِيهَةَ هَارُونَ فِي الصَّلَاحِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] قَالَ: كَانَتْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَعْرَفُونَ بِالصَّلَاحِ، وَلَا يَعْرَفُونَ بِالْفَسَادِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْرَفُونَ بِالصَّلَاحِ وَيَتَوَالَدُونَ بِهِ، وَآخَرُونَ يُعْرَفُونَ بِالْفَسَادِ وَيَتَوَالَدُونَ بِهِ، وَكَانَ هَارُونُ مُصْلِحًا مُحَبَّبًا فِي عَشِيرَتِهِ، وَلَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى، وَلَكِنَّهُ هَارُونُ آخَرُ.
قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ شَيَّعَ جَنَازَتَهُ يَوْمَ مَاتَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، كُلُّهُمْ يُسَمَّوْنَ هَارُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي صَدَقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ كَعْبًا، قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28] لَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى، قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: كَذَبْتَ، قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فَهُوَ أَعْلَمُ وَأَخْبَرُ، وَإِلَّا فَإِنِّي أَجِدُ بَيْنَهُمَا سِتَّ مِائَةِ سَنَةٍ، قَالَ:
فَسَكَتَتْ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28] قَالَ: اسْمٌ وَاطَأَ اسْمًا، كَمْ بَيْنَ هَارُونَ وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْأُمَمِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، قَالُوا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، فَقَالُوا لِي: أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28] قُلْتُ: بَلَى، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَمُوسَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، فَقَالُوا: أَلَيْسَ نَبِيُّكَ يَزْعُمُ أَنَّ هَارُونَ أَخُو مَرْيَمَ هُوَ أَخُو مُوسَى؟ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ»
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ هَارُونُ أَخُو مُوسَى، وَنُسِبَتْ مَرْيَمُ إِلَى أَنَّهَا أُخْتُهُ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَدِهِ، يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ: يَا أَخَا تَمِيمٍ، وَلِلْمُضَرِيِّ: يَا أَخَا مُضَرَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28] قَالَ: كَانَتْ مِنْ بَنِي هَارُونَ أَخِي مُوسَى، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: يَا أَخَا بَنِي فُلَانٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَاسِقًا مُعْلِنٌ الْفِسْقَ، فَنَسَبُوهَا إِلَيْهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهَا نُسِبَتْ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: 28] يَقُولُ: مَا كَانَ أَبُوكِ رَجُلَ سُوءٍ يَأْتِي الْفَوَاحِشَ ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] يَقُولُ: وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ زَانِيَةً، كَمَا:
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] قَالَ: زَانِيَةً وَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] وَلَمْ يَقُلْ: بَغِيَّةً، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوصَفُ بِهِ النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ، فَجَرَى مَجْرَى امْرَأَةٍ حَائِضٍ وَطَالِقٍ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُشَبِّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: مِلْحَفَةٌ جَدِيدَةٌ وَامْرَأَةٌ قَتِيلٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا قَالَ قَوْمُهَا ذَلِكَ لَهَا قَالَتْ لَهُمْ مَا أَمَرَهَا عِيسَى بِقِيلِهِ لَهُمْ، ثُمَّ أَشَارَتْ لَهُمْ إِلَى عِيسَى أَنْ كَلِّمُوهُ، كَمَا:
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: لَمَّا قَالُوا لَهَا: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] قَالَتْ لَهُمْ مَا أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ، فَلَمَّا أَرَادُوهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْكَلَامِ أَشَارَتْ إِلَيْهِ، إِلَى عِيسَى
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29] قَالَ: أَمَرَتْهُمْ بِكَلَامِهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29] يَقُولُ: أَشَارَتْ إِلَيْهِ أَنْ كَلِّمُوهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29] أَنْ كَلِّمُوهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ قَوْمُهَا لَهَا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ وُجِدَ فِي الْمَهْدِ؟ وَكَانَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29] مَعْنَاهَا التَّمَامُ، لَا الَّتِي تَقْتَضِي الْخَبَرَ، وَذَلِكَ شَبِيهُ الْمَعْنَى