وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: 106] يَقُولُ: كُنَّا قَوْمًا ضَلَلْنَا عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ , وَقَصْدِ الْحَقِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ خَفَّتْ مَوَازِيُنُ صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي جَهَنَّمَ: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنَ النَّارِ، فَإِنْ عُدْنَا لِمَا تَكْرَهُ مِنَّا مِنْ عَمَلٍ فَإِنَّا ظَالِمُونَ
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الرَّبُّ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُجِيبًا: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أَيِ اقْعُدُوا فِي النَّارِ.
يُقَالُ مِنْهُ: خَسَأْتُ فُلَانًا أَخْسَؤُهُ خَسْأً وَخُسُوءًا، وَخَسِئَ هُوَ يَخْسَأُ , وَمَا كَانَ خَاسِئًا , وَلَقَدْ خَسِئَ.
﴿وَلَا تُكَلِّمُونَ﴾ [المؤمنون: 108] فَعِنْدَ ذَلِكَ أَيِسَ الْمَسَاكِينُ مِنَ الْفَرَجِ , وَلَقَدْ كَانُوا طَامِعِينَ فِيهِ
كَمَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: ثني أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا فِي الشَّفَاعَةِ قَالَ: " فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَلَّا يُخْرِجَ مِنْهَا يَعْنِي مِنَ النَّارِ أَحَدًا، غَيَّرَ وُجُوهَهُمْ وَأَلْوَانَهَا، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ فَيَقُولُ: مَنْ عَرَفَ أَحَدًا فَلْيُخْرِجْهُ قَالَ: فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ فَلَا يَعْرِفُ أَحَدًا، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ , يَا فُلَانُ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فَيَقُولُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ، انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ جَهَنَّمُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا بَشَرٌ "
حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: " يُرْسَلُ أَوْ يُصَبُّ عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ، فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِالضَّرِيعِ الَّذِي لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فَلَا يُغْنِي ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا فَيَسْتَغِيثُونَ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَإِذَا أَكَلُوهُ نَشِبَ فِي حُلُوقِهِمْ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَحْدِرُونَ الْغُصَّةَ بِالْمَاءِ.
فَيَسْتَغِيثُونَ، فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ فِي كَلَالِيبِ الْحَدِيدِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى وُجُوهِهِمْ شَوَى وُجُوهَهُمْ، فَإِذَا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ.
قَالَ: فَيُنَادُونَ مَالِكًا: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ: فَيَتْرُكُهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُجِيبُهُمْ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ.
قَالَ: فَيُنَادُونَ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالُوا: فَادْعُوا، وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ قَالَ: فَيَقُولُونَ مَا نَجِدُ أَحَدًا خَيْرًا لَنَا مِنْ رَبِّنَا، فَيُنَادُونَ رَبَّهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، فَيَدْعُونَ بِالْوَيْلِ وَالشَّهِيقِ وَالثُّبُورِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ: ثنا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ قَالَ:
ثنا قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَسَدِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ» , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِنْهُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: " يَرَى أَهْلُ النَّارِ فِي كُلِّ سَبْعِينَ عَامًا سَاقَ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] فَيُجِيبُهُمْ بِكَلِمَةٍ.
ثُمَّ لَا يَرَوْنَهُ سَبْعِينَ عَامًا، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالْخَزَنَةِ، فَيَقُولُونَ لَهُمُ: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ فَيُجِيبُونَهُمْ: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: 50] الْآيَةَ.
فَيَقُولُونَ: ادْعُوا رَبَّكُمْ، فَلَيْسَ أَحَدٌ أَرْحَمَ مِنْ رَبِّكُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] . قَالَ: فَيُجِيبُهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ . فَعِنْدَ ذَلِكَ يَيْأَسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَيَأْخُذُونَ فِي الشَّهِيقِ وَالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يُنَادُونَ مَالِكًا فَيَقُولُونَ: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ فَيَسْكُتُ عَنْهُمْ قَدْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] ". قَالَ: " ثُمَّ يُنَادُونَ رَبَّهُمْ، فَيَسْكُتُ عَنْهُمْ قَدْرَ الدُّنْيَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ". قَالَ: «فَيَيْأَسُ الْقَوْمُ، فَلَا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهَا كَلِمَةً، وَكَانَ إِنَّمَا هُوَ الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ» قَالَ قَتَادَةُ: " صَوْتُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مِثْلُ صَوْتِ الْحِمَارِ: أَوَّلُهُ زَفِيرٌ، وَآخِرَهُ
شَهِيقٌ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: أَسْنَدَهُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَنُسِّيتُهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قَالَ: فَيَسْكُتُونَ , قَالَ: فَلَا يُسْمَعُ فِيهَا حِسٌّ إِلَّا كَطَنِينِ الطَّسْتِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ «هَذَا قَوْلُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، حِينَ انْقَطَعَ كَلَامُهُمْ مِنْهُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 109] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّهُ﴾ [البقرة: 37] وَهَذِهِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ «إِنَّهُ» هِيَ الْهَاءُ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ الْمَجْهُولَةَ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَاهَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ، وَمَعْنَى دُخُولِهَا فِي الْكَلَامِ،
بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
﴿كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي ﴾ [المؤمنون: 109] يَقُولُ: كَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ عِبَادِي، وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران: 53] بِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدَكَ؛ فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْ رَحِمَ أَهْلَ الْبَلَاءِ، فَلَا تُعَذِّبْنَا بِعَذَابِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 111] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاتَّخَذْتُمْ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ لِرَبِّهِمْ ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: 106] فِي الدُّنْيَا، الْقَائِلِينَ فِيهَا ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 109] سِخْرِيًّا.
وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾ [المؤمنون: 110] مِنْ ذِكْرِ الْفَرِيقِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: 110] فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: 110] بِكَسْرِ السِّينِ، وَيَتَأَوَّلُونَ فِي كَسْرِهَا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْهُزْءُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا إِذَا ضُمَّتْ فَمَعْنَى الْكَلِمَةِ: السُّخْرَةُ وَالِاسْتِعْبَادُ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ: فَاتَّخَذْتُمْ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِي فِي الدُّنْيَا هُزُؤًا وَلَعِبًا، تَهْزَؤُنَ بِهِمْ، حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا) بِضَمِّ السِّينِ، وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلِمَةِ فِي الضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَاحِدٌ.
وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: لِجِّيُّ , وَلُجِّيُّ، وَدِرِّيُّ، ودُرِّيُّ، مَنْسُوبٌ
إِلَى الدُّرِّ، وَكَذَلِكَ كِرْسِيُّ , وَكُرْسِيُّ؛ وَقَالُوا ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ كَذَلِكَ: نَظِيرُ قَوْلِهِمْ فِي جَمْعِ الْعَصَا: الْعِصِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَالْعُصِيُّ بِضَمِّهَا؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الضَّمَّ فِي السُّخْرِيِّ، لِأَنَّهُ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ فَمُصِيبٌ.
وَلَيْسَ يُعْرَفُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا كُسِرَتِ السِّينُ وَإِذَا ضُمَّتْ، لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ سَمِعَ مِنَ الْعَرَبِ مَا حَكَيْتُ عَنْهُ ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَعْنَاهُ مَكْسُورَةٍ سِينُهُ وَمَضْمُومَةٍ:
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: 110] قَالَ: " هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ: سُخْرِيًّا، وَسِخْرِيًّا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا سِخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32] , قَالَ: هَذَا سِخْرِيًّا: يُسَخِّرُونَهُمْ، وَالْآخَرُونَ: الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ هُمْ «سُخْرِيًّا» ، فَتِلْكَ «سُخْرِيًّا» يُسَخِّرُونَهُمْ عِنْدَكَ، فَسَخَّرَكَ: رَفَعَكَ فَوْقَهُ؛ وَالْآخَرُونَ: اسْتَهْزَءُوا بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ هِيَ «سُخْرِيًّا» يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، فَهُمَا مُخْتَلِفَتَانِ.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38] , وَقَالَ: يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ كَمَا سَخِرَ قَوْمُ نُوحٍ بِنُوحٍ، « اتَّخَذُوهُمْ سُخْرِيًّا» : اتَّخَذُوهُمْ هُزُؤًا، لَمْ يَزَالُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ "
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: 110] يَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اسْتِهْزَاؤُكُمْ بِهِمْ، أَنْسَاكُمْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِكُمْ بِهِمْ ذِكْرِي، فَأَلْهَاكُمْ عَنْهُ.
﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾
[المؤمنون: 110]
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: 110] قَالَ: " أَنْسَى هَؤُلَاءِ اللَّهَ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِهِمْ , وَضَحِكُهُمْ بِهِمْ.
وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] , حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: 32] "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: 111] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنِّي أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ الْمُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، جَزَيْتُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ فِي الدُّنْيَا سُخْرِيًّا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِي، وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: 111] عَلَى مَا كَانُوا يَلْقَوْنَ بَيْنَكُمْ مِنْ أَذَى سُخْرِيَّتِكُمْ وَضَحِكِكُمْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا.
﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 111] . اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ: «إِنَّهُمْ» فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ [البقرة: 46] بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ «أَنَّهُمْ» بِمَعْنَى: جَزَيْتُهُمْ هَذَا فَـ «أَنَّ» فِي قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ قَوْلِهِ: «جَزَيْتُهُمْ» عَلَيْهَا، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ النَّصْبُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا مَعْنَاهُ إِلَى: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ بِمَا صَبَرُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا لَقُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿ «إِنِّي» ﴾ [البقرة: 30] بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْهَا، بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ،
وَقَالُوا: ذَلِكَ ابْتِدَاءٌ مِنَ اللَّهِ مَدْحَهُمْ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ، لِأَنَّ قَوْلُهُ: ﴿جَزَيْتُهُمْ﴾ [المؤمنون: 111] قَدْ عَمِلَ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ، وَالْجَزَاءُ إِنَّمَا يَعْمَلُ فِي مَنْصُوبَيْنِ، وَإِذَا عَمِلَ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْعَمَلُ فِي «أَنَّ» فَيَصِيرَ عَامِلًا فِي ثَلَاثَةٍ , إِلَّا أَنْ يُنْوَى بِهِ التَّكْرِيرُ، فَيَكُونُ نَصْبُ «أَنَّ» حِينَئِذٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَا بِقَوْلِهِ: ﴿جَزَيْتُهُمْ﴾ [المؤمنون: 111] ، وَإِنْ هِيَ نُصِبَتْ بِإِضْمَارِ لَامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا كَبِيرُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ جَزَاءَ اللَّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا , وَجَزَاؤُهُ إِيَّاهُمْ وَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ هُوَ الْفَوْزُ، فَلَا مَعْنَى لِأَنْ يَشْرُطَ لَهُمُ الْفَوْزَ بِالْأَعْمَالِ , ثُمَّ يُخْبِرَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَازُوا لِأَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا ذَكَرْنَا: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الْجَنَّةَ بِمَا صَبَرُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى أَذَاكُمْ بِهَا، فِي أَنَّهُمُ الْيَوْمَ هُمُ الْفَائِزُونَ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ وَالْكَرَامَةِ الْبَاقِيَةِ أَبَدًا، بِمَا عَمِلُوا مِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا , وَلَقُوا فِي طَلَبِ رِضَايَ مِنَ الْمَكَارِهِ فِيهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 113] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: 112] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ
الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون: 112] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون: 114] . وَوَجَّهَ هَؤُلَاءِ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِهَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِي النَّارِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: 112] وَأَنَّهُمْ أَجَابُوا اللَّهَ فَقَالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19] ، فَنَسِيَ الْأَشْقِيَاءُ، لِعَظِيمِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْعَذَابِ، مُدَّةَ مُكْثِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، وَقَصُرَ عِنْدَهُمْ أَمَدُ مُكْثرِهِمُ الَّذِي كَانَ فِيهَا، لِمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ، حَتَّى حَسِبُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَكَثُوا فِيهَا إِلَّا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ كَانَ قَدْ مَكَثَ فِيهَا الزَّمَانَ الطَّوِيلَ , وَالسِّنِينَ الْكَثِيرَةَ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ لَهُمْ بِالْقَوْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ؛ قُولُوا: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ؟ وَأَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْأَمْرِ لِلْوَاحِدِ , وَالْمَعْنِيُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ.
وَإِنَّمَا اخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ مَنِ اخْتَارَهَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ: (قُلْ) بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَفِي غَيْرِ مَصَاحِفِهِمْ بِالْأَلِفِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون: 112] عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، لِأَنَّ وَجْهَ الْكَلَامِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا، أَنْ يَكُونَ «قُولُوا» عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِلْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ جَرَى لِجَمَاعَةِ أَهْلِ النَّارِ،
فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: «قُولُوا» ؛ لَوْ كَانَ الْكَلَامُ جَاءَ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ جَائِزًا، أَعْنِي التَّوْحِيدَ، لِمَا بَيَّنْتُ مِنَ الْعِلَّةِ لِقَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَاءَ الْكَلَامُ بِالتَّوْحِيدِ فِي قِرَاءَةِ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ قِرَاءَةَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْوَاحِدِ أَشْبَهُ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْفَصِيحَ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قَالَ اللَّهُ: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَدَدِ سِنِينَ؟ قَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ: لَبِثْنَا فِيهَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينِ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي، قَدْ نَسِينَا ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْعَادِّينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ , وَيُحْصُونَ عَلَيْهِمْ سَاعَاتِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 113] قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُمُ الْحُسَّابُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 113] قَالَ: «فَاسْأَلِ الْحُسَّابَ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 113] قَالَ: «فَاسْأَلْ أَهْلَ الْحِسَابِ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 113] وَهُمُ الَّذِينَ يَعُدُّونَ عَدَدَ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا الْمَلَائِكَةَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا بَنِي آدَمَ وَغَيْرَهُمْ، وَلَا حُجَّةَ بِأَيِّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ ثَبَتَتْ صِحَّتُهَا فَغَيْرُ جَائِزٍ تَوْجِيهُ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى بَعْضِ الْعَادِّينَ دُونَ بَعْضٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المؤمنون: 114] اخْتِلَافَهُمْ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون: 112] . وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَحْوُ
الْقَوْلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ قَبْلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: 19] وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَتِنَا: قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: مَا لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا يَسِيرًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ لُبْثِكُمْ فِيهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: 115] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَحَسِبْتُمْ أَيُّهَا الْأَشْقِيَاءُ أَنَّا إِنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ إِذْ خَلَقْنَاكُمْ لَعِبًا وَبَاطِلًا، وَأَنَّكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ
لَا تَصِيرُونَ أَحْيَاءً , فَتُجْزَوْنَ بِمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115] بِضَمِّ التَّاءِ: لَا تُرَدُّونَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ مِنْ مَرْجِعِ الْآخِرَةِ , لَا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (لَا تَرْجِعُونَ) وَقَالُوا: سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَرْجِعُ الْآخِرَةِ وَالرُّجُوعُ إِلَى الدُّنْيَا.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , لِأَنَّ مَنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى الْآخِرَةِ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَ فَنَائِهِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهَا، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهَا فَبِرَدِّ اللَّهِ إِيَّاهُ إِلَيْهَا رَجَعَ.
وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: 115] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: 115] قَالَ: «بَاطِلًا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 116] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ
أَنَّ لَهُ شَرِيكًا، وَعَمَّا يُضِيفُونَ إِلَيْهِ مِنَ اتِّخَاذِ الْبَنَاتِ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] يَقُولُ: لَا مَعْبُودَ تَنْبَغِي لَهُ الْعُبُودَةُ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 116] وَالرَّبُّ: مَرْفُوعٌ بِالرَّدِّ عَلَى الْحَقِّ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ مَعْبُودًا آخَرَ، لَا حُجَّةَ لَهُ بِمَا يَقُولُ وَيَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بَيِّنَةَ
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] قَالَ: «بَيِّنَةٌ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] قَالَ: «حُجَّةٌ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] قَالَ: «لَا حُجَّةَ»
وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: 117] يَقُولُ: فَإِنَّمَا حِسَابُ عَمَلِهِ السَّيِّئ عِنْدَ رَبِّهِ، وَهُوَ مُوَفِّيهِ جَزَاءَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ