تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 223-235

وَقَوْلُهُ: ﴿فَليَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19] يَقُولُ: فَلْيَأْتِكُمْ بِقُوتٍ مِنْهُ تَقْتَاتُونَهُ، وَطَعَامٌ تَأْكُلُونَهُ، كَمَا:

صفحات 223-235
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 22] مِنْ يَهُودَ، قَالَ: وَلَا تَسْأَلْ يَهُودَ عَنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، إِلَّا مَا قَدْ أَخْبَرْتُكَ مِنْ أَمْرِهِمْ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 22] مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُمْ كَانُوا بَنِي الركنا، وَالركنا: مُلُوكُ الرُّومِ، رَزَقَهُمُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، فَتَفَرَّدُوا بِدِينِهِمْ، وَاعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَصْمِخَتِهِمْ، فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتُهُمْ وَجَاءَتْ أُمَّةٌ مَسْلَمَةٌ بَعْدَهُمْ، وَكَانَ مَلِكُهُمْ مُسْلِمًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 24] وَهَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَجْزِمَ عَلَى مَا يَحْدُثُ

مِنَ الْأُمُورِ أَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، إِلَّا أَنْ يَصِلَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَعَدَ سَائِلِيهِ عَنِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ اللَّوَاتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا مَضَى، اللَّوَاتِي إِحْدَاهُنَّ الْمَسْأَلَةُ عَنْ أَمْرِ الْفِتْيَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَنْ يُجِيبَهُمْ عَنْهُنَّ غَدَ يَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَاحْتُبِسَ الْوَحْي عَنْهُ فِيمَا قِيلَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَمْسَ عَشْرَةَ، حَتَّى حَزَّنَهُ إِبْطَاؤُهُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَوَّابَ عَنْهُنَّ، وَعَرَفَ نَبِيَّهُ سَبَبَ احْتِبَاسِ الْوَحْيِ عَنْهُ، وَعَلَّمَهُ مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي عِدَاتِهِ وَخَبُرُهُ عَمَّا يَحْدُثُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَأْتِهِ مِنَ اللَّهِ بِهَا تَنْزِيلٌ، فَقَالَ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾ [الكهف: 23] يَا مُحَمَّدُ ﴿لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] كَمَا قُلْتَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوكَ عَنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَالْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلُوكَ عَنْهَا، سَأُخْبِرُكُمْ عَنْهَا غَدًا ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111] . وَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِلَّا أَنْ تَقُولَ مَعَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَتَرْكُ ذِكْرَ تَقُولُ اكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ، إِذْ كَانَ فِي الْكَلَامِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ

اللَّهُ} [الأنعام: 111] اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْقَوْلِ، لَا مِنَ الْفِعْلِ كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ: لَا تَقُولَنَّ قَوْلًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ الْقَوْلَ، وَهَذَا وَجْهٌ بَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ بِالظَّاهِرِ مِنَ التَّنْزِيلِ مَعَ خِلَافِهِ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاسْتَثْنِ فِي يَمِينِكَ إِذَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ نَسِيتَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْيَمِينِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ، قَالَ لَهُ: أَنْ يَسْتَثْنِيَ وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24] فِي ذَلِكَ قِيلَ لِلْأَعْمَشِ سَمِعْتُهُ مِنْ مُجَاهِدٍ، فَقَالَ: ثني بِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، يَرَى ذَهَبَ كِسَائِي هَذَا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24] الِاسْتِثْنَاءُ، ثُمَّ

ذُكِرَتْ فَاسْتَثْنِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24] قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْحَسَنَ، قَالَ: إِذَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا عَصَيْتَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24] قَالَ: اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا عَصَيْتَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا تَرَكْتَ ذِكْرَهُ، لِأَنَّ أَحَدَ مَعَانِي النِّسْيَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ التَّرْكُ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي يَمِينِهِ إِذْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا ذَكَرْتُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ حَالِ حَلِفِهِ؟ قِيلَ: بَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ وَلَوْ بَعْدَ حِنْثِهِ فِي يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِيَخْرُجَ بِقِيلِهِ ذَلِكَ مِمَّا أَلْزَمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَرَجُ بِتَرْكِهِ مَا أَمَرَهُ بِقِيلِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِحَالٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاؤُهُ مَوْصُولًا بِيَمِينِهِ.
فَإِنْ قَالَ: فَمَا وَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَهُ ثُنْيَاهُ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، وَمَنْ قَالَ: لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَاهُمْ فِي ذَلِكَ نَحْوُ مَعْنَانَا فِي أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَأَنَّهُ بِاسْتِثْنَائِهِ وَقِيلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ حِينٍ مِنْ حَالِ حَلِفِهِ، يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَرَجُ الَّذِي لَوْ لَمْ يَقُلْهُ كَانَ لَهُ لَازِمًا، فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَهُ لَازِمَةٌ بِالْحِنْثِ بِكُلِّ حَالٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاؤُهُ كَانَ مَوْصُولًا بِالْحَلِفِ، وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا قَالَ مِمَّنْ قَالَ لَهُ الثُّنْيَا بَعْدَ حِينٍ يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ يَضَعُ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ إِذَا حَنِثَ، فَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ مَعْنَى الْقَوْلِ فِيهِ، كَانَ نَحْوَ مَعْنَانَا فِيهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِينِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 24] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِينِيَ فَيُسَدِّدَنِي لِأَسَدَ مِمَّا وَعَدْتُكُمْ وَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ، إِنْ هُوَ شَاءَ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ إِذَا نَسِيَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي كَلَامِهِ، الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ فِي أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ مَعَ قَوْلِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِذَا ذَكَرَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَانَ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 24] قَالَ فَقَالَ: وَإِذَا نَسِيَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَتَوْبَتُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ كَفَّارَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 24]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾

[الكهف: 25] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: 26] وَقَالُوا: لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَنْ قَدْرِ لُبْثِهِمْ فِي الْكَهْفِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: 26] وَجْهٌ مَفْهُومٌ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ خَلْقَهُ مَبْلَغَ لُبْثِهِمْ فِيهِ وَقَدْرَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25] هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَرَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: 25] قَالَ: فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَقَالُوا وَلَبِثُوا» يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ النَّاسُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: 26]

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: 25] قَالَ: إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ قَالَتْهُ الْيَهُودُ، فَرَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: 26] وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ مَبْلَغِ مَا لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قَالَ: عَدَدَ مَا

لَبِثُوا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ فِيهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: 26]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25] قَالَ: وَتِسْعُ سِنِينَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: ثني الْأَجْلَحُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ [الكهف: 25] فَقَالُوا: أَيَّامًا أَوْ أَشْهُرًا أَوْ سِنِينَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ قَالَ: بَيْنَ جَبَلَيْنِ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَلَبِثَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ فِي كَهْفِهِمْ رُقُودًا إِلَى أَنْ بَعَثَهُمُ اللَّهُ، لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ، وَإِلَى أَنْ أَعْثَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَعْثَرَ، ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَتِسْعَ سِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ بِذَلِكَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ.
وَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ " وَقَالُوا: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ " وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَالُوا فِيمَا ذُكِرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لِلْفِتْيَةِ مِنْ لَدُنْ دَخَلُوا الْكَهْفَ إِلَى يَوْمِنَا ثَلَاثُ مِائَةٍ سِنِينَ وَتِسْعُ سِنِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَخْبَرَ نَبِيَّهُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْرُ لُبْثِهِمْ فِي الْكَهْفِ مِنْ لَدُنْ أَوَوْا إِلَيْهِ إِلَى أَنْ بَعَثَهُمُ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا بَعْدَ أَنْ قَبَضَ أَرْوَاحَهُمْ، مِنْ بَعْدِ أَنْ بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ إِلَى يَوْمِهِمْ هَذَا، لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ، وَغَيْرُ مَنْ أَعْلَمُهُ اللَّهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ قِيلَ: الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ قَدْرِ لُبْثِهِمْ فِي كَهْفِهِمُ ابْتِدَاءً، فَقَالَ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25] وَلَمْ يَضَعْ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنْهُ عَنْ قَوْلِ قَوْمٍ قَالُوهُ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُضَافَ خَبَرُهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ جَازَ فِي

كُلِّ أَخْبَارِهِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَخْبَارِهِ جَازَ فِي أَخْبَارِ غَيْرِهِ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ أَنَّهَا أَخْبَارُهُ، وَذَلِكَ قَلْبُ أَعْيَانِ الْحَقَائِقِ وَمَا لَا يُخَيَّلُ فَسَادُهُ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: 26] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: 25] خَبَرٌ مِنْهُ عَنْ قَوْمٍ قَالُوهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَهُ، فَأَمَّا وَهُوَ مُحْتَمِلٌ مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا إِلَى يَوْمِ أَنْزَلْنَا هَذِهِ السُّورَةَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي فَغَيْرُ وَاجِبٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: 25] خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ قَوْمٍ قَالُوهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ خَبَرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: 25] خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ قَوْمٍ قَالُوهُ، وَلَا قَامَتْ بِصِحَّةِ ذَلِكَ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، صَحَّ مَا قُلْنَا، وَفَسَدَ مَا خَالَفَهُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: 25] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: 25] بِتَنْوِينِ: ثَلَاثِ مِائَةٍ، بِمَعْنَى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ سِنِينَ ثَلَاثَ مِائَةٍ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (ثَلَاثَ مِائَةِ سِنِينَ) بِإِضَافَةِ ثَلَاثِ مِائَةٍ إِلَى السِّنِينَ، غَيْرُ مُنَوَّنٍ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ [الكهف: 25] بِالتَّنْوِينِ ﴿سِنِينَ﴾ [الكهف: 25] وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا تُضِيفُ الْمِائَةَ إِلَى مَا يُفَسِّرُهَا إِذَا جَاءَ تَفْسِيرُهَا بِلَفْظِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ثَلَاثُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَعِنْدِي مِائَةُ

دِينَارٍ، لِأَنَّ الْمِائَةَ وَالْأَلْفَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَالْعَرَبُ لَا تُفَسِّرُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ فِي كَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَالْوَاحِدُ يُؤَدِّي عَنِ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ مِنَ الْعَدَدِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَرَبُ رُبَّمَا وَضَعَتِ الْجَمْعُ الْقَلِيلُ مَوْضِعَ الْكَثِيرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْكَثِيرِ.
وَأَمَّا إِذَا جَاءَ تَفْسِيرُهَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، فَإِنَّهَا تُنَوَّنُ، فَتَقُولُ: عِنْدِي أَلْفُ دَرَاهِمَ، وَعِنْدِي مِائَةُ دَنَانِيرَ، عَلَى مَا قَدْ وَصَفْتُ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، يَقُولُ: فَسَلَّمُوا لَهُ عِلْمَ مَبْلَغِ مَا لَبِثَتِ الْفِتْيَةُ فِي الْكَهْفِ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ سِوَى الَّذِي يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا

اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: 26] يَقُولُ: أَبْصِرْ بِاللَّهِ وَأَسْمِعْ، وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا أَبْصَرَهُ وَأَسْمَعَهُ.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مَا أَبْصَرَ اللَّهَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وَأَسْمَعَهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: 26] فَلَا أَحَدٌ أَبْصَرُ مِنَ اللَّهِ وَلَا أَسْمَعُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الكهف: 26] قَالَ: يَرَى أَعْمَالَهُمْ، وَيَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ سَمِيعًا بَصِيرًا

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الكهف: 26] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَا لِخَلْقِهِ دُونَ رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَلِيُّ، يَلِي أَمْرَهُمْ وَتَدْبِيرَهُمْ، وَصَرْفَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مُصَرَّفُونَ.
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 26] يَقُولُ: وَلَا يَجْعَلُ اللَّهُ فِي قَضَائِهِ، وَحُكْمِهِ فِي خَلْقِهِ أَحَدًا سِوَاهُ شَرِيكًا، بَلْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ فِيهِمْ،

وَتَدْبِيرِهِمْ وَتَصْرِيفِهِمْ فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاتَّبَعْ يَا مُحَمَّدُ مَا أُنْزَلَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ هَذَا، وَلَا تَتْرُكَنَّ تِلَاوَتَهُ وَاتِّبَاعَ مَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَالْعَمَلِ بِحَلَالِهِ

وَحَرَامِهِ، فَتَكُونُ مِنَ الْهَالِكِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَصِيرَ مَنْ خَالَفَهُ، وَتَرَكَ اتِّبَاعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى جَهَنَّمَ ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: 115] يَقُولُ: لَا مُغَيِّرَ لِمَا أَوْعَدَ بِكَلِمَاتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَيْكَ أَهْلُ مَعَاصِيهِ، وَالْعَامِلِينَ بِخِلَافِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27] يَقُولُ: وَإِنْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لَمْ تَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ فَتَتْبَعُهُ وَتَأْتَمُّ بِهِ، فَنَالَكَ وَعِيدُ اللَّهِ الَّذِي أَوْعَدَ فِيهِ الْمُخَالِفِينَ حُدُودَهُ، لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَوْئِلًا تَئِلُ إِلَيْهِ وَمَعْدِلًا تَعْدِلُ عَنْهُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِكَ وَبِجَمِيعِ خَلْقِهِ، لَا يَقْدِرُ

أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْهَرَبِ مِنْ أَمْرٍ أَرَادَ

بِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ فِي الْبَيَانِ عَنْهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27] قَالَ: مَلْجَأً

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27] قَالَ: مَلْجَأً حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27] قَالَ: مَوْئِلًا

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27] قَالَ: مَلْجَأً وَلَا مَوْئِلًا

جارٍ التحميل