تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 410-423

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: 76] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَلَمَّا غَابَ وَذَهَبَ

صفحات 410-423
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ : «يَضْرِبُونَهُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بَسْطُهَا أَيْدِيَهَا بِالْعَذَابِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قَالَ: «بِالْعَذَابِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ،

عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ «بِالْعَذَابِ» وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى: بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسِهِمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِ: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الأنعام: 93] ، وَنُفُوسُ بَنِي آدَمَ إِنَّمَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَبْدَانِ أَهْلِهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَكَيْفَ خُوطِبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ، وَأُمِرُوا فِي حَالِ الْمَوْتِ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسِهِمْ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَنُو آدَمَ هُمْ يَقْبِضُونَ أَنْفُسَ أَجْسَامِهِمْ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي إِلَيْهِ ذَهَبْتَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ أَجْسَامِهِمْ، بِأَدَاءِ مَا أَسْكَنَهَا رَبُّهَا مِنَ الْأَرْوَاحِ إِلَيْهِ وَتَسْلِيمِهَا إِلَى رُسُلِهِ الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: 93] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا تَقُولُ رُسُلُ اللَّهِ الَّتِي تَقْبِضُ أَرْوَاحَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ لَهَا، يُخْبِرُ عَنْهَا أَنَّهَا تَقُولُ لِأَجْسَامِهَا وَلِأَصْحَابِهَا: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ إِلَى سَخَطِ

اللَّهِ وَلَعْنَتِهِ، فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تُثَابُونَ عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ، وَقِيلِكُمْ عَلَيْهِ الْبَاطِلَ، وَزَعْمِكُمْ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْكُمْ وَلَمْ يُوحِ إِلَيْكُمْ شَيْئًا، وَإِنْكَارِكُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ

شَيْئًا، وَاسْتِكْبَارِكُمْ عَنِ الْخُضُوعِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، وَالِانْقِيَادِ لِطَاعَتِهِ.
﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: 93] وَهُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ الَّذِي يُهِينُهُمْ فَيُذِلُّهُمْ، حَتَّى يَعْرِفُوا صَغَارَ أَنْفُسِهِمْ وَذِلَّتَهَا

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " أَمَّا ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: 93] فَالَّذِي يُهِينُهُمْ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: 93] قَالَ: «عَذَابَ الْهُونِ فِي الْآخِرَةِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» وَالْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتْ بِالْهُونِ مَعْنَى الْهَوَانِ ضَمَّتِ الْهَاءَ، وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ الرِّفْقَ وَالدَّعَةَ وَخِفَّةَ الْمَؤُونَةِ فَتَحَتِ الْهَاءَ، فَقَالُوا: هُوَ قَلِيلُ هَوْنِ الْمَؤُونَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] يَعْنِي: بِالرِّفْقِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَنْدَلَ بْنِ الْمُثَنَّى الطُّهَوِيِّ: [البحر الرجز] وَنَقْضِ أَيَّامٍ نَقَضْنَ أَسْرَهُ ... هَوْنًا وَأَلْقَى كُلُّ شَيْخٍ فَخْرَهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ: [البحر البسيط] هَوْنَكُمَا لَا يَرُدُّ الدَّهْرُ مَا فَاتَا ... لَا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْرِ مَنْ مَاتَا

يُرِيدُ: رَوْدًا.
وَقَدْ حُكِيَ فَتْحُ الْهَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى الْهَوَانِ، وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ: [البحر المتقارب] نُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْنُ النُّفُو ... سِ عِنْدَ الْكَرِيهَةِ أَعْلَى لَهَا وَالْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِهِمْ ضَمُّ الْهَاءِ مِنْهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَوَانِ وَالذُّلِّ، كَمَا قَالَ ذُو الْإِصْبَعِ الْعُدْوَانِيِّ: [البحر البسيط] اذْهَبْ إِلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلَا أُغْضِي عَلَى الْهُونِ يَعْنِي عَلَى الْهَوَانِ.
وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرِّفْقِ فَفَتْحُهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتِمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 94] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ قَائِلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ

الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ، يُخْبِرُ عِبَادَهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتِمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام: 94] ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: (فُرَادَى) : وُحْدَانًا، لَا مَالَ مَعَهُمْ، وَلَا أَثَاثَ، وَلَا رَفِيقَ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا كَانَ اللَّهُ خَوَّلَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 94] عُرَاةً غُلْفًا غُرْلًا حُفَاةً

كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ، وَكَمَا خَلَقَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَا مَعَهُمْ مِمَّا كَانُوا يَتَبَاهَوْنَ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
وَفُرَادَى جَمْعٌ، يُقَالُ لِوَاحِدِهَا: فَرَدٌ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ: [البحر البسيط] مِنْ وَحْشِ وَجَرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِي الْمَصِيرِ كَسِيفِ الصَّيْقَلِ الْفَرَدِ وَفَرَدٌ وَفَرِيدٌ، كَمَا يُقَالُ: وَحَدٌ وَوَحِدٌ وَوَحِيدٌ فِي وَاحِدِ (الْأَوْحَادِ) ، وَقَدْ يُجْمَعُ الْفَرَدُ الْفُرَادَ، كَمَا يُجْمَعُ الْوَحَدُ الْوُحَادَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] تَرَى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ فَوْقَ لَبَانِهِ ... فُرَادَ وَمَثْنَى أَصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُهُ وَكَانَ يُونُسُ الْجَرْمِيُّ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقُولُ: فُرَادٍ جَمْعُ فَرَدٍ، كَمَا قِيلَ: تَوْءَمٌ وَتُؤَامٌ لِلْجَمِيعِ، وَمِنْهُ الْفُرَادَى وَالرُّدَافَى وَالْغَوَانِي.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ فَرْدٌ، وَامْرَأَةٌ فَرْدٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخٌ، وَقَدْ فَرَدَ الرَّجُلُ فَهُوَ يَفْرُدُ فُرُودًا، يُرَادُ بِهِ تَفَرَّدَ، فَهُوَ فَارِدٌ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ ابْنَ أَبِي هِلَالٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ الْقُرْطُبِيَّ، يَقُولُ: قَرَأَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتِمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 94] ، فَقَالَتْ: " وَاسَوْأَتَاهُ، إِنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لَا يَنْظُرُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ، وَلَا النِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] فَإِنَّهُ يَقُولُ: خَلَّفْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مَا مَكَّنَّاكُمْ فِي الدُّنْيَا مِمَّا كُنْتُمْ تَتَبَاهَوْنَ بِهِ فِيهَا خَلْفَكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَلَمْ تَحْمِلُوهُ مَعَكُمْ.
وَهَذَا تَعْيِيرُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِمُبَاهَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَتَبَاهَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَمْوَالِهِمْ، وَكُلُّ

مَا مَلَّكْتَهُ غَيْرَكَ وَأَعْطَيْتَهُ فَقَدْ خَوَّلْتَهُ، يُقَالُ مِنْهُ: خَالَ الرَّجُلُ يَخَالُ أَشَدَّ الْخِيَالِ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَهُوَ خَائِلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ: [البحر الرجز] أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخِّلِ ... كُومَ الذُّرَا مِنْ خَوَلِ الْمُخَوِّلِ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ كَانَ يُنْشِدُ بَيْتَ زُهَيْرٍ: [البحر الطويل]

هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخْوِلُوا ... وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام: 94] مِنَ الْمَالِ وَالْخَدَمِ ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] فِي الدُّنْيَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 94] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَنْدَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي

النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ لِقِيلِهِ: إِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى يَشْفَعَانِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَوْلَ كَافَّةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 94] ، «فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ، لِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ يَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ شُرَكَاءُ لِلَّهِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " قَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتِمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 94] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شُرَكَاءُ﴾ [النساء: 12] .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 94] يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْأَنْدَادَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] يَعْنِي: تَوَاصُلُهُمُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَا تَوَاصُلَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَوَادَّ وَلَا تَنَاصُرَ، وَقَدْ كَانُوا فِي

الدُّنْيَا يَتَوَاصَلُونَ وَيَتَنَاصَرُونَ فَاضْمَحَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْآخِرَةِ، فَلَا أَحَدَ مِنْهُمْ يَنْصُرُ صَاحِبَهُ وَلَا يُوَاصِلُهُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] الْبَيْنُ: تَوَاصُلُهُمْ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] قَالَ: «تَوَاصُلُهُمْ فِي الدُّنْيَا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] قَالَ: «وَصْلُكُمْ»

وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] قَالَ: «مَا كَانَ بَيْنَكُمْ مِنَ الْوَصْلِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 94] يَعْنِي: «الْأَرْحَامَ وَالْمَنَازِلَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] يَقُولُ: «تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] «التَّوَاصُلُ فِي الدُّنْيَا» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ نَصْبًا بِمَعْنَى: لَقَدْ تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِيِّينَ: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) رَفْعًا، بِمَعْنَى: لَقَدْ تَقَطَّعَ وَصْلُكُمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِاتِّفَاقِ الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَنْصُبُ (بَيْنَ) فِي مَوْضِعِ الِاسْمِ، ذُكِرَ سَمَاعًا مِنْهَا: إِيَابِي نَحْوَكَ وَدُونَكَ وِسَوَاءَكَ، نَصْبًا فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهَا سَمَاعًا الرَّفْعُ فِي (بَيْنَ) إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لَهَا وَجُعِلَتِ اسْمًا، وَيُنْشِدُ بَيْتَ مُهَلْهَلٍ: [البحر الوافر] كَأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ ... بَعِيدٍ بَيْنُ جَالِيهَا جَرُورُ بِرَفْعِ (بَيْنُ) إِذْ كَانَتِ اسْمًا.
غَيْرَ أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِمْ فِي كَلَامِهِمُ النَّصْبُ فِيهَا فِي حَالِ كَوْنِهَا صِفَةً، وَفِي حَالِ كَوْنِهَا اسْمًا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 94] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَحَادَ عَنْ طَرِيقِكُمْ وَمِنْهَاجِكُمْ مَا كُنْتُمْ مِنْ آلِهَتِكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ شَرِيكُ رَبِّكُمْ، وَأَنَّهُ لَكُمْ شَفِيعٌ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَلَا يَشْفَعُ لَكُمُ الْيَوْمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95] وَهَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ عَلَى مَوْضِعِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ لَهُمْ خَطَأَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ إِشْرَاكِ الْأَصْنَامِ فِي

عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ أَيُّهَا النَّاسُ دُونَ كُلِّ مَا تَعْبُدُونَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّ، يَعْنِي: شَقَّ الْحَبَّ مِنْ كُلِّ مَا يُنْبِتُ مِنَ النَّبَاتِ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ الزَّرْعَ وَالنَّوَى مِنْ كُلِّ مَا يُغْرَسُ مِمَّا لَهُ نَوَاةٌ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ الشَّجَرَ.
وَالْحَبُّ جَمْعُ حَبَّةٍ، وَالنَّوَى: جَمْعُ النَّوَاةِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] ، أَمَّا فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى: فَفَالِقُ الْحَبِّ عَنِ السُّنْبُلَةِ، وَفَالِقُ النَّوَاةِ عَنِ النَّخْلَةِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] قَالَ: «يَفْلِقُ الْحَبَّ وَالنَّوَى عَنِ النَّبَاتِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] ، قَالَ: «اللَّهُ فَالِقُ ذَلِكَ، فَلَقَهُ فَأَنْبَتَ مِنْهُ مَا أَنَبْتَ، فَلَقَ النَّوَاةَ فَأَخْرَجَ مِنْهَا نَبَاتَ نَخْلَةٍ، وَفَلَقَ الْحَبَّةَ فَأَخْرَجَ نَبَاتَ الَّذِي خَلَقَ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى (فَالِقُ) : خَالِقٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] قَالَ: «خَالِقُ الْحَبَّ وَالنَّوَى» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] قَالَ: «خَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ فَلَقَ الشِّقَّ الَّذِي فِي الْحَبَّةِ وَالنَّوَاةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] قَالَ: «الشِقَّانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: ثنا خَالِدٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] قَالَ: «الشِّقُّ الَّذِي يَكُونُ فِي النَّوَاةِ وَفِي الْحِنْطَةِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] قَالَ: «الشِّقَّانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثني عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] يَقُولُ: " خَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى، يَعْنِي: كُلَّ حَبَّةٍ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي مَا قَدَّمْنَا الْقَوْلَ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِ عَنْ إِخْرَاجِهِ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى بِإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ فَالِقُ الْحَبِّ عَنِ النَّبَاتِ، وَالنَّوَى عَنِ الْغُرُوسِ وَالْأَشْجَارِ، كَمَا هُوَ مُخْرِجُ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي حُكِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي مَعْنَى فَالِقٍ أَنَّهُ خَالِقٌ، فَقَوْلٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ خَالِقٌ مِنْهُ النَّبَاتَ وَالْغُرُوسَ بِفَلْقِهِ إِيَّاهُ، لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا، لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَلَقَ اللَّهُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى: خَلَقَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُخْرِجُ السُّنْبُلَ الْحَيَّ مِنَ الْحَبِّ الْمَيِّتِ، وَمُخْرِجُ الْحَبِّ الْمَيِّتِ مِنَ السُّنْبُلِ الْحَيِّ، وَالشَّجَرِ الْحَيِّ مِنَ النَّوَى الْمَيِّتِ، وَالنَّوَى الْمَيِّتِ مِنَ الشَّجَرِ الْحَيِّ.
وَالشَّجَرُ مَا دَامَ قَائِمًا

عَلَى أُصُولِهِ لَمْ يَجِفَّ، وَالنَّبَاتُ عَلَى سَاقِهِ لَمْ يَيْبَسْ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ حَيًّا، فَإِذَا يَبِسَ وَجَفَّ أَوْ قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ سَمَّوْهُ مَيِّتًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل