تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 306-315

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النور: 34] مِنَ الْأُمَمِ، وَمَوْعِظَةً لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ، فَخَافَ عِقَابَهُ , وَخَشِيَ عَذَابَهُ

صفحات 306-315
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَالَ آخَرُونَ: الْمِشْكَاةُ الْحَدِيدُ الَّذِي يُعَلَّقُ بِهِ الْقِنْدِيلُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الْمِشْكَاةُ الْحَدَائِدُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِهَا الْقِنْدِيلُ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ فِي قَلْبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ، فَقَالَ: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ الَّذِي أَنَارَ بِهِ لِعِبَادِهِ سَبِيلَ الرَّشَادِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ , فَآمَنُوا بِهِ , وَصَدَّقُوا بِمَا فِيهِ، فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، مَثَلُ مِشْكَاةٍ، وَهِيَ عَمُودُ الْقِنْدِيلِ الَّذِي فِيهِ الْفَتِيلَةُ؛ وَذَلِكَ هُوَ نَظِيرُ الْكَوَّةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْحِيطَانِ الَّتِي لَا مَنْفَذَ لَهَا.
وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ الْعَمُودُ مِشْكَاةً، لِأَنَّهُ غَيْرُ نَافِذٍ، وَهُوَ أَجْوَفُ , مَفْتُوحُ الْأَعْلَى، فَهُوَ كَالْكَوَّةِ الَّتِي فِي الْحَائِطِ الَّتِي لَا تَنْفَذُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35] وَهُوَ السِّرَاجُ، وَجَعَلَ السِّرَاجَ , وَهُوَ الْمِصْبَاحُ مَثَلًا لِمَا فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْآيَاتِ الْمُبَيِّنَاتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: 35] يَعْنِي: أَنَّ السِّرَاجَ الَّذِي فِي الْمِشْكَاةِ فِي الْقِنْدِيلِ، وَهُوَ الزُّجَاجَةُ، وَذَلِكَ مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ، يَقُولُ: الْقُرْآنُ الَّذِي فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي أَنَارَ اللَّهُ قَلْبَهُ فِي صَدْرِهِ.
ثُمَّ مَثَلُ الصَّدْرِ فِي خُلُوصِهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ , وَالشَّكِّ فِيهِ , وَاسْتِنَارَتِهِ بِنُورِ الْقُرْآنِ , وَاسْتِضَاءَتِهِ بِآيَاتِ رَبِّهِ الْمُبَيِّنَاتِ , وَمَوَاعِظِهِ فِيهَا، بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، فَقَالَ: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ [النور: 35] وَذَلِكَ صَدْرُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي فِيهِ قَلْبُهُ ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيُّ﴾ [النور: 35] . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿دُرِّيُّ﴾ [النور: 35] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ

: ﴿ «دُرِّيُّ» ﴾ [النور: 35] بِضَمِّ الدَّالِّ، وَتَرْكِ الْهَمْزِ.
وَقَرَأَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: (دِرِّيءٌ) بِكَسْرِ الدَّالِّ وَهَمْزِةٍ وَقَرَأَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (دُرِّيءٌ) بِضَمِّ الدَّالِّ وَهَمْزِةٍ.
وَكَأَنَّ الَّذِينَ ضَمُّوا دَالَهُ , وَتَرَكُوا الْهَمْرَةَ، وَجَّهُوا مَعْنَاهُ إِلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُمْ، مِنْ أَنَّ الزُّجَاجَةَ فِي صَفَائِهَا وَحُسْنِهَا كَالدُّرِّ، وَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهِ لِذَلِكَ مِنْ نَعْتِهَا وَصِفَتِهَا.
وَوَجَّهَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِكَسْرِ دَالِهِ وَهَمْزِهِ، إِلَى أَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ دُرِّئَ الْكَوْكَبُ: أَيْ دُفِعَ وَرُجِمَ بِهِ الشَّيْطَانُ، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] أَيْ يَدْفَعُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْكَوَاكِبَ الْعِظَامَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا: الدَّرَارِيَّ , بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: هِيَ الدَّرَارِئُ , بِالْهَمْزِ، مِنْ يَدْرَأْنَ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِضَمِّ دَالِهِ وَهَمْزِهِ، فَإِنْ كَانُوا أَرَادُوا بِهِ دُرُّوءٌ , مِثْلُ سُبُّوحٍ , وَقُدُّوسٍ , مِنْ دَرَّأَتْ، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا كَثْرَةَ الضَّمَّاتِ فِيهِ، فَصَرَفُوا بَعْضَهَا إِلَى الْكَسْرَةِ،

فَقَالُوا: دِرِّيءٌ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 8] , وَهُوَ فَعُولٌ، مِنْ عَتَوْتُ عُتُوًّا، ثُمَّ حُوِّلَتْ بَعْضُ ضَمَّاتِهَا إِلَى الْكِسَرِ، فَقِيلَ: عِتِيًّا.
فَهُوَ مَذْهَبٌ، وَإِلَّا فَلَا أَعْرِفُ لِصِحَّةِ قِرَاءَتِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجْهًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِعِّيلٌ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: هُوَ لَحْنٌ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَاتِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ﴿دُرِّيُّ﴾ [النور: 35] بِضَمِّ دَالِهِ , وَتَرْكِ هَمْزِهِ، عَلَى النِّسْبَةِ إِلَى الدُّرِّ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ جَاءُوا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ قَبْلُ، فَفِي ذَلِكَ مُكْتَفًى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّتِهَا بِغَيْرِهِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: الزُّجَاجَةُ: وَهِيَ صَدْرُ الْمُؤْمِنِ، ﴿كَأَنَّهَا﴾ [النور: 35] يَعْنِي كَأَنَّ الزُّجَاجَةَ، وَذَلِكَ مَثَلٌ لِصَدْرِ الْمُؤْمِنِ، ﴿كَوْكَبٌ﴾ [النور: 35] يَقُولُ فِي صَفَائِهَا وَضِيَائِهَا وَحُسْنِهَا.
وَإِنَّمَا يَصِفُ صَدْرَهُ بِالنَّقَاءِ مِنْ كُلِّ رَيْبٍ وَشَكٍّ فِي أَسْبَابِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ , وَبُعْدَهُ مِنْ دَنَسِ الْمَعَاصِي، كَالْكَوْكَبِ الَّذِي يُشْبِهُ الدُّرَّ فِي الصَّفَاءِ وَالضِّيَاءِ وَالْحُسْنِ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ (تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: (تَوَقَّدَ مِنْ شَجَرَةٍ) بِالتَّاءِ، وَفَتْحِهَا، وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الدَّالِ.
وَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى تَوَقُّدِ الْمِصْبَاحِ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْمَدَنِيِّينَ ﴿يُوقَدُ﴾ [النور: 35] بِالْيَاءِ، وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، وَرَفْعِ الدَّالِ؛ بِمَعْنَى: يُوقِدُ الْمِصْبَاحُ مُوقِدُهُ مِنْ شَجَرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (تُوقَدُ) بِضَمِّ التَّاءِ , وَتَخْفِيفِ الْقَافِ وَرَفْعِ

الدَّالِ، بِمَعْنَى: يُوقِدُ الزُّجَاجَةُ مُوقِدُهَا مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ , لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَقِيلَ: تُوقَدُ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ: (تَوَقَّدُ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَضَمِّ الدَّالِ؛ بِمَعْنَى: تتَوَقَّدُ الزُّجَاجَةُ مِنْ شَجَرَةٍ، ثُمَّ أُسْقِطَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ اكْتِفَاءً بِالْبَاقِيَةِ مِنَ الذَّاهِبَةِ.
وَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي , وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ بِهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الزُّجَاجَةَ إِذَا وُصِفَتْ بِالتَّوَقُّدِ أَوْ بِأَنَّهَا تُوقَدُ، فَمَعْلُومٌ مَعْنَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَوَقَّدَ فِيهَا الْمِصْبَاحُ , أَوْ يُوقَدُ فِيهَا الْمِصْبَاحُ، وَلَكِنْ وَجَّهُوا الْخَبَرَ إِلَى أَنَّ وَصْفَهَا بِذَلِكَ أَقْرَبُ فِي الْكَلَامِ مِنْهَا , وَفَهْمِ السَّامِعِينَ مَعْنَاهُ , وَالْمُرَادِ مِنْهُ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبِأَيِّ الْقِرَاءَاتِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَاتِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فِي ذَلِكَ: (تَوَقَّدَ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الدَّالِ، بِمَعْنَى وَصْفِ الْمِصْبَاحِ بِالتَّوَقُّدِ؛ لِأَنَّ التَّوَقُّدَ وَالِاتِّقَادَ لَا شَكَّ أَنَّهُمَا مِنْ صِفَتِهِ، دُونَ الزُّجَاجَةِ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ، الْمِصْبَاحُ مِنْ دُهْنِ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، زَيْتُونَةٍ، لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فِيمَا قَدْ مَضَى، وَنَذْكُرُ بَاقِيَ مَا حَضَرَنَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ قَبْلُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قِيلَ: لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ: لَا

شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ أَيْ: لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً وَحْدَهَا حَتَّى لَا تُصِيبَهَا الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ، وَإِنَّمَا لَهَا نَصِيبُهَا مِنَ الشَّمْسِ بِالْغَدَاةِ مَا دَامَتْ بِالْجَنْبِ الَّذِي يَلِي الشَّرْقَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهَا نَصِيبٌ مِنْهَا إِذَا مَالَتْ إِلَى جَانِبِ الْغَرْبِ.
وَلَا هِيَ غَرْبِيَّةٌ وَحْدَهَا، فَتُصِيبُهَا الشَّمْسُ بِالْعَشِيِّ إِذَا مَالَتْ إِلَى جَانِبِ الْغَرْبِ، وَلَا تُصِيبُهَا بِالْغَدَاةِ؛ وَلَكِنَّهَا شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ، تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بِالْغَدَاةِ , وَتَغْرُبُ عَلَيْهَا، فَيُصِيبُهَا حَرُّ الشَّمْسِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ.
قَالُوا: وإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ، كَانَ أَجْوَدَ لِزَيْتِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] قَالَ: «لَا يَسْتُرُهَا مِنَ الشَّمْسِ جَبَلٌ وَلَا وَادٍ، إِذَا طَلَعَتْ وَإِذَا غَرَبَتْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا حِرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] قَالَ: «الشَّجَرَةُ تَكُونُ فِي مَكَانٍ لَا يَسْتُرُهَا مِنَ الشَّمْسِ شَيْءٌ، تَطْلُعُ عَلَيْهَا , وَتَغْرُبُ عَلَيْهَا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] قَالَا: «هِيَ الَّتِي بِشِقِّ الْجَبَلِ، الَّتِي يُصِيبُهَا شُرُوقُ الشَّمْسِ وَغُرُوبُهَا، إِذَا طَلَعَتْ أَصَابَتْهَا , وَإِذَا غَرَبَتْ أَصَابَتْهَا»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] قَالَ: «هِيَ شَجَرَةٌ وَسَطَ الشَّجَرِ، لَيْسَتْ مِنَ الشَّرْقِ , وَلَا مِنَ الْغَرْبِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] «مُتَيَامِنَةَ الشَّأْمِ، لَا شَرْقِيَّ , وَلَا غَرْبِيَّ» وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ مِنْ شَجَرِ الدُّنْيَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ لَكَانَتْ شَرْقِيَّةً أَوْ غَرْبِيَّةً، وَلَكِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عُثْمَانُ يَعْنِي ابْنَ الْهَيْثَمِ قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] قَالَ: «لَوْ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ هَذِهِ الزَّيْتُونَةُ كَانَتْ شَرْقِيَّةً أَوْ غَرْبِيَّةً، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا هِيَ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] قَالَ: «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ فِي الدُّنْيَا لَكَانَتْ إِمَّا شَرْقِيَّةً , وَإِمَّا غَرْبِيَّةً» وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ؛ وَقَالَ: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ بِالْعَشِيِّ، دُونَ الْغَدَاةِ، وَلَكِنَّ الشَّمْسَ تُشْرِقُ عَلَيْهَا وَتَغْرُبُ، فَهِيَ شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِمَعْنَى الْكَلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَصَفَ الزَّيْتَ الَّذِي يُوقَدُ عَلَى هَذَا الْمِصْبَاحِ بِالصَّفَاءِ وَالْجَوْدَةِ، فَإِذَا كَانَ شَجَرُهُ شَرْقِيًّا غَرْبِيًّا كَانَ زَيْتُهُ لَا شَكَّ أَجْوَدَ وَأَصْفَى وَأَضْوَأَ

وَقَوْلُهُ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَكَادُ زَيْتُ هَذِهِ الزَّيْتُونَةُ يُضِيءُ مِنْ صَفَائِهِ , وَحُسْنِ ضِيَائِهِ.
﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: 35] يَقُولُ: فَكَيْفَ إِذَا مَسَّتْهُ النَّارُ؟ . وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: 35] أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَأَنَّهُ كَلَامُهُ، جَعَلَ مَثَلَهُ , وَمَثَلَ كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِهِ مَثَلَ

الْمِصْبَاحِ الَّذِي يُوقَدُ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي وَصَفَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: 35] أَنَّ حُجَجَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِهِ تَكَادُ مِنْ بَيَانِهَا وَوُضُوحِهَا تُضِيءُ لِمَنْ فَكَرَّ فِيهَا , وَنَظَرَ , أَوْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَلَهَا.
﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: 35] يَقُولُ: وَلَوْ لَمْ يُزِدْهَا اللَّهُ بَيَانًا وَوُضُوحًا بِإِنْزَالِهِ هَذَا الْقُرْآنَ

إِلَيْهِمْ، مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى تَوْحِيدِهِ، فَكَيْفَ إِذَا نَبَّهَهُمْ بِهِ , وَذَكَّرَهُمْ بِآيَاتِهِ , فَزَادَهُمْ بِهِ حُجَّةً إِلَى حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ؟ فَذَلِكَ بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ , وَنَوُرٌ عَلَى الْبَيَانِ، وَالنُّورُ الَّذِي كَانَ قَدْ وَضَعَهُ لَهُمْ وَنَصَبَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: 35] يَعْنِي النَّارَ عَلَى هَذَا الزَّيْتِ الَّذِي كَادَ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ النَّارُ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: 35] قَالَ: «النَّارُ عَلَى الزَّيْتِ» قَالَ: أَبُو جَعْفَرٍ: وَهُوَ عِنْدِي كَمَا ذَكَرْتُ مَثَلُ الْقُرْآنِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: 35] هَذَا الْقُرْآنُ نُورٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَنْزَلَهُ إِلَى خَلْقِهِ يَسْتَضِيئُونَ بِهِ.
﴿عَلَى نُورٍ﴾ [النور: 35] عَلَى الْحُجَجِ وَالْبَيَانِ الَّذِي قَدْ نَصَبَهُ لَهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ الْقُرْآنِ , وَإِنْزَالِهِ إِيَّاهُ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ وَحْدَانِيَّتِهِ.
فَذَلِكَ بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَنُورٌ عَلَى الْبَيَانِ، وَالنُّورُ الَّذِي كَانَ وَضَعَهُ لَهُمْ وَنَصَبَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: 35] «يُضِيءُ بَعْضُهُ بَعْضًا، يَعْنِي الْقُرْآنَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُوَفِّقُ اللَّهُ لِاتِّبَاعِ

نُورِهِ، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ، مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَقَوْلُهُ ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُوَفِّقُ اللَّهُ لِاتِّبَاعِ نُورِهِ وَهُوَ هَذا الْقُرْآنُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: 25] يَقُولُ: وَيُمَثِّلُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ لِلنَّاسِ , كَمَا مَثَّلَ لَهُمْ مَثَلَ هَذَا الْقُرْآنِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بِالْمِصْبَاحِ فِي الْمِشْكَاةِ , وَسَائِرِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْأَمْثَالِ

جارٍ التحميل