الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[البقرة: 274]
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ، مِنْ غَافِقٍ: أَن أَبَا الدَّرْدَاءِ، كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْخَيْلِ مَرْبُوطَةً بَيْنَ
الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنِ، فَيَقُولُ: أَهْلُ هَذِهِ يَعْنِي الْخَيْلَ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 274] " وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ قَوْمًا أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: 261] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 274] «هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ» ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْأَسْفَلُونَ» . قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِلَّا مَنْ؟ قَالَ: «الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْأَسْفَلُونَ» ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِلَّا مَنْ؟ قَالَ: «الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْأَسْفَلُونَ» ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِلَّا مَنْ؟ حَتَّى خَشُوا أَنْ تَكُونَ قَدْ مَضَتْ فَلَيْسَ لَهَا رَدٌّ، حَتَّى قَالَ: «إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا» عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، «وَهَكَذَا» بَيْنَ يَدَيْهِ «وَهَكَذَا» خَلْفَهُ، «وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ وَارْتَضَى فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا إِمْلَاقٍ وَلَا تَبْذِيرٍ وَلَا فَسَادٍ» وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62] كَانَ مِمَّا يُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ
نُزُولِ مَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ مِنْ تَفْصِيلِ الزَّكَوَاتِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةُ قَصَرُوا عَلَيْهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62] «فَكَانَ هَذَا يُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ بَرَاءَةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةُ بِفَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْصِيلِهَا انْتَهَتِ الصَّدَقَاتُ إِلَيْهَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُه إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: الَّذِينَ يُرْبُونَ، وَالْإِرْبَاءُ: الزِّيَادَةُ عَلَى الشَّيْءِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَرْبَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا زَادَ عَلَيْهِ يُرْبِي إِرْبَاءً وَالزِّيَادَةُ هِيَ الرِّبَا، وَرَبَا الشَّيْءُ: إِذَا زَادَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَعَظُمَ فَهُوَ يَرْبُو رَبْوًا، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلرَّابِيَةِ لِزِيَادَتِهَا فِي الْعِظَمِ وَالْإِشْرَافِ عَلَى مَا اسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ مِمَّا حَوْلَهَا مِنْ قَوْلِهِمْ رَبَا يَرْبُو وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: فُلَانٌ فِي رِبَا قَوْمِهِ يُرَادُ أَنَّهُ فِي رِفْعَةٍ وَشَرَفٍ مِنْهُمْ، فَأَصْلُ الرِّبَا الْإِنَافَةُ وَالزِّيَادَةُ، ثُمَّ يُقَالُ: أَرْبَى فُلَانٌ: أَيْ أَنَافَ صَيَّرَهِ زَائِدًا، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُرْبِي مُرْبٍ لِتَضْعِيفِهِ الْمَالَ
الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ حَالًا، أَوْ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فِيهِ، لِسَبَبِ الْأَجَلِ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ إِلَيْهِ، فَيَزِيدُهُ إِلَى أَجَلِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلَ حَلِّ دِينِهِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ:
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ فِي الرِّبَا الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ: " كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ، فَيَقُولُ: لَكَ كَذَا وَكَذَا وَتُؤَخِّرُ عَنِي فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ «أَنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، يَبِيعُ الرَّجُلُ الْبَيْعَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ صَاحِبِهِ قَضَاءٌ زَادَهُ وَأَخَّرَ عَنْهُ» فَقَالَ جَلَّ ثناؤُهُ لِلَّذِينَ يُرْبُونَ الرِّبَا الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ فِي الدُّنْيَا، لَا يَقُومُونَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ: يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
فَيَصْرَعُهُ مِنَ الْمَسِّ، يَعْنِي مِنَ الْجُنُونِ، وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَكْلِ الرِّبَا فِي الدُّنْيَا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] قَالَ: «ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِآكِلِ الرِّبَا: خُذْ سِلَاحَكَ لِلْحَرْبِ "، وَقَرَأَ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] قَالَ: «ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] الْآيَةَ، قَالَ: «يُبْعَثُ آكِلُ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَجْنُونًا يَخْنُقُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ [البقرة: 275] الْآيَةَ، «وَتِلْكَ عَلَامَةُ أَهْلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بُعِثُوا وَبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] قَالَ: «هُوَ التَّخَبُّلُ الَّذِي يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْجُنُونِ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] قَالَ: «يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ» وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ «لَا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَأْكُلُ الرِّبَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَخَبِّطًا كَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] «يَعْنِي مِنَ الْجُنُونِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] قَالَ: «هَذَا مَثَلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّاسِ، إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يُخْنَقُ مَعَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ خُنِقَ كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ» وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] يَتَخَبَّلُهُ مِنْ مَسِّهِ إِيَّاهُ، يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ مُسَّ الرَّجُلُ وَأُلِقَ فَهُوَ مَمْسُوسٌ وَمَأْلُوقٌ، كُلُّ ذَلِكَ إِذَا أَلَمَّ بِهِ اللَّمُمُ فَجُنَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: 201] ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر الطويل] وَتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وَكَأَنَّمَا ... أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَقُ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَفَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الرِّبَا فِي تِجَارَتِهِ وَلَمْ يَأْكُلْهُ أَيَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ مِنَ اللَّهِ؟
قِيلَ: نَعَمْ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الرِّبَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَكْلَ إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتُ يَوْمَ نَزَلَتْ كَانَتْ طُعْمَتُهُمْ وَمَأْكَلُهُمْ مِنَ الرِّبَا، فَذَكَرَهُمْ بِصِفَتِهِمْ مُعَظِّمًا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمْرَ الرِّبَا، وَمُقَبِّحًا إِلَيْهِمُ الْحَالَ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا فِي مَطَاعِمِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279] الْآيَةَ مَا يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ وَأَنَّ التَّحْرِيمَ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ كَانَ لِكُلِّ مَعَانِي الرِّبَا وَأَنَّ سَوَاءً الْعَمَلُ بِهِ وَأَكْلُهُ وَأَخْذُهُ وَإِعْطَاؤُهُ، كَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ إِذَا عَلِمُوا بِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ كَقِيَامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ مِنَ الْجُنُونِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ
يُصِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبْحِ حَالِهِمْ وَوَحْشَةِ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَسُوءِ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْذِبُونَ وَيَفْتَرُونَ وَيَقُولُونَ إِنَّمَا الْبَيْعُ الَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِثْلُ الرِّبَا، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنَ الرِّبَا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ إِذَا حَلَّ مَالُ أَحَدُهِمْ عَلَى غَرِيمِهِ يَقُولُ الْغَرِيمُ لِغَرِيمِ الْحَقِّ: زِدْنِي فِي الْأَجَلِ وَأَزِيدُكَ فِي مَالِكَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا إِذَا فَعَلَا ذَلِكَ: هَذَا رِبًا لَا يَحِلُّ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ، قَالَا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا زِدْنَا فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ أَوْ عِنْدَ مَحَلِّ الْمَالِ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي قِيلِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْأَرْبَاحَ فِي التِّجَارَةِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَحَرَّمَ الرِّبَا يَعْنِي الزِّيَادَةَ الَّتِي يُزَادُ رَبُّ
الْمَالِ بِسَبَبِ زِيَادَتِهِ غَرِيمَهُ فِي الْأَجَلِ، وَتَأْخِيرِهِ دَيْنَهُ عَلَيْهِ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَيْسَتِ الزِّيَادَتَانِ اللَّتَانِ إِحْدَاهُمَا مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ، وَالْأُخْرَى مِنْ وَجْهِ تَأْخِيرِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْأَجَلِ سَوَاءً، وَذَلِكَ أَنِّي حَرَّمْتُ إِحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهٍ تَأْخِيرُ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْأَجَلِ؛ وَأَحْلَلْتُ الْأُخْرَى مِنْهُمَا، وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهٍ الزِّيَادَةُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ الَّتِي يَبِيعُهَا فَيَسْتَفْضِلُ فَضْلَهَا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ نَظِيرَ الزِّيَادَةِ مِنْ وَجْهِ الرِّبَا؛ لِأَنِّي أَحْلَلْتُ الْبَيْعَ، وَحَرَّمْتُ الرِّبَا،
وَالْأَمْرُ أَمْرِي وَالْخَلْقُ خَلْقِي، أَقْضِي فِيهِمْ مَا أَشَاءُ، وَأَسْتَعْبِدُهُمْ بِمَا أُرِيدُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَرِضَ فِي حُكْمِي، وَلَا أَنْ يُخَالِفَ فِي أَمْرِي، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ طَاعَتِي وَالتَّسْلِيمُ لِحُكْمِي.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ [البقرة: 275] يَعْنِي بِالْمَوْعِظَةِ التَّذْكِيرَ وَالتَّخْوِيفَ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِهِ فِي آيِ الْقُرْآنِ، وَأَوْعَدَهُمْ عَلَى أَكْلِهِمُ الرِّبَا مِنَ الْعِقَابِ، يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ: فَمَنْ جَاءَهُ ذَلِكَ فَانْتَهَى عَنْ أَكْلِ الرِّبَا، وَارْتَدَعَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ، وَانْزَجَرَ عَنْهُ ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275] يَعْنِي مَا أَكَلَ وَأَخَذَ فَمَضَى قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّحْرِيمِ مِنْ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] يَعْنِي وَأَمْرُ آكِلِهِ بَعْدَ مَجِيئِهِ الْمَوْعِظَةُ مِنْ رَبِّهِ وَالتَّحْرِيمُ، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ آكِلِهِ عَنْ أَكْلِهِ إِلَى اللَّهِ فِي عِصْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ إِنْ شَاءَ عَصَمَهُ عَنْ أَكْلِهِ وَثَبَّتَهُ فِي انْتِهَائِهِ عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ خَذَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ [البقرة: 275] يَقُولُ وَمَنْ عَادَ لِأَكْلِ الرِّبَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ وَقَالَ مَا كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْعِظَةِ مِنَ اللَّهِ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81] يَعْنِي فَفَاعِلُو ذَلِكَ وَقَائِلُوهُ هُمْ أَهْلُ النَّارِ يَعْنِي نَارَ جَهَنَّمَ فِيهَا خَالِدُونَ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ؛ ثنا
أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] «أَمَّا الْمَوْعِظَةُ فَالْقُرْآنُ، وَأَمَّا مَا سَلَفَ فَلَهُ مَا أَكَلَ مِنَ الرِّبَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276] يَعْنِي عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 276] يُنْقِصُ اللَّهُ الرِّبَا فَيُذْهِبُهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 276] قَالَ: «يُنْقِصُ» وَهَذَا نَظِيرُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِلَى قُلٍّ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276] فَإِنَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ يَعْنِي أَنَّهُ يُضَاعِفُ أَجْرَهَا لِرَبِّهَا، وَيُنَمِّيهَا لَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرِّبَا قَبْلُ وَالْإِرْبَاءِ وَمَا أَصْلُهُ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ إِعَادَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ إِرْبَاءُ اللَّهِ الصَّدَقَاتِ؟ قِيلَ: إِضْعَافُهُ الْأَجْرَ لِرَبِّهَا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾
وَكَمَا قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]
وَكَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ» وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 104] وَ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَالِدٍ الْأَقْطَعُ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: ثنا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَلَا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا الطَّيِّبَ، وَيُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ» وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ طَيِّبٍ تَقَبَّلَهَا اللَّهُ مِنْهُ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ وَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَصَدَّقُ بِاللُّقْمَةِ فَتَرْبُو فِي يَدِ اللَّهِ» ، أَوْ قَالَ: «فِي كَفِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ؛ فَتَصَدَّقُوا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا، وَاللَّهُ يُرَبِّي لِأَحَدِكُمْ لُقْمَتَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ وَفَصِيلَهُ، حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُصِرٍّ عَلَى كُفْرٍ بِرَبِّهِ، مُقِيمٍ عَلَيْهِ، مُسْتَحِلٍّ أَكَلَ الرِّبَا وَإِطْعَامَهُ، أَثِيمٍ مُتَمَادٍ فِي الْإِثْمِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الرِّبَا وَالْحَرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِيهِ، لَا يَنْزَجِرُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَرْعَوِي عَنْهُ، وَلَا يَتَّعِظُ بِمَوْعِظَةِ رَبِّهِ الَّتِي وَعَظَهُ بِهَا فِي تَنْزِيلِهِ وَآيِ كِتَابِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 277] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، يَعْنِي الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَأَكْلِهِ
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ شَرَائِعِ دِينِهِ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا، وَالَّتِي نَدَبَهُمْ إِلَيْهَا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِحُدُودِهَا، وَأَدَّوْهَا بِسُنَنِهَا، وَآتَوُا الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، بَعْدَ الَّذِي سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ أَكَلِ الرِّبَا، قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْعِظَةِ فِيهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ، يَعْنِي ثَوَابَ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَصَدَقَتِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ فِي مَعَادِهِمْ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ مِنْ عِقَابِهِ عَلَى مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ مِنْ أَكْلِ مَا كَانُوا أَكَلُوا مِنَ الرِّبَا بِمَا كَانَ مِنْ إِنَابَتِهِمْ، وَتَوْبَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِمُ الْمَوْعِظَةُ مِنْ رَبِّهِمْ، وَتَصْدِيقِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى تَرْكِهِمْ مَا كَانُوا تَرَكُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَكْلِ
الرِّبَا وَالْعَمَلِ بِهِ إِذَا عَايَنُوا جَزِيلَ ثَوَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ مَا تَرَكُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَوَصَلُوا إِلَى مَا وُعِدُوا عَلَى تَرْكِهِ