تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: 2] يَقُولُ: الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فَسَوَّى خَلْقَهَا وَعَدَّلَهَا؛ ﴿وَالتَّسْوِيَةُ: التَّعْدِيلُ﴾

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: 2] يَقُولُ: الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فَسَوَّى خَلْقَهَا وَعَدَّلَهَا؛ ﴿وَالتَّسْوِيَةُ: التَّعْدِيلُ﴾

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

1

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِي قَدَّرَ خَلْقَهُ فَهَدَى.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَدَى﴾ [البقرة: 213] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِسَبِيلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْبَهَائِمَ لِلْمَرَاتِعِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3] قَالَ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِلشِّقْوَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ

لِمَرَاتِعِهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: هَدَى الذُّكُورَ لِمَأْتَى الْإِنَاثِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ ﴿فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3] الْخَبَرَ عَنْ هِدَايَتِهِ خَلْقَهُ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، وَقَدْ هَدَاهُمْ لِسَبِيلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَهَدَى الذُّكُورَ لِمَأْتَى الْإِنَاثِ، فَالْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ خَبَرٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، دَالٌّ عَلَى خُصُوصِهِ.
وَاجْتَمَعَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى تَشْدِيدِ الدَّالِ مِنْ قَدَّرَ، غَيْرَ الْكِسَائِيِّ فَإِنَّهُ خَفَّفَهَا.
وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ التَّشْدِيدُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: 4] يَقُولُ: وَالَّذِي أَخْرَجَ مِنَ الْأَرْضِ مَرْعَى الْأَنْعَامِ، مِنْ صُنُوفِ النَّبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْحَشِيشِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُكْرَمٍ، قَالَ ثنا الْحَفَرِيُّ، قَالَ ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، " ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: 4] قَالَ النَّبَاتَ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: 4] الْآيَةُ، نَبَتَ كَمَا رَأَيْتُمْ، بَيْنَ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَأَبْيَضَ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْمَرْعَى غُثَاءً، وَهُوَ مَا جَفَّ مِنَ النَّبَاتِ وَيَبِسَ، فَطَارَتْ بِهِ الرِّيحُ؛ وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ هَاهُنَا أَنَّهُ جَعَلَهُ هَشِيمًا يَابِسًا مُتَغَيِّرًا إِلَى الْحُوَّةِ، وَهِيَ السَّوَادُ، مِنَ الْبَيَاضِ أَوِ الْخُضْرَةِ، مِنْ شِدَّةِ الْيُبْسِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5] يَقُولُ: هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5] قَالَ: غُثَاءُ السَّيْلِ أَحْوَى، قَالَ: أَسْوَدُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ

: " ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5] قَالَ: يَعُودُ يَبَسًا بَعْدَ خُضْرَةٍ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [سورة: الأعلى، آية رقم: 5] قَالَ: كَانَ بَقْلًا وَنَبَاتًا أَخْضَرَ، ثُمَّ هَاجَ فَيَبُسَ، فَصَارَ غُثَاءً أَحْوَى، تَذْهَبُ بِهِ الرِّيَاحُ وَالسُّيُولُ " وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى أَحْوَى: أَيْ أَخْضَرَ إِلَى السَّوَادِ، فَجَعَلَهُ غُثَاءً بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَعْتَلُّ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: [البحر البسيط] حَوَّاءُ قَرْحَاءُ أَشْرَاطِيَّةٌ وَكَفَتْ ... فِيهَا الذَّهَابُ وَحَفَّتْهَا الْبَرَاعِيمُ وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ أَنْ يَكُونَ مَا اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّبَاتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ أَسْوَدَ، غَيْرَ صَوَابٍ عِنْدِي بِخِلَافِهِ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي أَنَّ الْحَرْفَ إِنَّمَا يَحْتَالُ لِمَعْنَاهُ الْمَخْرَجُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ مَفْهُومٌ إِلَّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، أَوْ تَأْخِيرِهِ، فَإِمَّا وَلَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَجْهٌ صَحِيحٌ فَلَا وَجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيَالِ لِمَعْنَاهُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة:] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

سَنُقْرِئُكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنَ فَلَا تَنْسَاهُ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة: الأعلى، آية رقم: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ هَذَا الْقُرْآنَ، وَيَحْفَظُهُ عَلَيْهِ، وَنُهِيَ مِنْهُ أَنْ يَعْجَلَ بِقِرَاءَتِهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة: القيامة، آية رقم: 16]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [سورة:] قَالَ: كَانَ يَتَذَكَّرُ الْقُرْآنَ فِي نَفْسِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَى " فَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةَ: مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى النِّسْيَانِ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَنْسَاهُ، وَلَا تَذْكُرْهُ، قَالُوا: ذَلِكَ هُوَ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَرَفَعَ حُكْمَهُ وَتِلَاوَتَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْسَى شَيْئًا ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 128] "

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى النِّسْيَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: التَّرْكُ؛ وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: سَنُقْرِئُكَ يَا مُحَمَّدُ فَلَا تَتْرُكِ الْعَمَلَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ، مِمَّا نَنْسَخُهُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أَنْ تَنْسَى شَيْئًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وَلَا يَشَاءُ.
قَالَ: وَأَنْتَ قَائِلٌ فِي الْكَلَامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ كُلَّ مَا سَأَلْتَ إِلَّا مَا شِئْتَ، وَإِلَّا أَنْ أَشَاءَ أَنْ أَمْنَعَكَ، وَالنِّيَّةُ أَنْ لَا تَمْنَعَهُ، وَلَا تَشَاءَ شَيْئًا.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا مَجَارِي الْأَيْمَانُ، يُسْتَثْنَى فِيهَا، وَنِيَّةُ الْحَالِفِ: اللِّمَامُ.
وَالْقَوْلُ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدِي، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَا تَنْسَى إِلَّا أَنْ نَشَاءَ نَحْنُ أَنْ نُنْسِيَكَهُ بِنَسْخِهِ وَرَفْعِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ

وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْجَهْرَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ عَمَلِكَ، مَا أَظْهَرْتَهُ وَأَعْلَنْتَهُ ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ [إبراهيم: 38] يَقُولُ: وَمَا يَخْفَى مِنْهُ فَلَمْ تُظْهِرْهُ، مِمَّا كَتَمْتَهُ، يَقُولُ: هُوَ يَعْلَمُ جَمِيعَ أَعْمَالِكَ، سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا؛ يَقُولُ: فَاحْذَرْهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ عَامِلٌ فِي حَالٍ مِنْ

أَحْوَالِكَ بِغَيْرِ الَّذِي أَذِنَ لَكَ بِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنُسَهِّلُكَ يَا مُحَمَّدُ لِعَمَلِ الْخَيْرِ، وَهُوَ الْيُسْرَى؛ وَالْيُسْرَى: هُوَ الْفُعْلَى مِنَ الْيُسْرِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَذَكِّرْ عِبَادَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ عَظَمَتَهُ، وَعِظْهُمْ، وَحَذِّرْهُمْ عُقُوبَتَهُ ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: 9] يَقُولُ: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى الَّذِينَ قَدْ آيَسْتُكَ مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَلَا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرَى.
وَقَوْلُهُ ﴿فَذَكِّرْ﴾ [ق: 45] أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَذْكِيرِ جَمِيعِ النَّاسِ، ثُمَّ

قَالَ: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ آيَسْتُكَ مِنْ إِيمَانِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: سَيَذَّكَّرُ يَا مُحَمَّدُ إِذْ ذَكَّرْتَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِتَذْكِيرِهِمْ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَيَخَافُ عِقَابَهُ.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ [الأعلى: 11] يَقُولُ: وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى ﴿الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 11] يَعْنِي: أَشْقَى الْفَرِيقَيْنِ ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: 12] وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ تَنْفَعْهُمُ الذِّكْرَى.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10] فَاتَّقُوا اللَّهَ، مَا خَشِيَ اللَّهَ عَبْدٌ قَطُّ إِلَّا ذَكَرَهُ ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 11] فَلَا وَاللَّهِ لَا يَتَنَكَّبُ عَبْدٌ هَذَا الذِّكْرَ زُهْدًا فِيهِ وَبُغْضًا لِأَهْلِهِ،

إِلَّا شَقِيٌّ بَيِّنُ الشَّقَاءِ "

جارٍ التحميل