تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 407-421

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10] يَعْنِي بِالْقُصُورِ: الْبُيُوتَ الْمَبْنِيَّةَ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

صفحات 407-421
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10] قَالَ: بُيُوتًا مَبْنِيَّةً مَشِيدَةً، كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا " قَالَ: «كَانَتْ قُرَيْشٌ تَرَى الْبَيْتَ مِنَ الْحِجَارَةِ قَصْرًا كَائِنًا مَا كَانَ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10] مُشَيَّدَةً فِي الدُّنْيَا، كُلُّ هَذَا قَالَتْهُ قُرَيْشٌ.
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَرَى الْبَيْتَ مِنْ حِجَارَةٍ مَا كَانَ صَغِيرًا قَصْرًا ".

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعْطِيَكَ مِنْ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَمَفَاتِيحِهَا مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيُّ قَبْلَكَ وَلَا يُعْطَى مِنْ بَعْدِكَ , وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: «اجْمَعُوهَا لِي فِي الْآخِرَةِ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , وَأَنْكَرُوا مَا جِئْتَهُمْ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْحَقِّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ , وَتَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ،

وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ , وَلَا يُصَدِّقُونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِالْقِيَامَةِ وَبَعْثِ اللَّهِ الْأَمْوَاتَ أَحْيَاءً لِحَشْرِ الْقِيَامَةِ.
﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ [النساء: 37] يَقُولُ: وَأَعْدَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِبَعْثِ اللَّهِ الْأَمْوَاتَ أَحْيَاءً بَعْدَ فَنَائِهِمْ لَقِيَامِ السَّاعَةِ، نَارًا تُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ وَتَتَّقِدُ.
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: 12] يَقُولُ: إِذَا رَأَتْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ

أَشْخَاصَهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، تَغَيَّظَتْ عَلَيْهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنْ تَغْلِيَ وَتَفُورَ.
يُقَالُ: فُلَانٌ تَغَيَّظَ عَلَى فُلَانٍ، وَذَلِكَ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ فَغَلَى صَدْرُهُ مِنَ الْغَضَبِ , عَلَيْهِ وَتَبَيَّنَ فِي كَلَامِهِ.
وَزَفِيرًا، وَهُوَ صَوْتُهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: 12] وَالتَّغَيُّظُ: لَا يُسْمَعُ؟ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَمِعُوا لَهَا صَوْتَ التَّغَيُّظِ، مِنَ التَّلَهُّبِ وَالتَّوَقُّدِ

حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: ثنا أُصْبُعُ بْنُ زَيْدٍ الْوَرَّاقُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ فُدَيْكٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَقُولُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنِي جَهَنَّمَ مَقْعَدًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنٍ؟ قَالَ: " أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: 12] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، فِي قَوْلِهِ: سَمِعُوا لَهَا، تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: " إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفُرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ وَلَا نَبِيُّ إِلَّا خَرَّ تَرْعَدُ فَرَائِصُهُ؛ حَتَّى إِنَّ

إِبْرَاهِيمَ لَيَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَسْأَلُكُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِيَ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَتَنْزَوِي وَيَنْقَبِضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَيَقُولُ لَهَا الرَّحْمَنُ: مَا لَكِ؟ فَتَقُولُ: إِنَّهُ لَيَسْتَجِيرُ مِنِّي فَيَقُولُ: أَرْسِلُوا عَبْدِي وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ هَذَا الظَّنَّ بِكَ فَيَقُولُ: فَمَا كَانَ ظَنُّكَ؟ فَيَقُولُ: أَنْ تَسَعَنِيَ رَحْمَتُكَ قَالَ: فَيَقُولُ أَرْسِلُوا عَبْدِي وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَتَشْهَقُ إِلَيْهِ النَّارُ شُهُوقَ الْبَغْلَةِ إِلَى الشَّعِيرِ , وَتَزْفَرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى أحَدٌ إِلَّا خَافَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا أُلْقِيَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِالسَّاعَةِ مِنَ النَّارِ مَكَانًا ضَيِّقًا، قَدْ قُرِّنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ؛ ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾

[الفرقان: 13] . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الثُّبُورِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْوَيْلُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،.
فِي قَوْلِهِ: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 14] يَقُولُ: «وَيْلًا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ [الفرقان: 14] يَقُولُ: «لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ وَيْلًا وَاحِدًا، وَادْعُوا وَيْلًا كَثِيرًا» وَقَالَ آخَرُونَ: الثُّبُورُ الْهَلَاكُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ [الفرقان: 14] " الثُّبُورُ: الْهَلَاكُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالثُّبُورُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَصْلُهُ انْصِرَافُ الرَّجُلِ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ مِنْهُ: مَا ثَبَرَكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ أَيْ: مَا صَرَفَكَ عَنْهُ.
وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دُعَاءُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِالنَّدَمِ عَلَى انْصِرَافِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا , وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَوْجَبُوا الْعُقُوبَةَ مِنْهُ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: وَانَدَامَتَاهُ، وَاحَسْرَتَاهُ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ.

وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13] أَيْ هَلَكَةً، وَيَقُولُ: هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ ثُبِرَ الرَّجُلُ: أَيْ أُهْلِكَ، وَيُسْتَشْهَدُ لِقِيلِهِ فِي ذَلِكَ بِبَيْتِ ابْنِ الزِّبَعْرَى: [البحر الخفيف] إِذْ أُجَارِي الشَّيْطَانَ فِي سَنَنِ الْغَـ ... ـيِّ وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ﴾ [الفرقان: 14] أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ نَدَمًا وَاحِدًا: أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنِ ادْعُوا ذَلِكَ كَثِيرًا.
وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ [الفرقان: 14] لِأَنَّ الثُّبُورَ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ لَا تُجْمَعُ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ بِامْتِدَادِ وَقْتِهَا وَكَثْرَتِهَا، كَمَا يُقَالُ: قَعَدَ قُعُودًا طَوِيلًا، وَأَكَلَ أَكْلًا كَثِيرًا

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إِبْلِيسُ، فَيَضَعُهَا عَلَى حَاجِبَيْهِ، وَيَسْحَبُهَا مِنْ خَلْفِهِ، وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثُبُورَاهُ وَهُمْ يُنَادُونَ: يَا ثُبُورَهُمْ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى النَّارِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثُبُورَاهُ وَهُمْ يُنَادُونَ: يَا ثُبُورَهُمْ فَيُقَالُ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 14] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالسَّاعَةِ: أَهَذِهِ النَّارُ الَّتِي وَصَفَ لَكُمْ رَبُّكُمْ صِفَتَهَا وَصِفَةَ أَهْلِهَا خَيْرٌ، أَمْ

بُسْتَانُ الْخُلْدِ الَّذِي يَدُومُ نَعِيمُهُ وَلَا يَبِيدُ، الَّذِي وَعَدَ مَنِ اتَّقَاهُ فِي الدُّنْيَا بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ؟

وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان: 15] يَقُولُ: كَانَتْ جَنَّةُ الْخُلْدِ لِلْمُتَّقِينَ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا بِطَاعَتِهِ , وَثَوَابَ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ , وَمَصِيرًا لَهُمْ، يَقُولُ: وَمَصِيرًا لِلْمُتَّقِينَ , يَصِيرُونَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ يَقُولُ: لِهَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ الَّتِي وَعَدَهُمُوهَا

اللَّهُ، مَا يَشَاءُونَ مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ.
خَالِدِينَ فِيهَا، يَقُولُ: لَابِثِينَ فِيهَا , مَاكِثِينَ أَبَدًا، لَا يَزُولُونَ عَنْهَا , وَلَا يَزُولُ عَنْهُمْ نَعِيمُهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا رَبَّهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالُوا: ﴿آتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194] , يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: كَانَ إِعْطَاءُ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّةَ الْخُلْدِ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا فِي الْآخِرَةِ، وَعْدًا وَعَدَهُمُ اللَّهُ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا , وَمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ قَالَ: «فَسَأَلُوا الَّذِي وَعَدَهُمْ وَتَنَجَّزُوهُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ قَالَ: سَأَلُوهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا، طَلَبُوا ذَلِكَ فَأَعْطَاهُمْ وَعْدَهُمْ، إِذْ سَأَلُوهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ فَأَعْطَاهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ وَعْدًا مَسْئُولًا، كَمَا وَقَّتَ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ , فَجَعَلَهَا أَقْوَاتًا لِلسَّائِلِينَ، وَقَّتَ ذَلِكَ عَلَى مَسْأَلَتِهِمْ.
وَقَرَأَ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] " وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ: وَعْدًا وَاجِبًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسئُولَ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ كَالدَّيْنِ، وَيَقُولُ: ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ: لَأُعْطِيَنَّكَ أَلْفًا وَعْدًا مَسْئُولًا، بِمَعْنَى: وَاجِبٌ لَكَ فَتَسْأَلُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: 17]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ نَحْشُرُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالسَّاعَةِ الْعَابِدِينَ الْأَوْثَانَ , وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: 17] فَيَقُولُ: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ﴾ [الفرقان: 17] عِبَادِي هَؤُلَاءِ قَالَ: عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ , وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: " ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ﴾ [الفرقان: 17] بِالْيَاءِ جَمِيعًا، بِمَعْنَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ رَبُّكَ، وَيَحْشُرُ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ , فَيَقُولُ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (نَحْشُرُهُمْ) بِالنُّونِ، «فَنَقُولُ» وَكَذَلِكَ قَرَأَهُ نَافِعٌ، وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ [الفرقان: 17] يَقُولُ: فَيَقُولُ اللَّهُ لِلَّذِينَ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ؟

يَقُولُ: أَنْتُمْ أَزَلْتُمُوهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى , وَدَعَوْتُمُوهُمْ إِلَى الْغَيِّ وَالضَّلَالَةِ حَتَّى تَاهُوا وَهَلَكُوا، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ؟ يَقُولُ: أَمْ عِبَادِي هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلَ الرُّشْدِ وَالْحَقِّ , وَسَلَكُوا الْعَطَبَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَعِيسَى: تَنْزِيهًا لَكَ يَا رَبَّنَا , وَتَبْرِئَةً مِمَّا

أَضَافَ إِلَيْكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ نُوَالِيهِمْ، أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ، وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ بِالْمَالِ يَا رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا وَالصِّحَّةِ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ , وَكَانُوا قَوْمًا هَلْكَى , قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخِذْلَانُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18] يَقُولُ: «قَوْمٌ قَدْ ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ وَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ»

حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18] يَقُولُ: هَلْكَى "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18] يَقُولُ: هَلْكَى "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18] قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18] قَالَ: يَقُولُ: لَيْسَ مِنَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ.
الْبُورُ: الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: 18] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿ «نَتَّخِذَ» ﴾ [الأنبياء: 17] بِفَتْحِ النُّونِ؛ سِوَى الْحَسَنِ وَيَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، فَإِنَّهُمَا قَرَآهُ: (أَن نُتَّخَذَ) بِضَمِّ النُّونِ.
فَذَهَبَ الَّذِينَ فَتَحُوهَا إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي تَأْوِيلِهِ، مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَعِيسَى وَمَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ تَبَرَّءُوا أَنْ يَكُونَ كَانَ لَهُمْ وَلِيُّ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
وَأَمَّا الَّذِينَ

قَرَءُوا ذَلِكَ بِضَمِّ النُّونِ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الْمَعْبُودِينَ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا تَبَرَّءُوا إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ إِذَا قِيلَ ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116] , ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ النُّونِ، لِعِلَلٍ ثَلَاثٍ: إِحْدَاهُنَّ إِجْمَاعٌ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَكَرَ نَظِيرَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ، فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: 41] , فَأَخْبَرَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، أَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنْ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَهُمْ تَبَرَّءُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ وَلَايَتِهِمْ، فَقَالُوا لِرَبِّهِمْ: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: 41] , فَذَلِكَ يُوَضِّحُ عَنْ صِحَّةِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: 18] بِمَعْنَى: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَهُمْ مِنْ دُونِكَ أَوْلِيَاءَ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْعَرَبَ لَا تُدْخِلُ (مِنْ) هَذِهِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْجَحْدِ إِلَّا فِي الْأَسْمَاءِ، وَلَا تَدْخُلُهَا فِي الْأَخْبَارِ، لَا يَقُولُونَ: مَا رَأَيْتُ أَخَاكَ مِنْ رَجُلٍ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ أَحَدٍ، وَمَا عِنْدِي مِنْ رَجُلٍ؛ وَقَدْ دَخَلَتْ هَاهُنَا فِي الْأَوْلِيَاءِ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا (مِنْ) ، كَانَ وَجْهًا حَسَنًا.
وَأَمَّا الْبُورُ: فَمَصْدَرٌ وَاحِدٌ، وَجَمْعٌ لِلْبَائِرِ، يُقَالُ: أَصْبَحَتْ مَنَازِلُهُمْ بُورًا: أَيْ خَالِيَةً لَا شَيْءَ فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بَارَتِ السُّوقُ وَبَارَ الطَّعَامُ: إِذَا خَلَا مِنَ الطُّلَّابِ ,

وَالْمُشْتَرِي , فَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَالِبٌ، فَصَارَ كَالشَّيْءِ الْهَالِكِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرَى: [البحر الخفيف] يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بُورَ: مَصْدَرٌ، كَالْعَدْلِ وَالزُّورِ وَالْقَطْعِ، لَا يُثَنَّى , وَلَا يُجْمَعُ , وَلَا يُؤَنَّثُ.
وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالْبُورِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ أَعْمَالَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ كَانَتْ بَاطِلَةً لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ، كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَمَّا هُوَ قَائِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ عِنْدَ تَبَرِّي مَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْهُمْ: قَدْ كَذَّبُوكُمْ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ مَنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ أَضَلُّوكُمْ , وَدَعَوْكُمْ إِلَى عِبَادَتِهِمْ ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾

[الفرقان: 19] يَعْنِي بِقَوْلِكُمْ، يَقُولُ: كَذَّبُوكُمْ بِكَذِبِكُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى،؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: 19] يَقُولُ اللَّهُ لِلَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ عِيسَى وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ، يُكَذِّبُونَ الْمُشْرِكِينَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: 19] قَالَ: عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ، يُكَذِّبُونَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ " وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19] قَالَ: «كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ , وَالْمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِهِ وَكَذَّبَ هَؤُلَاءِ» فَوَجَّهَ ابْنُ زَيْدٍ تَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ [الفرقان: 19] إِلَى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَا تَقُولُونَ مِنَ الْحَقِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الْكَافِرِينَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ دَعَوْهُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ , وَأَمَرُوهُمْ بِهَا، عَلَى مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ، أَشْبَهُ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ.
وَالْقِرَاءَةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: 19] بِالتَّاءِ، عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ: (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا يَقُولُونَ) بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِقَوْلِهِمْ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19] يَقُولُ: فَمَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ صَرْفَ عَذَابِ اللَّهِ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا نَصْرَهَا مِنَ اللَّهِ حِينَ عَذَّبَهَا وَعَاقَبَهَا.

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19] قَالَ: «الْمُشْرِكُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19] قَالَ: «الْمُشْرِكُونَ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ

جارٍ التحميل