تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 394-409

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: 226] الَّذِينَ يَقْسِمُونَ أَلِيَّةً، وَالْأَلِيَّةُ: الْحَلِفُ

صفحات 394-409
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِذَا اخْتَلَطُوا يَعْنِي فِي الْقِتَالِ فَإِنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ، وَأَشَارَ بِالرَّأْسِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيُصَلُّونَ قِيَامًا وَرُكْبَانًا»

فَفَصَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حُكْمِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي غَيْرِ حَالِ الْمُسَايَفَةِ، وَالْمُطَارَدَةِ وَبَيْنَ حُكْمِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْمُسَايَفَةِ، عَلَى مَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] إِنَّمَا عَنَى بِهِ الْخَوْفَ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: «يُصَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنَ الْقَوْمِ رَكْعَةً وَطَائِفَةٌ تَحْرُسُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً حَتَّى يَقُومُوا مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أُولَئِكَ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَتَقُومُ كُلُّ طَائِفَةٍ فَتُصَلِّي رَكْعَةً.
قَالَ.
فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا» وَأَمَّا عَدَدُ الرَّكَعَاتِ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ مِنْ عَدَدِهَا فِي حَالِ الْأَمْنِ، وَإِنْ قَصُرَ عَنْ ذَلِكَ فَصَلَّى رَكْعَةً رَأَيْتُهَا مُجْزِئَةً؛

لِأَنَّ بِشْرَ بْنَ مُعَاذٍ حَدَّثَنِي قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ

تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239] وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَإِذَا أَمِنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عَدُوِّكُمْ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى قَتْلِكُمْ فِي حَالِ اشْتِغَالِكُمْ بِصَلَاتِكُمُ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْكُمْ وَمَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي حَالِ صَلَاتِكُمْ، فَاطْمَأْنَنْتُمْ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي صَلَاتِكُمْ وَفِي غَيْرِهَا، بِالشُّكْرِ لَهُ، وَالْحَمْدِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ التَّوْفِيقِ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ الَّذِي ضَلَّ عَنْهُ أَعْدَاؤُكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، كَمَا ذَكَرَكُمْ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاكُمْ، مِنْ أَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَأَخْبَارِ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَالْأَنْبَاءِ الْحَادِثَةِ بَعْدَكُمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ، الَّتِي جَهِلَهَا غَيْرُكُمْ، وَبَصَّرَكُمْ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ، إِنْعَامًا مِنْهُ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ، فَعَلَّمَكُمْ مِنْهُ مَا لَمْ تَكُونُوا مِنْ قَبْلِ تَعْلِيمَهُ إِيَّاكُمْ تَعْلَمُونَ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196]

مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: خَرَجْتُمْ مِنْ دَارِ السَّفَرِ إِلَى دَارِ الْإِقَامَةِ " وبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 239] قَالَ: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَصَلُّوا الصَّلَاةَ كَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِذَا جَاءَ الْخَوْفُ، كَانَتْ لَهُمْ رُخْصَةٌ.
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 198] قَالَ: الصَّلَاةُ {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ

تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239] " وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُ غَيْرِهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْهُ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ مَتَى زَالَ فَوَاجِبٌ عَلَى الْمُصَلِّي الْمَكْتُوبَةِ وَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ أَدَاؤُهَا بِرُكُوعِها وَسُجُودِهَا وَحُدُودِهَا، وَقَائِمًا بِالْأَرْضِ غَيْرِ مَاشٍ وَلَا رَاكِبٍ، كَالَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي مِصْرِهِ، وَبَلَدِهِ، إِلَّا مَا أُبِيحَ لَهُ مِنَ الْقَصْرِ فِيهَا فِي سَفَرِهِ.
وَلَمْ يَجْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلسَّفَرِ ذِكْرٌ، فَيَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 239] إِلَيْهِ.
وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْأَمْنِ وَحَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَعَرَّفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ صِفَةَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَزَالَ الْخَوْفُ فَأَقِيمُوا صَلَاتَكُمْ، وَذِكْرِي فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِثْلُ الَّذِي أَوْجَبْتُهُ عَلَيْكُمْ قَبْلَ حُدُوثِ حَالِ الْخَوْفِ وَبَعْدَهُ.
فَإِنْ كَانَ جَرَى لِلسَّفَرِ ذِكْرٌ، ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَعْرِيفَ خَلْقِهِ صِفَةَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ بَعْدَ مَقَامِهِمْ لَقَالَ: فَإِذَا أَقَمْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِذَا أَمِنْتُمْ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: 196] الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى الَّذِي قُلْنَا فِيهِ، وَخِلَافِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 240]

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] يَعْنِي زَوْجَاتٍ كُنَّ لَهُ نِسَاءً فِي حَيَاتِهِ، بِنِكَاحٍ لَا مِلْكِ يَمِينٍ.
ثُمَّ صَرَفَ الْخَبَرَ عَنْ ذَكَرِ مَنِ ابْتَدَأَ الْخَبَرُ بِذِكْرِهِ، نَظِيرَ الَّذِي مَضَى مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] إِلَى الْخَبَرِ عَنْ ذَكْرِ أَزْوَاجِهِمْ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ ذَلِكَ، وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ فِيهِ فِي نَظِيرِهِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] بِنَصْبِ الْوَصِيَّةِ؛ بِمَعْنَى: فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ.
وقَرَأَ آخَرُونَ: «وَصِيَّةً وَلِأَزْوَاجِهِمْ» بِرَفْعِ «الْوَصِيَّةِ» . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ رَفْعَ الْوَصِيَّةَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رُفِعَتْ بِمَعْنَى: كُتِبَتْ عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّةُ، وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ، ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ «كُتِبَتْ» وَرُفِعَتِ الْوَصِيَّةْ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَتْرُوكًا ذِكْرُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلِ الْوَصِيَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] فَتَأَوَّلَ:

لِأَزْوَاجِهِمْ وَصِيَّةً.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ إِذَا رُفِعَتْ مَرْفُوعَةٌ بِمَعْنَى: كُتِبَتْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِكُمْ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُضْمِرُ النَّكِرَاتِ مَرَافِعَهَا قَبْلَهَا إِذَا أُضْمِرَتْ، فَإِذَا أُظْهِرَتْ بَدَأَتْ بِهِ قَبْلَهَا، فَتَقُولُ: جَاءَنِي رَجُلٌ الْيَوْمَ، وَإِذَا قَالُوا: رَجُلٌ جَاءَنِي الْيَوْمَ، لَمْ يَكَادُوا أَنْ يَقُولُوهُ إِلَّا وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِهَذَا، أَوْ غَائِبٌ قَدْ عَلِمَ الْمُخْبَرَ عَنْهُ خَبَرَهُ، أَوْ بِحَذْفِ «هَذَا» وَإِضْمَارِهِ، وَإِنْ حَذَفُوهُ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ بِمَعْنَى الْمُتَكَلِّمُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: 1] وَ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1] فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ رَفْعًا لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى حَوْلًا كَامِلًا، كَانَ حَقًّا لَهَا قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] وَقَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمِيرَاثِ.
وَلِتَظَاهِرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْصَى لَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِذَلِكَ قَبْلَ وَفَاتِهِنَّ أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] وَكَانَ الْمُوصِي لَا شَكَّ إِنَّمَا يُوصِي فِي حَيَاتِهِ بِمَا يُؤْمَرُ بِإِنْفَاذِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يُوصِيَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا جَعَلَ لِامْرَأَةَ الْمَيِّتَ سُكْنَى الْحَوْلَ بَعْدَ وَفَاتِهِ؛ عِلْمًا بِأَنَّهُ حَقٌّ

لَهَا وَجَبَ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ لَهَا، إِذْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْتَحِيلًا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَصِيَّةٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مَنْ قَالَ: فَلْيُوصِ وَصِيَّةً، لَكَانَ التَّنْزِيلُ: وَالَّذِينَ يَحْضُرُهُمُ الْوَفَاةُ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] وَبَعْدُ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ الْمُتَوَفِّينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقًّا لَهُنَّ إِذَا لَمْ يُوصِ أَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ قَبْلَ وَفَاتِهِمْ، وَلَكَانَ لِوَرَثَتِهِمْ إِخْرَاجُهُنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ فِي تَأْوِيلِهِ قَارِئُهُ: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] بِمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ أَمَرَ أَزْوَاجَهُنَّ بِالْوَصِيَّةِ لَهُنَّ، وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] كَتَبَ اللَّهُ لِأَزْوَاجِهِمْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةً مِنْهُ لَهُنَّ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِنَّ حَوْلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 12] ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ «كَتَبَ اللَّهُ» اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَرُفِعَتْ «الْوَصِيَّةُ» بِالْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا قَبْلُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَجُوزُ نَصْبُ الْوَصِيَّةِ.
. . لَهُنَّ وَصِيَّةٌ؟

قِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يَكُونُ جَائِزًا لَوْ تَقَدَّمَ الْوَصِيَّةَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ خَارِجَةً مِنْهُ، فَأَمَّا وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا يَحْسُنُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً بِخُرُوجِهَا مِنْهُ، فَغَيْرُ جَائِزٍ نَصَبُهَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى.
ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَالَ: إِنَّ سُكْنَى حَوْلٍ كَامِلٍ كَانَ حَقًّا لِأَزْوَاجِ الَمُتَوَفِّينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا، أَوْصَى بِذَلِكَ أَزْوَاجِهِنَّ لَهُنَّ أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ نُسِخَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ وَالْمِيرَاثِ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ، عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرِ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] فَقَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى، وَالنَّفَقَةُ حَوْلًا فِي مَالِ زَوْجِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَةً مَعْلُومَةَ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، وَالرُّبُعُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، وَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرََا، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ أَمْرِ الْحَوْلِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] الْآيَةُ.
قَالَ: كَانَ هَذَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، كَانَ لَهَا السُّكْنَى، وَالنَّفَقَةُ حَوْلًا إِنْ شَاءَتْ، فَنُسِخَ ذَلِكَ

فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَةً مَعْلُومَةً: جَعَلَ لَهَا الثُّمُنَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلَهَا الرُّبُعُ وَجَعَلَ عِدَّتَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ، اعْتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ، يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ؛ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعْدَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] فَهَذِهِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَقَالَ فِي مِيرَاثِهَا ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: 12] فَبَيَّنَ اللَّهُ مِيرَاثَ الْمَرْأَةِ، وَتَرَكَ الْوَصِيَّةَ، وَالنَّفَقَةَ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تُوُفِّيَ أَنْفَقَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي عَامِهِ إِلَى الْحَوْلِ،

وَلَا تَزَوَّجُ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ الْحَوْلَ.
وَهَذَا مَنْسُوخٌ، نَسَخَ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا الرُّبُعَ وَالثُّمُنَ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَنَسَخَ الْحَوْلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا "

وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] قَالَ: الرَّجُلُ إِذَا تُوُفِّيَ أَنْفَقَ عَلَى امْرَأَتِهِ إِلَى الْحَوْلِ، وَلَا تَزَوَّجُ حَتَّى يَمْضِيَ الْحَوْلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] فَنَسَخَ الْأَجَلَ الْحَوْلُ، وَنَسَخَ النَّفَقَةَ الْمِيرَاثُ الرُّبُعُ، وَالثُّمُنُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] قَالَ: كَانَ مِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ رِيَعِهِ أَنْ تَسْكُنَ إِنْ شَاءَتْ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ زَوْجُهَا إِلَى الْحَوْلِ، يَقُولُ: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 240] الْآيَةَ.
ثُمَّ نَسَخَهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الْمِيرَاثِ "

قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ، سُكْنَى الْحَوْلِ، ثُمَّ نَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ بِالْمِيرَاثِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " كَانَ لِأَزْوَاجِ الْمَوْتَى حِينَ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ الَّذِي كُتِبَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ

نَفَقَةِ السُّنَّةِ بِالْمِيرَاثِ، فَجَعَلَ لَهَا الرُّبُعَ أَوِ الثُّمُنَ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] قَالَ: هَذِهِ النَّاسِخَةُ "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ لَهُنَّ بِهِ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] الْآيَةَ.
قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مِنْ قَبْلِ الْفَرَائِضِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُوصِي لِامْرَأَتِهِ وَلِمَنْ شَاءَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ، فَأَلْحَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَهْلِ الْمَوَارِيثِ مِيرَاثَهُمْ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ الثَّمَنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلَهَا الرُّبُعُ.
وَكَانَ يُنْفَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ حَوْلًا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، ثُمَّ تُحَوَّلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَنَسَخَتْهُ الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَنَسَخَ الرُّبُعَ أَوِ الثُّمُنَ الْوَصِيَّةُ لَهُنَّ، فَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِذَوِي الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] إِلَى: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 240] يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ أَوْصَى لِامْرَأَتِهِ بِنَفَقَتِهَا، وَسُكْنَاهَا سَنَةً، وَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَإِنْ هِيَ خَرَجَتْ حِينَ تَنْقَضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ انْقَطَعَتْ عَنْهَا النَّفَقَةُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ [البقرة: 240] وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ آيَةُ الْفَرَائِضِ، فَنَسَخَهُ الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ، فَأَخَذَتْ نَصِيبَهَا، وَلَمْ يَكُنْ

لَهَا سُكْنًى، وَلَا نَفَقَةٌ "

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: يَزْعُمُ قَتَادَةُ «أَنَّهُ كَانَ يُوصِي لِلْمَرْأَةِ بِنَفَقَتِهَا إِلَى رَأْسِ الْحَوْلِ»

ذِكْرُ مَنْ قَالَ نَسَخَ ذَلِكَ مَا كَانَ لَهُنَّ مِنَ الْمَتَاعِ إِلَى الْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: 240] قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، قَالَ: ثنا أُسَامَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبَى ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، وَمَا فُرِضَ لَهُنَّ فِيهَا مِنَ الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ، وَنَسَخَ أَجَلَ الْحَوْلِ أَنْ جَعَلَ أَجَلَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا "

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " أَنَّهُ قَامَ يَخْطُبُ النَّاسَ هَاهُنَا، فَقَرَأَ لَهُمْ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ فِيهَا، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180] قَالَ: فَنُسِخَتْ هَذِهِ.
ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] فَقَالَ: وَهَذِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ لِلْمُعْتَدَّةِ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبًا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 240] قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 240] قَالَ: وَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: " نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240]

قَالَ عَطَاءٌ: " إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّةٍ، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: 240] قَالَ عَطَاءٌ: جَاءَ الْمِيرَاثُ بِنَسْخِ السُّكْنَى تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا سُكْنَى لَهَا " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ كَانَ جَعَلَ لِأَزْوَاجِ مَنْ مَاتَ مِنَ الرِّجَالِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ سُكْنَى حَوْلٍ فِي مَنْزِلِهِ، وَنَفَقَتِهَا فِي مَالِ زَوْجِهَا الْمَيِّتِ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ.
وَوَجَبَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَنْ لَا يُخْرِجُوهُنَّ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنَ الْمَسْكَنِ الَّذِي يَسْكُنُهُ، وَإِنْ هُنَّ تَرَكْنَ حَقَّهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجْنَ لَمْ تَكُنْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مِنْ خُرُوجِهِنَّ فِي حَرَجٍ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَسَخَ النَّفَقَةَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، وَأَبْطَلَ مِمَّا كَانَ جَعَلَ لَهُنَّ مِنْ سُكْنَى حَوْلٍ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَرَدَّهُنَّ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: ثنا

حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَأَخْبَرَهُ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبِ ابْنَةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ فُرَيْعَةَ، أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: " أَنَّ زَوْجَهَا، خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبْدٍ لَهُ، فَلَحِقَهُ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ، فَقَاتَلَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ أَعْبُدٌ مَعَهُ، فَقَتَلُوهُ.
فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبْدٍ لَهُ، فَلَقِيَهُ عُلُوجٌ فَقَتَلُوهُ، وَإِنِّي فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرِي، وَإِنْ أَجْمَعَ لِأَمْرِي أَنَّ أَنْتَقِلَ إِلَى أَهْلِي.
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلِ امْكُثِي مَكَانَكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَتَاعًا﴾ [البقرة: 236] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: جَعَلَ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا، أَيِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُنَّ.
وَإِنَّمَا نَصَبَ «الْمَتَاعَ» لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: 240] مَعْنَى مَتَّعَهُنَّ اللَّهُ، فَقِيلَ: «مَتَاعًا» مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَاهُ، لَا مِنْ لَفْظِهِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ مَا جُعِلَ لَهُنَّ مِنَ الْوَصِيَّةِ مَتَاعًا مِنْهُ لَهُنَّ إِلَى الْحَوْلِ لَا إِخْرَاجًا مِنْ مَسْكَنِ زَوْجِهَا، يَعْنِي لَا إِخْرَاجَ فِيهِ مِنْهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَوْلُ، فَنَصَبَ «غَيْرَ» عَلَى النَّعْتِ لِلْمَتَاعِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَا قِيَامٌ غَيْرُ قُعُودٍ، بِمَعْنَى: هَذَا قِيَامٌ لَا قُعُودَ مَعَهُ، أَوْ لَا قُعُودَ فِيهِ.

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِمَعْنَى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ إِخْرَاجًا.
وَذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا نُصِبَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ كَانَ نَصْبُهُ مِنْ كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَا نَصَبَ الْمَتَاعَ عَلَى النَّعْتِ لَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 240] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: أَنَّ الْمَتَاعَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُنَّ إِلَى الْحَوْلِ فِي مَالِ أَزْوَاجِهِنَّ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَفِي مَسَاكِنِهِمْ وَنَهَى وَرَثَتَهُ عَنْ إِخْرَاجِهِنَّ، إِنَّمَا هُوَ لَهُنَّ مَا أَقَمْنَ فِي مَسَاكِنِ

أَزْوَاجِهِنَّ، وَأَنَّ حُقُوقَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ تَبْطُلُ بِخُرُوجِهِنَّ إِنْ خَرَجْنَ مِنْ مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِنَّ بِغَيْرِ إِخْرَاجٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ فِي خُرُوجِهِنَّ وَتَرْكِهِنَّ الْحِدَادَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ حَوْلًا فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ وَالْحِدَادَ عَلَيْهِ تَمَامُ حَوْلٍ كَامِلٍ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِبَاحَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُنَّ إِنْ أَقَمْنَ تَمَامَ الْحَوْلِ مُحِدَّاتٍ، فَأَمَّا إِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَلَا عَلَيْهِنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ، وَذَلِكَ تَرْكُ الْحِدَادِ.
يَقُولُ: فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّزَيُّنِ إِنْ تَزَيَّنَّ وَتَطَيَّبْنَ وَتَزَوَّجْنَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُنَّ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا حَرَجَ عَلَيْهِنَّ فِي خُرُوجِهِنَّ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 233] لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِنَّ فِيهِ جُنَاحٌ، لَكَانَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ فِيهِ جُنَاحٌ بِتَرْكِهِمْ إِيَّاهُنَّ، وَالْخُرُوجَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ

يَكُنْ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ فِي خُرُوجِهِنَّ وَتَرْكِ الْحِدَادِ، وَضَعَ عَنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَغَيْرِهِمُ الْحَرَجَ فِيمَا فَعَلْنَ مِنْ مَعْرُوفٍ، وَذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِنَّ.
وَقَدْ مَضَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِمَا قُلْنَاهُ.
فِي ذَلِكَ قَبْلُ

جارٍ التحميل