تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 588-596

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139] فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ

صفحات 588-596
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

فَقَرَأَهُ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ فِي آخَرِينَ: (وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَةٌ) بِالتَّاءِ فِي (تَكُنْ) ، وَرَفْعِ (مَيْتَةٌ) ، غَيْرَ أَنَّ يَزِيدَ كَانَ يُشَدِّدُ الْيَاءَ مِنْ مَيْتَةٍ، وَيُخَفِّفُهَا طَلْحَةُ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ،.
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 139] بِالْيَاءِ، وَمِيتَةً بِالنَّصْبِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ.
وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ [الأنعام: 139] بِالْيَاءِ ﴿مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 139] بِالنَّصْبِ، أَرَادُوا إِنْ يَكُنْ مَا فِي بُطُونِ تِلْكَ الْأَنْعَامِ، فَذَكَّرَ (يَكُنْ) لِتَذْكِيرِ (مَا) ، وَنَصَبَ (الْمَيْتَةَ) لِأَنَّهُ خَبَرُ (يَكُنْ) . وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ: (وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَةٌ) فَإِنَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَرَادَ: وَإِنْ يَكُنْ مَا فِي بُطُونِهَا مَيْتَةٌ، فَأَنَّثَ (تَكُنْ) لِتَأْنِيثِ (مَيْتَةٌ) .

وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139] ، فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الرِّجَالَ وَأَزْوَاجَهُمْ شُرَكَاءُ فِي أَكْلِهِ لَا يُحَرِّمُونَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، كَمَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْهُ قَبْلُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139] قَالَ: " تَأْكُلُ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ، إِنْ كَانَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ، وَقَالُوا: إِنْ شِئْنَا جَعَلْنَا لِلْبَنَاتِ فِيهِ نَصِيبًا، وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَجْعَلْ " وَظَاهِرُ التِّلَاوَةِ بِخِلَافِ مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ زَيْدٍ، لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا فِي بُطُونِهَا مَيْتَةً فَنَحْنُ فِيهِ شُرَكَاءُ بِغَيْرِ شَرْطِ مَشِيئَةٍ.
وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ زَيْدٍ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَتِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 139] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: سَيَجْزِي: أَيْ سَيُثِيبُ وَيُكَافِئُ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ فِي تَحْرِيمِهِمْ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وَتَحْلِيلِهِمْ مَا لَمْ يُحَلِّلْهُ اللَّهُ، وَإِضَافَتِهِمْ كَذِبَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139] يَعْنِي بِوَصْفِهِمُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ،

وَذَلِكَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 62] ، وَالْوَصْفُ وَالصِّفَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَاحِدٌ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ مِثْلُ الْوَزْنِ وَالزِّنَةِ.

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى (الْوَصْفِ) قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139] قَالَ: «قَوْلَهُمُ الْكَذِبَ فِي ذَلِكَ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139] أَيْ «كَذِبَهُمْ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139] : «أَيْ كَذِبَهُمْ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83] ، فَإِنَّهُ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ فِي مُجَازَاتِهِمْ عَلَى وَصْفِهِمُ الْكَذِبَ وَقِيلِهِمُ الْبَاطِلَ عَلَيْهِ، ﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209] فِي سَائِرِ تَدْبِيرِهِ فِي خَلْقِهِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29] بِمَا يُصْلِحُهُمْ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 140] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَدْ هَلَكَ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى رَبِّهِمُ الْكَذِبَ، الْعَادِلُونَ بِهِ

الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، الَّذِينَ زَيَّنَ لَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ، وَتَحْرِيمِ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَقَتَلُوا طَاعَةً لَهَا أَوْلَادَهُمْ، وَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ وَجَعَلَهُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ أَنْعَامِهِمْ سَفَهًا مِنْهُمْ، يَقُولُ: فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ جَهَالَةً مِنْهُمْ بِمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَنَقَصَ عُقُولٍ، وَضَعْفَ أَحْلَامٍ مِنْهُمْ، وَقِلَّةَ فَهْمٍ بِعَاجِلِ ضَرِّهِ وَآجِلِ مَكْرُوهِهِ مِنْ عَظِيمِ عِقَابِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَهُمْ.
﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: 140] يَقُولُ: تَكْذِيبًا عَلَى اللَّهِ وَتَخَرُّصًا عَلَيْهِ الْبَاطِلَ.
﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ [النساء: 167] يَقُولُ: قَدْ تَرَكُوا مَحَجَّةَ الْحَقِّ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، وَزَالُوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] يَقُولُ: وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُو ذَلِكَ عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَةٍ فِي أَفْعَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ ذَلِكَ، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] لِلصَّوَابِ فِيهَا وَلَا مُوَفَّقِينَ لَهُ.
وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ خَبَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: 136] الَّذِينَ كَانُوا يَبْحَرُونَ الْبَحَائِرَ، وَيُسَيِّبُونَ السَّوَائِبَ، وَيَئِدُونَ الْبَنَاتِ

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 140] قَالَ: " نَزَلَتْ فِيمَنْ يَئِدُ الْبَنَاتِ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، كَانَ الرَّجُلُ يَشْتَرِطُ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنْ تَسْتَحْيِي جَارِيَةً وَتَئِدَ أُخْرَى، فَإِذَا كَانَتِ الْجَارِيَةُ الَّتِي تُوأَدُ غَدَا الرَّجُلُ أَوْ رَاحَ مِنْ عِنْدِ امْرَأَتِهِ وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ رَجَعْتُ إِلَيْكِ وَلَمْ تَئِدِيهَا، فَتَخُدُّ لَهَا فِي الْأَرْضِ خَدًّا، وَتُرْسِلُ إِلَى نِسَائِهَا فَيَجْتَمِعْنَ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَتَدَاوَلْنَهَا، حَتَّى إِذَا

أَبْصَرَتْهُ رَاجِعًا دَسَّتْهَا فِي حُفْرَتِهَا، ثُمَّ سَوَّتْ عَلَيْهَا التُّرَابَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ثُمَّ ذَكَرَ مَا صَنَعُوا فِي أَوْلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 140]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 140] فَقَالَ: " هَذَا صَنِيعُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَقْتُلُ ابْنَتَهُ مَخَافَةَ السِّبَاءِ وَالْفَاقَةِ وَيَغْذُو كَلْبَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 140] الْآيَةَ، وَهُمْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ جَعَلُوا بَحِيرَةً وَسَائِبَةً وَوَصِيلَةً وَحَامِيًا، تَحَكُّمًا مِنَ الشَّيَاطِينِ فِي أَمْوَالِهِمْ "

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: " إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ، فَاقْرَأْ مَا بَعْدَ الْمِائَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، قَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 140] الْآيَةَ وَكَانَ أَبُو رَزِينٍ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ [الأنعام: 140] أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْأَفْعَالِ مِنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ وَتَحْرِيمِ الرِّزْقِ الَّذِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ بِأُمُورٍ غَيْرِ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ [الأنعام: 140] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ [الأنعام: 140] ، قَالَ: «قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ ذَلِكَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141] وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ

فَضْلِهِ، وَتَنْبِيهٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى مَوْضِعِ إِحْسَانِهِ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ لَهُمْ مَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ وَقَسَمَ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ لِمَنْ قَسَمَ لَهُ فِيهَا حَقًّا.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أَنْشَأَ﴾ [الأنعام: 141] أَيْ أَحْدَثَ وَابْتَدَعَ خَلْقًا، لَا الْآلِهَةُ وَالْأَصْنَامُ، ﴿جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: 25] يَعْنِي: بَسَاتِينَ، ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141] وَهِيَ مَا عَرَشَ النَّاسُ مِنَ الْكُرُومِ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141] : غَيْرَ مَرْفُوعَاتٍ مَبْنِيَّاتٍ، لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ وَلَا يَرْفَعُونَهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُهُ وَيُنْبِتُهُ وَيُنَمِّيهِ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141] يَقُولُ: «مَسْمُوكَاتٌ»

وَبِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141] " فَالْمَعْرُوشَاتٌ: مَا عَرَشَ النَّاسُ، وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ: مَا خَرَجَ فِي الْبَرِّ وَالْجِبَالِ مِنَ الثَّمَرَاتِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " أَمَّا (جَنَّاتٍ) فَالْبَسَاتِينُ، وَأَمَّا (الْمَعْرُوشَاتُ) : فَمَا عُرِّشَ كَهَيْئَةِ

الْكَرْمِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: " مَا يُعْرَشُ مِنَ الْكُرُومِ.
﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «مَا لَا يُعْرَشُ مِنَ الْكَرْمِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهِ كُلُوا مِنْ ثَمَرَهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: 141] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَنْشَأَ النَّخْلَ وَالزَّرْعِ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، يَعْنِي بِالْأُكُلِ: الثَّمَرَ، يَقُولُ: وَخَلَقَ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِمَّا يُؤْكَلُ مِنَ الثَّمَرِ وَالْحَبِّ

وَالزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ، مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِي الطَّعْمِ، مِنْهُ الْحُلْوُ وَالْحَامِضُ وَالْمُزُّ

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «مُتَشَابِهًا فِي الْمَنْظَرِ، وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِي الطَّعْمِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: 141] فَإِنَّهُ يَقُولُ: كُلُوا مِنْ رُطَبِهِ مَا كَانَ رُطَبًا ثَمَرُهُ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ:

ثنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «مِنْ رُطَبِهِ وَعِنَبِهِ»

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «مِنْ رُطَبِهِ وَعِنَبِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِإِيتَاءِ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنَ الثَّمَرِ وَالْحَبِّ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «الزَّكَاةُ»

حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ دِرْهَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ»

حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا هَانِئُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ»

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ وَكِيعٍ، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ الْمَكِّيُّ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أبيه فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «الزَّكَاةُ»

حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ حَيَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «الزَّكَاةُ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «هِيَ الصَّدَقَةُ» . قَالَ: ثُمَّ سُئِلَ عَنْهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: «هِيَ الصَّدَقَةُ مِنَ الْحَبِّ وَالثِّمَارِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قَالَ: «الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ»

جارٍ التحميل