وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 34] يَقُولُ: وَيَصْفَحْ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ ذُنُوبِكُمْ فَلَا يُعَاقِبْ عَلَيْهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الشورى: 35] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُخَاصِمُونَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ وَأَدِلَّتِهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (وَيَعْلَمُ الَّذِينَ) رَفْعًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، كَمَا قَالَ فِي
سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: 15] وَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾ [الشورى: 35] نَصَبًا كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142] عَلَى الصَّرْفِ؛ وَكَمَا قَالَ
النَّابِغَةُ: فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ ... رَبِيعُ النَّاسِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ وَنُمْسِكَ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبِّ الظَّهْرِ لَهُ سَنَامُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصِ﴾ [فصلت: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيدِِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِذَا عَاقَبَهُمْ عَلَى ذُنُوبِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ بِهِ، وَلَا لَهُمْ مِنْهُ مَلْجَأٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصِ﴾ [فصلت: 48] «مَا لَهُمْ مِنْ مَلْجَأٍ»
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الشورى: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا أُعْطِيتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ رِيَاشِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْبَنِينَ، فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَهُوَ مَتَاعٌ
لَكُمْ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ مِنْ دَارِ الْآخِرَةِ، وَلَا مِمَّا يَنْفَعُكُمْ فِي مَعَادِكُمْ ﴿وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِي عِنْدَ اللَّهِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، خَيْرٌ مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعِهَا وَأَبْقَى، لِأَنَّ مَا أُوتِيتُمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ نَافِدٌ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ فِي جِنَانِهِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ بَاقٍ غَيْرَ نَافِدٍ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 82] : يَقُولُ: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فِي أُمُورِهِمْ، وَإِلَيْهِ يَقُومُونَ فِي أَسْبَابِهِمْ، وَبِهِ يَثِقُونَ، خَيْرٌ وَأَبْقَى مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [الشورى: 37] وَكَبَائِرَ فَوَاحِشِ الْإِثْمِ،
قَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهَا وَبَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِيهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى: 37] قِيلَ: إِنَّهَا الزِّنَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ
، ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى: 37] قَالَ: " الْفَوَاحِشُ: الزِّنَى " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [الشورى: 37] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ عَلَى الْجِمَاعِ كَذَلِكَ فِي النَّجْمِ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (كَبِيرَ الْإِثْمِ) عَلَى التَّوْحِيدِ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، عَنَى بِكَبِيرِ الْإِثْمِ: الشِّرْكَ، كَمَا كَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: كَأَنِّي أَسْتَحِبُّ لِمَنْ قَرَأَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ أَنْ يَخْفِضَ الْفَوَاحِشِ، لِتَكُونَ الْكَبَائِرُ مُضَافَةً إِلَى مَجْمُوعٍ إِذْ كَانَتْ جَمْعًا، وَقَالَ: مَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنَ الْقُرَّاءِ خَفَضَ الْفَوَاحِشَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا مَا غَضِبُوا عَلَى مَنِ اجْتَرَمَ إِلَيْهِمْ جُرْمًا، هُمْ يَغْفِرُونَ لِمَنْ أَجْرَمَ إِلَيْهِمْ ذَنْبَهُ، وَيَصْفَحُونَ عَنْهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الشورى: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ أَجَابُوا لِرَبِّهِمْ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ
عِبَادَةِ كُلِّ مَا يُعْبَدُ دُونَهُ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 277] الْمَفْرُوضَةَ بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتِهَا ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] يَقُولُ: وَإِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ تَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3] يَقُولُ: وَمِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُؤَدُّونَ مَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ لِأَهْلِهَا مِنْ زَكَاةٍ وَنَفَقَةٍ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 38] الْآيَةَ الْأَنْصَارَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، وَقَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37] قَالَ: «فَبَدَأَ بِهِمْ» ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 38] «الْأَنْصَارُ» ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الشورى: 38] «وَلَيْسَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] «لَيْسَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ إِذَا بَغَى عَلَيْهِمْ بَاغٍ، وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَاغِي الَّذِي حَمِدَ تَعَالَى ذِكْرُهُ
الْمُنْتَصِرَ مِنْهُ بَعْدَ بَغْيِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمُشْرِكُ إِذَا بَغَى عَلَى الْمُسْلِمِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ الْمُهَاجِرِينَ
صِنْفَيْنٍ، صِنْفًا عَفَا، وَصِنْفًا انْتَصَرَ، وَقَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37] قَالَ: «فَبَدَأَ بِهِمْ» ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 38] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3] «وَهُمُ الْأَنْصَارُ» ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثَّالِثَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] «مِنَ الْمُشْرِكِينَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ كُلُّ بَاغٍ بَغَى فَحُمِدَ الْمُنْتَصِرُ مِنْهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] قَالَ: «يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدُوا» وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْصُصْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، بَلْ حَمِدَ كُلَّ مُنْتَصِرٍ بِحَقٍّ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا فِي الِانْتِصَارِ مِنَ الْمَدْحِ؟ قِيلَ: إِنَّ فِي إِقَامَةِ الظَّالِمِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَعُقُوبَتِهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ تَقْوِيمًا لَهُ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الْمَدْحِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: وَجَزَاءُ سَيِّئَةِ الْمُسِيءِ عُقُوبَتُهُ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ، فَهِيَ مَسَاءَةٌ لَهُ وَالسَّيِّئَةُ: إِنَّمَا هِيَ الْفَعْلَةُ مِنَ السُّوءِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: 160]
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يُجَابَ الْقَائِلُ الْكَلِمَةِ الْقَزَعَةِ بِمِثْلِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو بِشْرٍ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] قَالَ: " يَقُولُ أَخْزَاهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: أَخْزَاهُ اللَّهُ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] قَالَ: «إِذَا شَتَمَكَ بِشَتِيمَةٍ فَاشْتُمْهُ مِثْلَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْتَدِيَ» وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ
بِمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] «مِنَ الْمُشْرِكِينَ»
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: 40] الْآيَةَ، لَيْسَ أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُمْ لِأَنَّهُ أَحَبَّهُمْ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] ، ثُمَّ نَسَخَ هَذَا كُلَّهُ وَأَمَرَهُ بِالْجِهَادِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ هَذَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَيْكُمْ، سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا مِنْكُمْ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ عَفَوْتُمْ
وَأَصْلَحْتُمْ فِي الْعَفْوِ، فَأَجْرُكُمْ فِي عَفْوِكُمْ عَنْهُمْ إِلَى
اللَّهِ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ؛ وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 194] وَلِلَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ وَجْهٌ غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ عِنْدَنَا: أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَنْقُلْهُ إِلَى الْبَاطِنِ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَأَنْ لَا يُحْكَمَ لِحُكْمٍ فِي آيَةٍ بِالنَّسْخِ إِلَّا بِخَبَرٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ أَوْ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، وَلَمْ تَثْبُتْ حُجَّةٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْمُشْرِكُونَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، فَنُسَلِّمُ لَهَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَمَنْ عَفَا عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ إِسَاءَتَهُ إِلَيْهِ، فَغَفَرَهَا لَهُ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ بِهَا، وَهُوَ عَلَى عُقُوبَتِهِ عَلَيْهَا قَادِرٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فَأَجْرُ عَفْوِهِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ مُثِيبُهُ عَلَيْهِ ثَوَابَهُ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
أَهْلَ الظُّلْمِ الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَ عَلَى النَّاسِ، فَيُسِيئُونَ إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ إِيَّاهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] يَقُولُ: فَأُولَئِكَ
الْمُنْتَصِرُونَ مِنْهُمْ لَا سَبِيلَ لِلْمُنْتَصِرِ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ بِعُقُوبَةٍ وَلَا أَذًى، لِأَنَّهُمُ انْتَصَرُوا مِنْهُمْ بِحَقٍّ، وَمَنْ أَخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ وَجَبَ ذَلِكَ لَهُ
عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ، لَمْ يَظْلِمْ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ كُلَّ مُنْتَصِرٍ مِمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، مُسْلِمًا كَانَ الْمُسِيءُ أَوْ كَافِرًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: ثَنَا مُعَاذٌ قَالَ: ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ عَنْ الِانْتِصَارِ، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: 41] الْآيَةَ، فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ امْرَأَةِ أَبِيهِ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: زَعَمُوا أَنَّهَا كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدَنَا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَجَعَلَ يَصْنَعُ بِيَدِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا، فَقُلْتُ بِيَدِي حَتَّى فَطَّنْتُهُ لَهَا، فَأَمْسَكَ، وَأَقْبَلَتْ زَيْنَبُ تَقَحَّمُ لِعَائِشَةَ، فَنَهَاهَا، فَأَبَتْ أَنْ تَنْتَهِيَ، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: «سُبِّيهَا» فَسَبَّتْهَا وَغَلَبَتْهَا وَانْطَلَقَتْ زَيْنَبُ فَأَتَتْ عَلِيًّا، فَقَالَتْ: إِنَّ عَائِشَةَ تَقَعُ بِكُمْ وَتَفْعَلُ بِكُمْ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ، فَقَالَ لَهَا: «إِنَّهَا حِبَّةُ أَبِيكِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» ، فَانْصَرَفَتْ وَقَالَتْ لِعَلِيٍّ: إِنِّي قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ كَذَا وَكَذَا؛ قَالَ: وَجَاءَ عَلِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: 41] الْآيَةَ قَالَ: «هَذَا فِي الْخَمْشِ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] قَالَ: «هَذَا فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْقِصَاصِ، فَأَمَّا لَوْ ظَلَمَكَ رَجُلٌ لَمْ يَحِلَّ لَكَ أَنْ تَظْلِمَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ الِانْتِصَارَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَقَالَ: هَذَا مَنْسُوخٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] قَالَ: " لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ انْتَصَرَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا قَدْ نُسِخَ، وَلَيْسَ هَذَا فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَعْنِي بِهِ كُلَّ مُنْتَصِرٍ مِنْ ظَالِمِهِ، وَأَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنْتُ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: 42] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّمَا الطَّرِيقُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَ عَلَى النَّاسِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، بِأَنْ
يُعَاقِبُوهُمْ بِظُلْمِهِمْ لَا عَلَى مِنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ، فَأَخَذَ مِنْهُ حَقَّهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42] يَقُولُ: وَيَتَجَاوَزُونَ فِي أَرْضِ اللَّهِ الْحَدَّ الَّذِي أَبَاحَ لَهُمْ رَبُّهُمْ إِلَى مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِيهِ، فَيُفْسِدُونَ فِيهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 91] يَقُولُ: فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ، وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، لَهُمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي جَهَنَّمَ
مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمَنْ صَبَرَ عَلَى إِسَاءَةٍ إِلَيْهِ، وَغَفَرَ لِلْمُسِيءِ إِلَيْهِ جُرْمَهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَصِرْ مِنْهُ، وَهُوَ عَلَى
الِانْتِصَارِ مِنْهُ قَادِرٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمَنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] يَقُولُ: إِنَّ صَبْرَهُ ذَلِكَ وَغُفْرَانَهُ ذَنْبَ الْمُسِيءِ إِلَيْهِ، لَمَنْ عَزْمِ الْأُمُورِ الَّتِي نَدَبَ إِلَيْهَا عِبَادَهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِمُ الْعَمَلَ بِهِ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى: 44] يَقُولُ: وَمَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ عَنِ الرَّشَادِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ وَلِيٍّ يَلِيهِ، فَيَهْدِيهِ لِسَبِيلِ الصَّوَابِ، وَيُسَدِّدُهُ مِنْ بَعْدِ إِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [الشورى: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَتَرَى الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَّا عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَقُولُونَ لِرَبِّهِمْ: ﴿هَلْ﴾ [البقرة: 210] لَنَا يَا رَبِّ ﴿إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 44] وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرَنَا وَسَمِعْنَا﴾ الْآيَةَ، اسْتَعْتَبَ الْمَسَاكِينَ فِي غَيْرِ حِينِ الِاسْتِعْتَابِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 44] يَقُولُ: «إِلَى الدُّنْيَا» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ «إِنَّ» فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمَنْ عَزْمٍ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] مَعَ دُخُولِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: 43] فَكَانَ نَحْوِيُّو أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: أَمَّا اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: 43] فَلَامُ الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا إِنَّ ذَلِكَ فَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَقَالَ: قَدْ تَقُولُ: مَرَرْتُ بِالدَّارِ الذِّرَاعُ بِدِرْهَمٍ: أَيِ الذِّرَاعُ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ، وَمَرَرْتُ بِبُرٍّ قَفِيزٌ بِدِرْهَمٍ، أَيْ قَفِيزٌ مِنْهُ بِدِرْهَمٍ قَالَ: وَأَمَّا ابْتِدَاءُ «إِنَّ» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَمِثْلُ ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8] يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ، وَهَذَا إِذَا طَالَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَسْتَخْطِئُ هَذَا الْقَوْلَ وَيَقُولُ: إِنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَدْخَلَتِ اللَّامَ فِي أَوَائِلِ الْجَزَاءِ أَجَابَتْهُ بِجَوَابَاتِ الْأَيْمَانِ بِمَا، وَلَا، وَإِنَّ وَاللَّامِ قَالَ: وَهَذَا مِنْ ذَاكٍ، كَمَا قَالَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: 12] {وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا
يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [الحشر: 12] فَجَاءَ بِلَا وَبِاللَّامِ جَوَابًا للَّامِ الْأُولَى قَالَ: وَلَوْ قَالَ: لَئِنْ قُمْتُ إِنِّي لَقَائِمٌ لَجَازَ وَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى الْعَائِدِ، لِأَنَّ الْجَوَّابَ فِي الْيَمِينِ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الْعَائِدُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: لَئِنْ قُمْتَ لَأَقُومَنَّ، وَلَا أَقُومُ، وَإِنِّي لَقَائِمٌ فَلَا تَأْتِي بِعَائِدٍ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: مَرَرْتُ بِدَارٍ الذِّرَاعُ بِدِرْهَمٍ وَبِبُرٍّ قَفِيزٌ بِدِرْهَمٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَوَّلِ بِالْعَائِدِ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ الْعَائِدُ فِيهِ، لِأَنَّ الثَّانِي تَبْعِيضٌ لِلْأَوَّلِ مَرَرْتُ بِبُرٍّ بَعْضُهُ بِدِرْهَمٍ، وَبَعْضُهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنَى التَّبْعِيضُ حَذَفَ الْعَائِدَ قَالَ: وَأَمَّا ابْتِدَاءُ «إِنَّ» فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِذَا طَالَ الْكَلَامُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبْتَدِئَ إِلَّا بِمَعْنَى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ جَوَّابٌ لِلْجَزَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا فَرَرْتُمْ مِنْهُ مِنَ الْمَوْتِ، فَهُوَ مُلَاقِيكُمْ وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدِي أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا