وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ فِرَارًا مِنْهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: 246] إِلَى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 95] قَالَ الرَّبِيعُ: ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ اسْتَخْلَفَ فَتَاهُ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ سَارَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ التَّوْرَاةِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُوسَى.
ثُمَّ إِنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ تُوُفِّيَ وَاسْتُخْلِفَ فِيهِمْ آخَرُ، فَسَارَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَرَ، فَسَارَ فِيهِمْ بِسِيرَةِ صَاحِبَيْهِ.
ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَرَ فَعَرَفُوا وَأَنْكَرُوا، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخِرَ فَأَنْكَرُوا عَامَّةَ أَمْرِهِ.
ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَرَ فَأَنْكَرُوا أَمْرَهُ كُلَّهُ.
ثُمَّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَتَوْا نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ حِينَ أُوذُوا فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّبِيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: 246] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: 246] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا حِينَ رُفِعَتِ التَّوْرَاةُ وَاسْتُخْرِجَ أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَكَانَتِ الْجَبَابِرَةُ قَدْ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَبْنَائِهِمْ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: 246] قَالَ: هَذَا حِينَ رُفِعَتِ التَّوْرَاةُ وَاسْتُخْرِجَ أَهْلُ الْإِيمَانِ " وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ نَبِيَّهُمْ ذَلِكَ
مَا: حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يُقَاتِلُونَ الْعَمَالِقَةَ، وَكَانَ مَلِكُ الْعَمَالِقَةِ جَالُوتَ.
وَإِنَّهُمْ ظَهَرُوا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَأَخَذُوا تَوْرَاتِهِمْ وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلُ يَسْأَلُونَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ نَبِيًّا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ وَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ قَدْ هَلَكُوا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا امْرَأَةٌ حُبْلَى، فَأَخَذُوهَا فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ رَهْبَةَ أَنْ تَلِدَ جَارِيَةً فَتُبْدِلَهَا بِغُلَامٍ، لِمَا تَرَى مِنْ رَغْبَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَلَدِهَا.
فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا غُلَامًا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمِّتْهُ شمعون.
فَكَبِرَ الْغُلَامُ فَأَرْسَلَتْهُ يَتَعَلَّمُ التَّوْرَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَفَلَهُ شَيْخٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَتَبَنَّاهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْغُلَامُ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَالْغُلَامُ نَائِمٌ إِلَى جَنْبِ الشَّيْخِ، وَكَانَ لَا يَأْتَمِنُ عَلَيْهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَدَعَاهُ بِلَحْنِ الشَّيْخِ: يَا شَمَاوِلَ فَقَامَ الْغُلَامُ فَزِعًا إِلَى الشَّيْخِ، فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ دَعَوْتَنِي؟ فَكَرِهَ الشَّيْخُ أَنْ يَقُولَ: لَا فَيَفْزَعُ الْغُلَامُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ ارْجِعْ فَنَمْ فَرَجَعَ فَنَامَ، ثُمَّ دَعَاهُ الثَّانِيَةَ، فَأَتَاهُ الْغُلَامُ أَيْضًا، فَقَالَ: دَعَوْتَنِي؟ فَقَالَ: ارْجِعْ فَنَمْ، فَإِنَّ دَعَوْتُكَ الثَّالِثَةَ فَلَا تُجِبْنِي فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى قَوْمِكَ فَبَلِّغْهُمْ
رِسَالَةَ رَبِّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَذَّبُوهُ وَقَالُوا: اسْتَعْجَلْتَ بِالنُّبُوَّةِ وَلَمْ يَأْنِ لَكَ، وَقَالُوا: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ آيَةً مِنْ نُبُوَّتِكَ فَقَالَ لَهُمْ شمعون: عَسَى أَنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا " وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] إِذَا قُرِئَ بِالنُّونِ غَيْرِ الْجَزْمِ عَلَى مَعْنَى الْمُجَازَاةِ وَشَرْطِ الْأَمْرِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الرَّفْعَ فِيهِ جَائِزٌ وَقَدْ قُرِئَ بِالنُّونِ بِمَعْنَى الَّذِي نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُضْمِرُ حَرْفَيْنِ.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَ قُرِئَ ذَلِكَ بِالْيَاءِ لَجَازَ رَفْعُهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لَوْ قُرِئَ كَذَلِكَ صِلَةً لِلْمَلِكِ، فَيَصِيرُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: ابْعَثْ لَنَا الَّذِي يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: 129] لِأَنَّ قَوْلَهُ «يَتْلُو» مِنْ صِلَةِ «الرَّسُولِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 246] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: قَالَ النَّبِيُّ الَّذِي سَأَلُوهُ أَنْ
يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [البقرة: 246] هَلْ تَعِدُونَ إِنْ كُتِبَ، يَعْنِي إِنْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا؟ يَعْنِي أَنْ لَا تَفُوا بِمَا تَعِدُونَ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مِنَ
الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ؟ فَإِنَّكُمْ أَهْلُ نَكَثٍ وَغَدْرٍ، وَقِلَّةِ وَفَاءٍ بِمَا تَعِدُونَ ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] يَعْنِي قَالَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِنَبِيِّهِمْ ذَلِكَ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُنَا أَنْ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَدُوَّنَا وَعَدُوَّ اللَّهِ ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: 246] بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ؟ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ دُخُولِ «أَنْ» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] وَحَذْفُهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [الحديد: 8] قِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ لِلْعَرَبِ، تُحْذَفُ «أَنْ» مَرَّةً مَعَ قَوْلِنَا «مَا لَكَ» ، فَتَقُولُ: مَا لَكَ لَا تَفْعَلُ كَذَا؟ بِمَعْنَى: مَا لَكَ غَيْرُ فَاعِلِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
مَا لَكِ تَرْغِينَ وَلَا تَرْغُو الْخَلِفْ وَذَلِكَ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا حَاجَةَ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ إِلَى الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّتِهِ لِفُشُوِّ ذَلِكَ عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ.
وَتَثْبُتُ «أَنْ» فِيهِ أُخْرَى، تَوْجِيهًا لِقَوْلِهَا مَا لَكَ إِلَى مَعْنَاهُ، إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ: مَا مَنَعَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] ثُمَّ قَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى فِي نَظِيرِهِ: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 32] فَوَضَعَ «مَا مَنَعَكَ» مَوْضِعَ «مَا لَكَ» ، وَ «مَا لَكَ» مَوْضِعَ «مَا مَنَعَكَ» لِاتِّفَاقِ
مَعْنَيَيْهِمَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمَا، كَمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا تَتَّفِقُ مَعَانِيهِ وَتَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
يَقُولُ إِذَا اقْلَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقْرَدَتْ أَلَا هَلْ أَخُو عَيْشٍ لَذِيذٍ بِدَائِمِ فَأَدْخَلَ فِي «دَائِمٍ» الْبَاءَ «مَعَ» هَلْ «وَهِيَ اسْتِفْهَامٌ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِي خَبَرِ» مَا " الَّتِي فِي مَعْنَى الْجَحْدِ لِتَقَارُبِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَالْجَحْدِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: أُدْخِلَتْ «أَنْ» فِي: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: 246] لِأَنَّهُ بِمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: مَا لَكَ فِي أَلَّا تُقَاتِلَ؟ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: مَا لَكَ أَنْ قُمْتَ؟ وَمَا لَكَ أَنَّكَ قَائِمٌ؟ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْأَفْعَالِ، كَمَا يُقَالُ: مَنَعْتُكَ أَنْ تَقُومَ، وَلَا يُقَالُ: مَنَعْتُكَ أَنْ قُمْتَ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ فِي «مَا لَكَ» : مَا لَكَ أَلَّا تَقُومَ، وَلَمْ يَقُلْ: مَا لَكَ أَنْ قُمْتَ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: «أَنْ» هَاهُنَا زَائِدَةٌ بَعْدَ «مَا» فَلَمَّا «وَلَمَّا» وَلَوْ " وَهِيَ تُزَادُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرًا قَالَ: وَمَعْنَاهُ: وَمَا لَنَا لَا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَعْمَلَ «أَنْ» وَهِيَ زَائِدَةٌ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
[البحر البسيط]
لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا إِذَنْ لَلَامَ ذَوُو أَحْسَابِهَا عُمَرَا وَالْمَعْنَى: لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَهَا ذُنُوبٌ.
«وَلَا» زَائِدَةٌ فَأَعْمَلَهَا وَأَنْكَرَ مَا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي حَكَيْنَا عَنْهُ آخَرُونَ، وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَجْعَلَ «أَنْ» زَائِدَةٌ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى وَبِالْكَلَامِ إِلَيْهِ الْحَاجَةٌ، قَالُوا: وَالْمَعْنَى: مَا يَمْنَعُنَا أَلَّا نُقَاتِلَ؟ فَلَا وَجْهَ لِدَعْوَى مُدَّعٍ أَنُ «أَنْ» زَائِدَةٌ، وَلَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ صَحِيحٌ.
قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا» فَإِنَّ «لَا» غَيْرُ زَائِدَةٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ جَحْدٌ، وَالْجَحْدُ إذَا جُحِدَ صَارَ إِثْبَاتًا.
قَالُوا: فَقَوْلُهُ: «لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا» إِثْبَاتُ الذُّنُوبِ لَهَا، كَمَا يُقَالُ: مَا أَخُوكَ لَيْسَ يَقُومُ، بِمَعْنَى: هُوَ يَقُومُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: 246] مَا لَنَا وَلَأَنْ لَا نُقَاتِلُ، ثُمَّ حَذَفَتِ الْوَاوُ فَتُرِكَتْ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: مَا لَكَ وَلَأَنْ تَذْهَبَ إِلَى فُلَانٍ؟ فَأُلْقِيَ مِنْهَا الْوَاوُ؛ لِأَنَّ «أَنْ» حَرْفٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٌ فِي الْأَسْمَاءِ، وَقَالُوا: نُجِيزُ أَنْ يُقَالَ: مَا لَكَ أَنْ تَقُومَ؟ وَلَا نُجِيزُ: مَا لَكَ الْقِيَامُ؟ لِأَنَّ الْقِيَامَ اسْمٌ صَحِيحٌ، وَ «أَنْ» اسْمٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَالُوا: قَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ، بِمَعْنَى إِيَّاكَ وَأَنْ تَتَكَلَّمَ.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ آخَرُونَ، وَقَالُوا: لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَائِلُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا: «ضَرَبْتُكَ بِالْجَارِيَةِ وَأَنْتَ كَفِيلٌ» بِمَعْنَى: وَأَنْتَ كَفِيلٌ بِالْجَارِيَةِ، وَأَنْ تَقُولَ: «رَأَيْتُكَ أَبَانَا وَيَزِيدَ» ، بِمَعْنَى: رَأَيْتُكَ وَأَبَانَا يَزِيدُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: إِيَّاكَ بِالْبَاطِلِ أَنْ تَنْطِقَ قَالُوا: فَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ مُضْمَرَةً فِي أَنْ لَجَازَ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْوَاوِ مِنَ الْأَفَاعِيلِ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ أَنْ يَقَعَ عَلَى مَا قَبْلَهَا.
وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ مُضْمَرَةً مَعَ «أَنْ» يَقُولُ الشَّاعِرُ:
[البحر المتقارب]
فَبُحْ بِالسَّرَائِرِ فِي أَهْلِهَا ... وَإِيَّاكَ فِي غَيْرِهِمْ أَنْ تَبُوحَا
وَأَنَّ «أَنْ تَبُوحَا» لَوْ كَانَ فِيهَا وَاوٌ مُضْمَرَةٌ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ غَيْرِهِمْ عَلَيْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: 246] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَقَدْ أُخْرِجَ مَنْ غُلِبَ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالِنَا وَنِسَائِنَا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَنْ سُبِيَ.
وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ، وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ
وَأَوْطَانِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ أُخْرِجَ مِنْ دَارِهِ، وَوَلَدِهِ مَنْ أُسِرَ، وَقُهِرَ مِنْهُمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 246] يَقُولُ: فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمْ قِتَالُ عَدُوِّهِمْ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 246]
يَقُولُ: أَدْبَرُوا مُوَلِّينَ عَنِ الْقِتَالِ، وَضَيَّعُوا مَا سَأَلُوهُ نَبِيَّهُمْ مِنْ فَرْضِ الْجِهَادِ.
وَالْقَلِيلُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ مِنْهُمْ، هُمُ الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهَرَ مَعَ طَالُوتَ وَسَنَذْكُرُ سَبَبَ تَوَلِّي مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ وَعُبُورَ مَنْ عَبَرَ مِنْهُمُ النَّهَرَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهِ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 95] يَعْنِي: وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ نَفْسَهُ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ مَا وَعْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَخَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ فِيمَا سَأَلَهُ ابْتِدَاءً أَنْ يُوجِبَهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَقْرِيعٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ رَبِّهِمْ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ: إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ عَصَيْتُمُ اللَّهَ وَخَالَفْتُمْ أَمْرَهُ فِيمَا سَأَلْتُمُوهُ أَنْ يَفْرِضَهُ عَلَيْكُمُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَدِئَكُمْ رَبُّكُمْ بِفَرْضِ مَا عَصَيْتُمُوهُ فِيهِ، فَأَنْتُمْ بِمَعْصِيَتِهِ فِيمَا ابْتَدَأَكُمْ بِهِ مِنْ إِلْزَامِ فَرْضِهِ أَحْرَى.
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ قَدِ اسْتُغْنِي بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ عَمَّا تُرِكَ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قَالُوا: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَسَأَلَ نَبِيُّهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَبَعَثَ لَهُمْ مَلِكًا، وَكَتَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 246]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ
بِذَلِكَ: وَقَالَ لِلْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيُّهُمْ شمويل: إِنَّ اللَّهَ
قَدْ أَعْطَاكُمْ مَا سَأَلْتُمْ، وَبَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا.
فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ شمويل ذَلِكَ، قَالُوا: أَنَّى يَكُونُ لِطَالُوتَ الْمُلْكُ عَلَيْنَا، وَهُوَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَسِبْطُ بِنْيَامِينَ سِبْطٌ لَا مُلْكَ فِيهِمْ وَلَا نُبُوَّةَ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ، لِأَنَّا مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: 247] يَعْنِي: وَلَمْ يُؤْتَ طَالُوتُ كَثِيرًا مِنَ الْمَالِ، لِأَنَّهُ سَقَّاءٌ، وَقِيلَ كَانَ دَبَّاغًا.
وَكَانَ سَبَبُ تَمْلِيكِ اللَّهِ طَالُوتَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَوْلِهِمْ مَا قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ شمويل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: 247]
مَا: حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ، أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا قَالَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِشَمْوِيلَ بْن بَالِي مَا قَالُوا لَهُ، سَأَلَ اللَّهُ نَبِيِّهِمْ شمويل أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: انْظُرِ الْقَرْنَ الَّذِي فِيهِ الدُّهْنُ فِي بَيْتِكَ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنُ الَّذِي فِي الْقَرْنِ، فَهُوَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَادَّهِنْ رَأْسَهُ مِنْهُ، وَمَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ وَأَخْبِرْهُ بِالَّذِي جَاءَهُ.
فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ مَتَى ذَلِكَ الرَّجُلُ دَاخِلًا عَلَيْهِ.
وَكَانَ طَالُوتُ رَجُلًا دَبَّاغًا يَعْمَلُ الْأَدَمَ، وَكَانَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَكَانَ سَبْطُ بِنْيَامِينَ سِبْطًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نُبُوَّةٌ وَلَا مُلْكٌ.
فَخَرَجَ طَالُوتُ فِي طَلَبِ دَابَّةٍ لَهُ أَضَلَّتْهُ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ، فَمَرَّا بِبَيْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ غُلَامُ طَالُوتَ لِطَالُوتَ: لَوْ دَخَلْتَ بِنَا عَلَى هَذَا النَّبِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ أَمْرِ دَابَّتِنَا فَيُرْشِدُنَا وَيَدْعُو لَنَا فِيهَا بِخَيْرٍ؟ فَقَالَ طَالُوتُ: مَا بِمَا قُلْتَ مِنْ بَأْسٍ فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدَهُ يَذْكُرَانِ لَهُ شَأْنَ دَابَّتِهِمَا، وَيَسْأَلَانِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا فِيهَا، إِذْ نَشَّ الدُّهْنُ الَّذِي فِي الْقَرْنِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخَذَهُ، ثُمَّ قَالَ لِطَالُوتَ: قَرِّبْ رَأْسَكَ فَقَرَّبَهُ، فَدَهَنَهُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أُمَلِّكَكَ عَلَيْهِمْ.
وَكَانَ اسْمُ طَالُوتَ
بِالسُّرْيَانِيَّةِ: شَاؤُلَ بْنَ قَيْسِ بْنِ أَبْيَالَ بْنِ صِرَارِ بْنِ يَحْرُبَ بْنِ أَفِيَّحَ بْنِ آيِسَ بْنِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَجَلَسَ عِنْدَهُ وَقَالَ النَّاسُ: مُلِّكَ طَالُوتُ.
فَأَتَتْ عُظَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيَّهُمْ وَقَالُوا لَهُ: مَا شَأْنُ طَالُوتَ يُمَلَّكُ عَلَيْنَا وَلَيْسَ فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَلَا الْمَمْلَكَةِ؟ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ النُّبُوَّةَ وَالْمُلْكَ فِي آلِ لَاوَيِّ، وَآلِ يَهُوذَا فَقَالَ لَهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِشَمْوِيلَ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ كَفَاكُمُ اللَّهُ الْقِتَالَ قَالُوا: إِنَّا نَتَخَوَّفُ مَنْ حَوْلَنَا فَيَكُونُ لَنَا مَلِكٌ نَفْزَعُ إِلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شمويل أَنِ ابْعَثْ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، وَادَّهِنْهُ بِدُهْنِ الْقُدْسِ.
وَضَلَّتْ حُمُرٌ لِأَبِي طَالُوتَ، فَأَرْسَلَهُ وَغُلَامًا لَهُ يَطْلُبَانِهَا، فجَاءُوا إِلَى شمويل يَسْأَلُونَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ مَلِكًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَمَا عَلِمْتَ أَنَّ سِبْطِيَ أَدْنَى أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: أَفَمَا عَلِمْتَ أَنَّ قَبِيلَتِي أَدْنَى قَبَائِلِ سِبْطِي؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ بَيْتِيَ أَدْنَى بُيُوتِ قَبِيلَتِي؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَبِأَيَّةِ آيَةٍ؟ قَالَ: بِآيَةِ أَنَّكَ تَرْجِعُ وَقَدْ وَجَدَ أَبُوكَ حُمُرَهُ، وَإِذَا كُنْتَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا نَزَلَ عَلَيْكَ الْوَحْي.
فَدَهَنَهُ بِدُهْنِ الْقُدُسِ، فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكِ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا كَذَّبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ شمعون، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ آيَةً مِنْ نُبُوَّتِكِ قَالَ لَهُمْ شمعون: عَسَى أَنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا.
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] الْآيَةَ.
دَعَا اللَّهُ فَأُتِيَ بِعَصًا تَكُونُ مِقْدَارًا عَلَى طُولِ الرَّجُلِ الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِمْ مَلِكًا، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ يَكُونُ طُولُهُ طُولَ هَذِهِ الْعَصَا.
فَقَاسُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَا، فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهَا.
وَكَانَ طَالُوتُ رَجُلًا سِقَّاءً يَسْقِي عَلَى حِمَارٍ لَهُ، فَضَلَّ حِمَارُهُ، فَانْطَلَقَ يَطْلُبُهُ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ دَعُوهُ فَقَاسُوهُ بِهَا، فَكَانَ مِثْلَهَا، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلَكًا﴾ [البقرة: 247] قَالَ الْقَوْمُ: مَا كُنْتَ قَطُّ أَكْذَبَ مِنْكَ السَّاعَةَ، وَنَحْنُ مِنْ سِبْطِ الْمُمَلَّكَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ سِبْطِ الْمُمَلَّكَةِ، وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ فَنَتَّبِعُهُ لِذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «كَانَ طَالُوتُ سِقَّاءً يَبِيعُ الْمَاءَ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: "
بَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ مَلِكًا، وَكَانَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ سِبْطٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَمْلَكَةٌ، وَلَا نُبُوَّةٌ.
وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطَانِ: سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وَسِبْطُ مَمْلَكَةَ، وَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ سِبْطَ لَاوِيِّ إِلَيْهِ مُوسَى، وَسِبْطُ الْمُمَلَّكَةِ يَهُوذَا إِلَيْهِ دَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ.
فَلَمَّا بُعِثَ مِنْ غَيْرِ سِبْطِ النُّبُوَّةِ، وَالْمُمَلَّكَةِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَعَجِبُوا مِنْهُ وَقَالُوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: 247] قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا، وَلَيْسَ مِنْ سِبْطِ النُّبُوَّةِ، وَلَا مِنْ سَبْطِ الْمُمَلَّكَةِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: 246] قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 247] قَالَ: وَكَانَ مِنْ سِبْطٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُلْكٌ وَلَا نُبُوَّةٌ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247] وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطَانِ: سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وَسِبْطُ خِلَافَةٍ.
فَلِذَلِكَ ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 247] يَقُولُونَ: وَمَنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا، وَلَيْسَ مِنْ سِبْطِ النُّبُوَّةِ، وَلَا سَبْطِ الْخِلَافَةِ ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] " حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 247] فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " لَمَّا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِنَبِيِّهِمْ: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَكْتُبَ، عَلَيْنَا الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّبِيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 246] الْآيَةَ.
قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ مَلِكًا.
قَالَ: وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطَانِ: سَبْطُ نُبُوَّةٍ، وَسِبْطُ مَمْلَكَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ طَالُوتُ مِنْ سِبْطِ النُّبُوَّةِ وَلَا مِنْ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ.
فَلَمَّا بُعِثَ لَهُمْ مَلِكًا أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَعَجِبُوا وَقَالُوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: 247] قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَلَيْسَ مِنْ سِبْطِ النُّبُوَّةِ، وَلَا مِنْ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] الْآيَةَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَمَا ذِكْرُ طَالُوتَ إِذْ قَالُوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: 247] فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطَانِ، كَانَ فِي أَحَدِهِمَا النُّبُوَّةُ، وَكَانَ فِي الْآخَرِ الْمُلْكُ، فَلَا يُبْعَثُ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ سِبْطِ النُّبُوَّةِ، وَلَا يُمَلَّكُ عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ سِبْطِ الْمُلْكِ.
وَأَنَّهُ ابْتَعَثَ طَالُوتَ حِينَ ابْتَعَثَهُ وَلَيْسَ مِنْ أَحَدِ السِّبْطَيْنِ وَاخْتَارَهُ عَلَيْهِمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ؛ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالُوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: 247] وَلَيْسَ مِنْ وَاحِدٍ مِنَ السِّبْطَيْنِ، قَالَ
: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] إِلَى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: 246] الْآيَةَ.
هَذَا حِينَ رُفِعَتِ التَّوْرَاةُ وَاسْتُخْرِجَ أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَكَانَتِ الْجَبَابِرَةُ قَدْ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَبْنَائِهِمْ؛ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ وَذَلِكَ حِينَ أَتَاهُمُ التَّابُوتُ قَالَ: وَكَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطَانِ: سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وَسِبْطُ خِلَافَةٍ، فَلَا تَكُونُ الْخِلَافَةُ إِلَّا فِي سِبْطِ الْخِلَافَةِ، وَلَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ إِلَّا فِي سِبْطِ النُّبُوَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: 247] وَلَيْسَ مِنْ أَحَدِ السِّبْطِينِ، لَا مِنْ سِبْطِ النُّبُوَّةِ، وَلَا سِبْطِ الْخِلَافَةِ.
﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] الْآيَةَ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى الْمُلْكِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْإِمْرَةُ عَلَى الْجَيْشِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ، قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247] قَالَ: كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى «أَنَّى» ، وَمَعْنَى الْمُلْكِ فِيمَا مَضَى، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] قَالَ نَبِيُّهُمْ شمويل لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ يَعْنِي اخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ، حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] اخْتَارَهُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] قَالَ: اخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 247] اخْتَارَهُ "
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ بَسَطَ لَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وَآتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ فَضْلًا عَلَى مَا أَتَى غَيْرَهُ مِنَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذَا الْخِطَابِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَتَاهُ وَحْي مِنَ اللَّهِ وَأَمَّا فِي الْجِسْمِ، فَإِنَّهُ
أُوتِيَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي طُولِهِ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْتَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247] قَالَ: وَاجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ طَالُوتُ فَوْقَهُمْ مِنْ مَنْكِبَيْهِ فَصَاعِدًا "
وَقَالَ السُّدِّيُّ: " أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَصًا تَكُونُ مِقْدَارًا عَلَى طُولِ الرَّجُلِ الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِمْ مَلِكًا فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ يَكُونُ طُولُهُ طُولَ هَذِهِ الْعَصَا.
فَقَاسُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَا فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهَا، فَقَاسُوا طَالُوتَ بِهَا فَكَانَ مِثْلَهَا " حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ مَعَ اصْطِفَائِهِ إِيَّاهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ: بَسَطَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ