تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 48-56

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: 24] يَقُولُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ جُنْدٌ اللَّهُ مُغْرُقُهُمْ فِي الْبَحْرِ

صفحات 48-56
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: 33] ، وَقَرَأَ ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 35] وَقَالَ: «بَلَاءٌ مُبِينٌ لِمَنْ آمَنَ بِهَا وَكَفَرَ بِهَا، بَلْوَى نَبْتَلِيهِمْ بِهَا، نُمَحِّصُهُمْ , بَلْوَى اخْتِبَارٍ، نَخْتَبِرُهُمْ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، نَخْتَبِرُهُمْ لِنَنْظُرَ فِيمَا أَتَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَا، وَيَنْتَفِعُ بِهَا وَيُضَيِّعُهَا» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ ابْتِلَاؤُهُمْ وَاخْتِبَارُهُمْ، وَقَدْ يَكُونُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ بِالرَّخَاءِ، وَيَكُونُ بِالشِّدَّةِ، وَلَمْ يَضَعْ لَنَا دَلِيلًا مِنْ خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ، أَنَّهُ عَنَى بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ اخْتَبَرَهُمْ بِالْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا جَمِيعًا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى اخْتِبَارَهُ إِيَّاهُمْ بِهِمَا، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ نَقُولَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّهُ اخْتَبَرَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾

[الدخان: 34] الَّتِي نَمُوتُهَا، وَهِيَ الْمَوْتَةُ الْأُولَى ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: 35] بَعْدَ مَمَاتِنَا، وَلَا بِمَبْعُوثِينَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: 35] قَالَ: " قَدْ قَالَ

مُشْرِكُو الْعَرَبِ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: 35] أَيْ: بِمَبْعُوثِينَ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَوْا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأْتُوا بِآبَائِنَا الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَنَّ اللَّهَ بَاعِثَنَا مِنْ بَعْدِ بَلَانَا فِي قُبُورِنَا، وَمُحْيِينَا مِنْ بَعْدِ مَمَاتِنَا، وَخُوطِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَحْدَهُ خِطَابَ الْجَمِيعِ، كَمَا قِيلَ:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] وَكَمَا قَالَ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: 99] وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَوْمِكَ خَيْرٌ، أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ، يَعْنِي تُبَّعًا الْحِمْيَرِيَّ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: 37] قَالَ: الْحِمْيَرِيُّ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: 37] «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ تُبَّعًا كَانَ رَجُلًا مِنْ حِمْيَرَ، سَارَ بِالْجُيُوشِ حَتَّى حَيْرِ الْحِيرَةَ، ثُمَّ أَتَى سَمَرْقَنْدَ فَهَدَمَهَا وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ كَتَبَ بِاسْمِ الَّذِي تَسَمَّى وَمَلَكَ بَرًّا وَبَحْرًا وَصَحًا وَرِيحًا» وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: نُعِتَ نَعْتُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَهُ وَلَمْ يَذُمَّهُ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ تُبَّعٌ رَجُلًا صَالِحًا» وَقَالَ كَعْبٌ: ذَمَّ قَوْمَهُ وَلَمْ يَذُمَّهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أَنْ تُبَّعًا، كَسَا الْبَيْتَ» وَنَهَى سَعِيدٌ عَنْ سَبِّهِ

وَقَوْلُهُ ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ بِرَبِّهَا، يَقُولُ: فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِخَيْرٍ مِنْ أُولَئِكَ، فَنَصْفَحُ عَنْهُمْ، وَلَا نُهْلِكُهُمْ، وَهُمْ بِاللَّهِ كَافِرُونَ، كَمَا كَانَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنَ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِهِمْ كُفَّارًا

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: 37] يَقُولُ: إِنَّ قَوْمَ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّمَا أَهْلَكْنَاهُمْ لِإِجْرَامِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ، فَكُسِرَتْ أَلِفُ «إِنَّ» عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ، وَفِيهَا

مَعْنَى الشَّرْطِ اسْتِغْنَاءً بِدِلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ﴾ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَلْقِ لَعِبًا

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: 39] يَقُولُ: مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ التَّدْبِيرُ إِلَّا بِهِ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ التَّنْبِيهَ عَلَى صِحَّةِ الْبَعْثِ وَالْمُجَازَاةِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَمْ نَخْلُقِ الْخَلْقَ عَبَثًا بِأَنْ نُحْدِثَهُمْ فَنُحْيِيهِمْ مَا أَرَدْنَا، ثُمَّ نُفْنِيهِمْ مِنْ غَيْرِ الِامْتِحَانِ

بِالطَّاعَةِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَغَيْرِ مُجَازَاةِ الْمُطِيعِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْعَاصِي عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ خَلَقْنَا ذَلِكَ لِنَبْتَلِيَ مَنْ أَرَدْنَا امْتِحَانَهُ مِنْ خَلْقِنَا بِمَا شِئْنَا مِنَ امْتِحَانِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ﴿لِنَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَنَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَهُمْ لَا يَخَافُونَ عَلَى مَا يَأْتُونَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ عُقُوبَةً، وَلَا يَرْجُونَ عَلَى خَيْرٍ إِنْ فَعَلُوهُ ثَوَابًا لِتَكْذِيبِهِمْ بِالْمَعَادِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: 41]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ يَوْمَ فَصْلِ اللَّهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ خَلْقِهِ بِمَا أَسْلَفُوا فِي دُنْيَاهُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ يُجْزَى بِهِ الْمُحْسِنُ بِالْإِحْسَانِ، وَالْمُسِيءُ بِالْإِسَاءَةِ ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: 40] يَقُولُ: مِيقَاتُ اجْتِمَاعِهِمْ أَجْمَعِينَ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: 40] «يَوْمَ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ»

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: 41] يَقُولُ: لَا يَدْفَعُ ابْنُ عَمٍّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ، وَلَا صَاحِبٌ عَنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: 48] يَقُولُ: وَلَا يَنْصُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيَسْتَعِيذُوا مِمَّنْ نَالَهُمْ بِعُقُوبَةٍ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الدُّنْيَا

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: 41] الْآيَةَ، «انْقَطَعَتِ الْأَسْبَابُ يَوْمَئِذٍ يَا ابْنَ آدَمَ، وَصَارَ النَّاسُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ أَصَابَ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا سَعِدَ بِهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ أَصَابَ يَوْمَئِذٍ شَرًّا شَقِيَ بِهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِ»

وَقَوْلُهُ ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: 42] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ «مَنْ» فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: 42] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، فَجَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الِاسْمِ الْمُضْمَرِ فِي يُنْصَرُونَ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً وَأَضْمَرْتَ خَبَرَهُ، يُرِيدُ بِهِ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فَيُغْنِي عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ

قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: 42] قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ يَشْفَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ شِئْتَ فَاجْعَلْ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَأَنَّكَ قُلْتَ:

لَا يَقُومُ أَحَدٌ إِلَّا فُلَانٌ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ نَصْبًا عَلَى الِاسْتِثَنَاءِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ، يُرِيدُ: اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: مَعْنَاهُ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا، إِلَّا مَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ؛ قَالَ: لَا يَكُونُ بَدَلًا مِمَّا فِي يُنْصَرُونَ، لِأَنَّ إِلَّا مُحَقَّقٌ، وَالْأَوَّلُ مَنْفِيُّ، وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْأَوَّلِ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْنَفُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنَى: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ بِأَنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: 42] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَاصِفًا نَفْسَهُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الرَّحِيمُ بِأَوْلِيَائِهِ، وَأَهْلِ طَاعَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ يقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: 43] الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهَا تَنْبُتُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، الَّتِي جَعَلَهَا طَعَامًا لِأَهْلِ الْجَحِيمِ، ثَمَرُهَا فِي الْجَحِيمِ طَعَامُ الْآثِمِ فِي الدُّنْيَا بِرَبِّهِ، وَالْأَثِيمُ: ذُو الْإِثْمِ،

وَالْإِثْمُ مِنْ أَثِمَ يَأْثَمُ فَهُوَ أَثِيمٌ وَعَنَى بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الَّذِي إِثْمُهُ الْكُفْرُ بِرَبِّهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْآثَامِ

وَقَدْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ

الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، كَانَ يُقْرِئُ رَجُلًا ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 44] فَقَالَ: طَعَامُ الْيَتِيمِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «قُلْ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْفَاجِرِ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً، مِنْ زَقُّومِ جَهَنَّمَ أُنْزِلَتْ إِلَى الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى النَّاسِ مَعَايِشَهُمْ»

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كَانَ أَبُوالدَّرْدَاءِ يُقْرِئُ رَجُلًا ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 44] قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْيَتِيمِ؛ قَالَ: فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَرَآهُ لَا يَفْهَمُ قَالَ: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْفَاجِرِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 44] قَالَ: «أَبُو جَهْلٍ»

وَقَوْلُهُ: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ الَّتِي جَعَلَ ثَمَرَتَهَا طَعَامَ الْكَافِرِ فِي جَهَنَّمَ، كَالرَّصَاصِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَوْ مَا يُذَابُ فِي النَّارِ إِذَا أُذِيبَ بِهَا، فَتَنَاهَتْ حَرَارَتُهُ، وَشَدَّتْ حِمْيَتُهُ فِي شِدَّةِ السَّوَادِ

وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُهِلِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَذِكْرَ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَاكَ

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ: ثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الدخان: 45] قَالَ: «كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ»

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: 45] يَقُولُ: «أَسْوَدَ كَمُهْلِ الزَّيْتِ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالُوا: ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الدخان: 45] «مَاءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ»

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [الدخان: 45] قَالَ: «كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: ثَنَا خُلَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ رَأَى فِضَّةً قَدْ أُذِيبَتْ، فَقَالَ: «هَذَا الْمُهِلُ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ﴾ [الكهف: 29] قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْتَ الْمَالِ، فَأَخْرَجَ بَقَايَا كَانَتْ فِيهِ، فَأَوْقَدَ عَلَيْهَا النَّارَ حَتَّى تَلَأْلَأَتْ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْمُهِلِ؟ هَذَا الْمُهِلُ»

جارٍ التحميل