وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر: 50] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَتِ الْخَزَنَةُ لَهُمْ: فَادْعُوا إِذَنْ رَبَّكُمُ الَّذِي أَتَتْكُمُ الرُّسُلُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: 63] يَقُولُ: كَذِهَابِكُمْ عَنْهُ أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَانْصَرَافِكُمْ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَالرُّشْدِ إِلَى الضَّلَالِ، ذَهَبَ عَنْهُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ بِآيَاتِ اللَّهِ، يَعْنِي: بِحُجَجِ اللَّهِ وَأَدِلَّتِهِ يُكَذِّبُونَ فَلَا يُؤْمِنُونَ؛ يَقُولُ: فَسَلَكْتُمْ أَنْتُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ
مَسْلَكَهُمْ، وَرَكِبْتُمْ مَحَجَّتَهُمْ فِي الضَّلَالِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ [الفاتحة: 1] الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ
خَالِصَةً أَيُّهَا النَّاسُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: 22] الَّتِي أَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِهَا سُكَّانٌ ﴿قَرَارًا﴾ [النمل: 61] تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا، وَتَسْكُنُونَ فَوْقَهَا، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: 22] بَنَاهَا فَرَفَعَهَا فَوْقَكُمْ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا لِمَصَالِحِكُمْ، وَقَوَامِ دُنْيَاكُمْ إِلَى بُلُوغِ آجَالِكُمْ ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: 64] يَقُولُ: وَخَلَقَكُمْ فَأَحْسَنَ خَلْقَكُمْ ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأنفال: 26] يَقُولُ: وَرَزَقَكُمْ مِنْ حَلَالِ الرِّزْقِ، وَلَذِيذَاتِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَالَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ، وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ هَذِهِ النِّعَمَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ، وَرَبُّكُمُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الرُّبُوبِيَّةُ لِغَيْرِهِ، لَا الَّذِي لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَلَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 64] يَقُولُ:
فَتَبَارَكَ اللَّهُ مَالِكُ جَمِيعَ
الْخَلْقِ جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ، وَسَائِرِ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ غَيْرِهِمْ ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ [البقرة: 255] يَقُولُ: هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، الدَّائِمُ الْحَيَاةُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ فَمُنْقَطَعُ الْحَيَاةِ غَيْرُ دَائِمِهَا ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] يَقُولُ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ تَجُوزُ عِبَادَتُهُ، وَتَصْلُحُ الْأُلُوهَةُ لَهُ إِلَّا اللَّهَ الَّذِي هَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتُهُ، فَادْعُوهُ أَيُّهَا النَّاسُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، مُخْلِصِينَ لَهُ الطَّاعَةَ، مُفْرِدِينَ لَهُ الْأُلُوهَةَ، لَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَتِهِ شَيْئًا سِوَاهُ، مِنْ وَثَنٍ وَصَنَمٍ، وَلَا تَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا وَلَا عَدْلًا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] يَقُولُ: الشُّكْرُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مَالِكُ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ، مِنْ مَلَكٍ وَجِنٍّ وَإِنْسٍ وَغَيْرِهِمْ، لَا لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ، بَلْ هُوَ مَمْلُوكٌ، إِنْ نَالَهُ نَائِلٌ بِسُوءٍ لَمْ يَقْدِرْ لَهُ عَنْ نَفْسِهِ دَفْعًا وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَنْ يُتْبِعَ ذَلِكَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] تَأَوُّلًا مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ، بِأَنَّهَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِقِيلِ ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلْيَقُلْ عَلَى إِثْرِهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 65]
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ السُّكَّرِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ثُمَّ قَالَ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 65]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، " أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبُّ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُتْبِعُهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ " ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 65]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، فَلْيَقُلْ بِأَثْرِهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّدِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 65]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 66] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ [الأنعام: 56] أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[الأنعام: 56] مِنَ الْآلِهَةِ
وَالْأَوْثَانِ ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ [غافر: 66] يَقُولُ: لَمَّا جَاءَنِيَ الْآيَاتُ الْوَاضِحَاتُ مِنْ عِنْدِ رَبِّي، وَذَلِكَ آيَاتُ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 66] يَقُولُ: وَأَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَذَلَّ لِرَبِّ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَالِكِ كُلِّ خَلْقٍ بِالْخُضُوعِ، وَأَخْضَعَ لَهُ بِالطَّاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ آمِرًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَنْبِيهِ مُشْرِكِي قَوْمِهِ عَلَى حُجَجِهِ
عَلَيْهِمْ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي صِفَتُهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ.
وَهِيَ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاكُمْ آدَمَ ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ﴾ [آل عمران: 59] خَلَقَكُمْ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [الحج: 5] بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ نُطَفًا ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ صِغَارًا، ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: 5] فَتَتَكَامَلُ قُوَاكُمْ، وَيَتَنَاهَى شَبَابُكُمْ، وَتَمَامُ خَلْقِكُمْ شُيُوخًا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ [غافر: 67] أَنْ يَبْلُغَ الشَّيْخُوخَةَ ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ [غافر: 67] يَقُولُ: وَلِتَبْلُغُوا مِيقَاتًا مُؤَقَّتًا لِحَيَاتِكُمْ، وَأَجَلًا مَحْدُودًا لَا تُجَاوِزُونَهُ، وَلَا تَتَقَدَّمُونَ قَبْلَهُ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: 67] يَقُولُ: وَكَيْ تَعْقِلُوا حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ، وَتَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ فَتَعْرِفُوا بِهَا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ فَعَلَ ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر: 68] يَقُولُ قُلْ لَهُمْ: وَمِنْ صِفَتِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَيُمِيتُ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْأَحْيَاءِ بَعْدَ حَيَاتِهِ وَ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: 47] يَقُولُ: وَإِذَا قَضَى كَوْنَ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُ تَكْوِينَهَا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ [البقرة: 117] يَعْنِي لِلَّذِي يُرِيدُ تَكْوِينَهُ كُنْ، فَيَكُونُ مَا أَرَادَ تَكْوِينَهُ مَوْجُودًا بِغَيْرٍ مُعَانَاةٍ، وَلَا كَلَفَةِ مُؤْنَةٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69] يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمَكَ، الَّذِينَ يُخَاصِمُونَكَ فِي حُجَجِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69] يَقُولُ: أَيَّ وَجْهٍ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ، وَيَعْدِلُونَ عَنِ الرُّشْدِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69] «أَنَّى يَكْذِبُونَ وَيُعَدِّلُونَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69] قَالَ: «يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا أَهْلُ الْقَدْرِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ،.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: " إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: 74]
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْقَدْرِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ فَلَا عِلْمَ لَنَا بِهِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي الْخَيْرِ الزِّيَادِيُّ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَيَهْلَكُ مِنْ أُمَّتِي أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَهْلُ اللِّينِ» فَقَالَ عُقْبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَهْلُ الْكِتَابِ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتَابَ اللَّهِ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا» ، فَقَالَ عُقْبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَهْلُ اللِّينِ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، وَيُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ» قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: لَا أَحْسَبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَمَّا أَهْلُ اللِّينِ، فَلَا أَحْسَبَهُمْ إِلَّا أَهْلَ الْعَمُودِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِمَامُ جَمَاعَةٍ، وَلَا يَعْرِفُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ أَهْلَ الشِّرْكِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69] قَالَ: «هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر: 70]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾
[غافر: 71] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ؛ وَالَّذِينَ الثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا لَهَا عَلَى الَّذِينَ الْأُولَى عَلَى وَجْهِ النَّعْتِ ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر: 70] يَقُولُ: وَكَذَّبُوا أَيْضًا مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا مِنْ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا يُعْبَدُ دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ [غافر: 71] وَهَذَا تَهْدِيدٌ مِنَ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ؛ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، الْمُكَذِّبُونَ بِالْكِتَابِ حَقِيقَةَ مَا تُخْبِرُهُمْ بِهِ يَا مُحَمَّدُ، وَصِحَّةَ مَا هُمْ بِهِ الْيَوْمَ
مُكَذِّبُونَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، حِينَ تُجْعَلُ الْأَغْلَالُ وَالسَّلَاسِلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ فِي جَهَنَّمَ وَقَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: وَالسَّلَاسِلُ، بِرَفْعِهَا عَطَفًا بِهَا عَلَى الْأَغْلَالِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنْتُ وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ «وَالسَّلَاسِلَ يُسْحَبُونَ» بِنَصْبِ السَّلَاسِلِ فِي الْحَمِيمِ وَقَدْ حُكِيَ أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ وَهُمْ فِي السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ، وَلَا يُجِيزُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ خَفْضَ الِاسْمِ وَالْخَافِضُ مُضْمَرُ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: لَوْ أَنَّ مُتَوَهِّمًا قَالَ: إِنَّمَا الْمَعْنَى: إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلَ يُسْحَبُونَ، جَازَ الْخَفْضُ فِي السَّلَاسِلِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، وَقَالَ: مِثْلُهُ مِمَّا رُدَّ إِلَى الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الرجز]
قَدْ سَالَمَ الْحَيَّاتُ مِنْهُ الْقَدَمَا ... الْأُفْعُوَانَ وَالشُّجَاعَ الْأَرْقَمَا
فَنَصَبَ الشُّجَاعَ وَالْحَيَّاتُ قَبْلَ ذَلِكَ مَرْفُوعَةٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: قَدْ سَالَمَتْ رِجْلُهُ الْحَيَّاتِ وَسَالَمَتْهَا، فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى نَصْبِ الْقَافِيَةِ، جَعَلَ الْفِعْلَ مِنَ الْقَدَمِ وَاقِعًا عَلَى الْحَيَّاتِ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ رَفْعُ السَّلَاسِلِ عَطْفًا بِهَا عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [الرعد: 5] مِنْ ذِكْرِ الْأَغْلَالِ
وَقَوْلُهُ: ﴿يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: 71] يَقُولُ: يُسْحَبُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْكِتَابِ زَبَانِيَةُ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْحَمِيمِ، وَهُوَ مَا قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، وَبَلَغَ غَايَتُهُ
وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 72] يَقُولُ: ثُمَّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يُحْرَقُونَ، يَقُولُ: تُسْجَرُ بِهَا جَهَنَّمُ: أَيْ تُوقَدُ بِهِمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 72] قَالَ: «يُوقِدُ بِهِمُ النَّارَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ،.
قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 72] قَالَ: «يُحْرَقُونَ فِي النَّارِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 72] قَالَ: " يُسْجَرُونَ فِي النَّارِ: يُوقَدُ عَلَيْهِمْ فِيهَا "
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر: 74] يَقُولُ: ثُمَّ قِيلَ: أَيْنَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ آلِهَتِكُمْ وَأَوْثَانِكُمْ حَتَّى يُغِيثُوكُمْ فَيُنْقِذُوكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْعَذَابِ، فَإِنَّ الْمَعْبُودَ يُغِيثُ مَنْ عَبَدَهُ وَخَدَمَهُ؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا لَهُمْ تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا
عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَطَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَأَجَابَ الْمَسَاكِينُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالُوا: ضَلُّوا عَنَّا: يَقُولُ: عَدَلُوا عَنَّا، فَأَخَذُوا غَيْرَ طَرِيقِنَا، وَتَرَكُونَا فِي هَذَا الْبَلَاءِ، بَلْ مَا ضَلُّوا عَنَّا، وَلَكِنَّا لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا شَيْئًا: أَيْ لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: 74] يَقُولُ: كَمَا أَضَلَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ضَلَّ عَنْهُمْ فِي جَهَنَّمَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ آلِهَتِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ، كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ عَنْهُ، وَعَنْ رَحْمَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَلَا يَرْحَمُهُمْ فَيُنَجِّيهِمْ مِنَ النَّارِ، وَلَا يُغِيثُهُمْ فَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: 76] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر: 75] هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا الْيَوْمَ بِكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ تَعْذِيبِنَاكُمُ الْعَذَابِ
الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ، بِفَرَحِكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَفْرَحُونَهُ فِي الدُّنْيَا، بِغَيْرِ مَا أُذِنَ لَكُمْ بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْمَعَاصِي، وَبِمَرَحِكُمْ فِيهَا، وَالْمَرَحُ: هُوَ الْأَشَرُ وَالْبَطَرُ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر: 75] إِلَى ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: 76] قَالَ: " الْفَرَحُ وَالْمَرَحُ: الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ، وَالْعَمَلُ فِي الْأَرْضِ بِالْخَطِيئَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الشِّرْكِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ لِقَارُونَ ": ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76] «وَذَلِكَ فِي الشِّرْكِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: 75] قَالَ: «تَبْطَرُونَ وَتَأْشَرُونَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: 75] قَالَ: «تَبْطَرُونَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمُ: ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ السَّبْعَةَ مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا جُزْءٌ مَقْسُومٌ مِنْكُمْ ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 72] يَقُولُ: فَبِئْسَ مَنْزِلُ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ، وَيُؤْمِنُوا بِرُسُلِهِ الْيَوْمَ جَهَنَّمُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: 77] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا يُجَادِلُكَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا عَلَيْكَ، وَعَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ، فَإِنَّ
اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكَ فِيهِمْ مَا وَعَدَكَ مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ، وَالْعُلُوِ عَلَيْهِمْ، وَإِحْلَالِ الْعِقَابِ بِهِمْ، كَسُنَّتِنَا فِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَمَنْ كَذَّبَهُ ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر: 77] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ فِي حَيَاتِكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنِّقْمَةِ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس: 46] قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ ذَلِكَ بِهِمْ ﴿فَإِلَيْنَا يَرْجِعُونَ﴾ [غافر: 77] يَقُولُ: فَإِلَيْنَا مَصِيرُكَ وَمَصِيرُهُمْ، فَنَحْكُمُ عِنْدَ ذَلِكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ بِتَخْلِيدِنَاهُمْ فِي النَّارِ، وَإِكْرَامِنَاكَ بِجِوَارِنَا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ