الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ، قَالَ: «الرَّاعِيَةُ الَّتِي تَرْعَى» حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «هِيَ الرَّاعِيَةُ، يَعْنِي السَّائِمَةَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ الْقَنَّادِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، يَقُولُ: «الرَّاعِيَةُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] قَالَ: «الرَّاعِيَةُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] «الْمُسَرَّحَةُ فِي الرَّعْيِ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] قَالَ: «الْخَيْلُ الرَّاعِيَةُ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الْخَيْلُ الرَّاعِيَةُ» وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَسْمُومَةُ: الْحِسَانُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " الْمُسَوَّمَةُ: الْمُطْهَمَةُ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] قَالَ: «الْمُطْهَمَةُ الْحِسَانُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] قَالَ: «الْمُطْهَمَةُ حُسْنًا» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «الْمُطْهَمَةُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنِ الْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ، قَالَ: «تَسْوِيمُهَا حُسْنُهَا»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: ﴿الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] قَالَ: «تَسْوِيمُهَا الْحُسْنُ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ﴾ [آل عمران: 14] «الرَّائِعَةُ» وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ غَيْرُ مُوسَى، قَالَ: «الرَّاعِيَةُ» . وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] الْمُعَلَّمَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] «يَعْنِي الْمُعَلَّمَةَ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] «وَسِيمَاهَا شِيَتُهَا»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] قَالَ: «شِيَةُ الْخَيْلِ فِي وُجُوهِهَا»
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: الْمُسَوَّمَةُ الْمُعَدَّةُ لِلْجِهَادِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] قَالَ: «الْمُعَدَّةُ لِلْجِهَادِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] الْمُعَلَّمَةُ بِالشِّيَاتِ الْحِسَانُ الرَّائِعَةُ حُسْنًا مَنْ رَآهَا؛ لِأَنَّ التَّسْوِيمَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْإِعْلَامُ فَالْخَيْلُ الْحِسَانُ مُعَلَّمَةٌ بِإِعْلَامِ إِيَّاهَا بِالْحَسَنِ مِنْ أَلْوَانِهَا وَشِيَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا، وَهِيَ الْمُطَهَّمَةُ أَيْضًا، وَمَنْ ذَلِكَ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ فِي صِفَةِ الْخَيْلِ: [البحر الوافر] بِسُمْرٍ كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَاتٍ ... عَلَيْهَا مَعْشَرٌ أَشْبَاهُ جِنٍّ يَعْنِي بِالْمُسَوَّمَاتِ الْمُعَلَّمَاتِ؛ وَقَوْلُ لَبِيدٍ: [البحر الكامل] وَغَدَاةَ قَاعِ الْقُرْنَتَيْنِ أَتَيْنَهُمْ ... زُجَلًا يَلُوحُ خِلَالَها التَّسْوِيمُ فَمَعْنَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ: الْمُطَهَّمَةُ وَالْمُعَلَّمَةُ، وَالرَّائِعَةُ وَاحِدٌ،
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى الرَّاعِيَةِ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: أَسَمْتُ الْمَاشِيَةَ فَأَنَا أُسِيمُهَا إِسَامَةً: إِذَا رَعَيْتُهَا الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10] بِمَعْنَى تَرْعَوْنَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ: [البحر الكامل] مِثْلِ ابْنِ بَزْعَةَ أَوْ كَآخَرَ مِثْلِهِ ... أَوْلَى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الْأَجْمَالِ يَعْنِي بِذَلِكَ رَاعِيَةَ الْأَجْمَالِ، فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّ الْمَاشِيَةَ هِيَ الَّتِي رَعَتْ، قِيلَ: سَامَتِ الْمَاشِيَةُ تَسُومُ سَوْمًا، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِبِلٌ سَائِمَةٌ، بِمَعْنَى رَاعِيَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِهِمْ سَوَّمْتُ الْمَاشِيَةَ، بِمَعْنَى أَرْعَيْتُهَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ إِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ: أَسَمْتُهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ الْمُسَوَّمَةِ إِلَى أَنَّهَا الْمُعَلَّمَةُ بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا أَصَحُّ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ مِنْ أَنَّهَا الْمُعَدَّةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَأْوِيلٌ مِنْ مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ بِمَعْزِلٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14] فَالْأَنْعَامُ جَمْعُ نَعْمٍ: وَهِيَ الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ، وَأَمَّا الْحَرْثُ: فَهُوَ الزَّرْعُ وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَمِنَ الْبَنِينَ، وَمِنْ كَذَا
وَمِنْ كَذَا، وَمِنَ الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ، وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ، فَكَنَّى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِهِنَّ، وَهَذَا يَدُلَّ عَلَى
أَنَّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي، وَيُكَنَّى بِهِ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14] فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا يَسْتَمْتِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُهَا أَحْيَاءً، فَيَتَبَلَّغُونَ بِهِ فِيهَا، وَيَجْعَلُونَهُ وَصِلَةً فِي مَعَايشِهِمْ، وَسَبَبًا لِقَضَاءِ شَهَوَاتِهِمُ الَّتِي زُيِّنَ لَهُمْ حُبُّهَا، فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ، دُونَ أَنْ يَكُونَ عُدَّةً لِمَعَادِهِمْ وَقُرْبَةً لَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، إِلَّا مَا أَسْلَكَ فِي سَبِيلِهِ وَأَنْفَقَ مِنْهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَعِنْدَ اللَّهِ حُسْنُ الْمَآبِ، يَعْنِي حُسْنَ الْمَرْجِعِ.
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14] يَقُولُ: «حُسْنُ الْمُنْقَلَبِ، وَهِيَ الْجَنَّةُ» وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى مِثَالِ «مَفْعَلٍ» مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: آبَ الرَّجُلُ إِلَيْنَا: إِذَا رَجَعَ، فَهُوَ يَئُوبُ إِيَابًا وَأَوْبَةً وَأَيْبَةً وَمَآبًا غَيْرَ أَنَّ مَوْضِعَ الْفَاءِ مِنْهَا مَهْمُوزٌ، وَالْعَيْنُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ
إِلَى الْأَلْفِ بِحَرَكَتِهَا إِلَى الْفَتْحِ، فَلَمَّا كَانَ حَظُّهَا الْحَرَكَةَ إِلَى الْفَتْحِ، وَكَانَتْ حَرَكَتُهَا مَنْقُولَةً إِلَى الْحَرْفِ الَّذِي قَبْلَهَا وَهُوَ فَاءُ الْفِعْلِ انْقَلَبَتْ فَصَارَتْ أَلْفًا، كَمَا قِيلَ: قَالَ: فَصَارَتْ عَيْنُ الْفِعْلِ أَلْفًا؛ لِأَنَّ حَظَّهَا الْفَتْحُ، وَالْمَآبُ مِثْلُ الْمَقَالِ وَالْمَعَادِ وَالْمَحَالِ، كُلُّ ذَلِكَ «مَفْعَلٌ» ، مَنْقُولَةٌ حَرَكَةُ عَيْنِهِ إِلَى فَائِهِ، فَتَصِيرُ وَاوُهُ أَوْ يَاؤُهُ أَلْفًا لِفَتْحَةِ مَا قَبْلَهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14] وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عِنْدَهُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ وَشَدِيدِ الْعِقَابِ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مَعْنًى بِهِ خَاصٌّ مِنَ النَّاسِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ، وَقَدْ أَنْبَأَنَا عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَإِنْ قَالَ: وَمَا حُسْنُ الْمَآبِ؟ قِيلَ: هُوَ مَا وَصَفَهُ بِهِ جَلَّ ثناؤُهُ، وَهُوَ الْمَرْجِعُ إِلَى جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ مُخَلَّدًا فِيهَا، وَإِلَى أَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ وَرِضْوَانٍ مِنَ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِلنَّاسِ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهُمْ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ
وَالْبَنِينَ، وَسَائِرِ مَا ذَكَرَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: 15] أَأُخْبِرُكُمْ وَأُعْلِمُكُمْ ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15] يَعْنِي بِخَيْرٍ وَأَفْضَلَ لَكُمْ ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15] يَعْنِي مِمَّا زُيِّنَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا حُبُّ شَهْوَتِهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَتَاعُ الدُّنْيَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَنَاهَى إِلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15] ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّا ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 15] فَقِيلَ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، فَلِذَلِكَ رَفَعَ «الْجَنَّاتِ» ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، لَمْ يُجِزْ فِي قَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتُهَا الْأَنْهَارَ﴾ [البقرة: 25] إِلَّا الرَّفْعَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَى قَوْلِهِ بِخَيْرٍ، فَيَكُونُ الْخَفْضُ فِيهِ جَائِزًا، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مُبْتَدَأٌ عِنْدَهُمْ، فَفِيهِ إِبَانَةٌ عَنْ مَعْنَى الْخَيْرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: أَؤُنَبِّئُكُمْ بِهِ؟ وَالْجَنَّاتُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَرْفُوعَةٌ بِاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 15] وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بِنَحْو مِنْ هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ جُعِلَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ «لِلَّذِينَ» مِنْ صِلَةِ الْإِنْبَاءِ جَازَ فِي الْجَنَّاتِ الْخَفْضُ وَالرَّفْعُ: الْخَفْضُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى «الْخَيْرِ» ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [آل عمران: 15] خَبَرَ مُبْتَدَأٍ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مُنْتَهَى الِاسْتِفْهَامِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62] ثُمَّ ابْتَدَأَ: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] وَقَالُوا: تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ؟ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ، ثُمَّ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَاذَا لَهُمْ؟ أَوْ مَا ذَاكَ؟ أَوْ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ: مَاذَا لَهُمْ؟ أَوْ مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: هُوَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ الْآيَةَ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ الِاسْتِفْهَامَ مُتَنَاهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15] وَالْخَبَرُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ عَمَّنْ لَهُ الْجَنَّاتُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ [آل عمران: 15] فَيَكُونُ مَخْرَجُ ذَلِكَ مَخْرَجُ الْخَبَرِ، وَهُوَ إِبَانَةٌ عَنْ مَعْنَى الْخَيْرِ الَّذِي قَالَ: أُنَبِّئُكُمْ بِهِ؟ فَلَا يَكُونُ بِالْكَلَامِ حِينَئِذٍ حَاجَةٌ إِلَى ضَمْيرٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] فَمَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ؛ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [آل عمران: 15] لِلَّذِينَ خَافُوا اللَّهَ فَأَطَاعُوهُ، بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62] يَعْنِي بِذَلِكَ: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَالْجَنَّاتُ: الْبَسَاتِينُ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالشَّوَاهِدِ فِيمَا مَضَى، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَعْنِي بِهِ: مِنْ تَحْتِ الْأَشْجَارِ، وَأَنَّ الْخُلُودَ فِيهَا دَوَامُ الْبَقَاءِ فِيهَا، وَأَنَّ الْأَزْوَاجَ الْمُطَهَّرَةَ هُنَّ نِسَاءُ الْجَنَّةِ اللَّوَاتِي طُهِّرْنَ مِنْ كُلِّ أَذًى يَكُونُ بِنِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَالنِّفَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى، بِمَا أَغْنَى مِنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 15] يَعْنِي وَرِضَا اللَّهِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْ فُلَانٍ، فَهُوَ يَرْضَى عَنْهُ رِضًا «مَنْقُوصٌ» وَرُضْوَانًا وَرُضْوَانًا وَمَرْضَاةً، فَأَمَّا الرُّضْوَانُ بِضَمِّ الرَّاءِ فَهُوَ لُغَةُ قَيْسٍ، وَبِهِ كَانَ عَاصِمٌ يَقْرَأُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ فِيمَا ذَكَرَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ رِضْوَانَهُ؛ لِأَنَّ رِضْوَانَهُ أَعْلَى مَنَازِلِ كَرَامَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثني أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: أَيْ رَبَّنَا، أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ «رِضْوَانِي» وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15] يَعْنِي بِذَلِكَ وَاللَّهُ ذُو بَصَرٍ بِالَّذِي يَتَّقِيهِ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَخَافُهُ فَيُطِيعُهُ، وَيُؤْثِرُ مَا عِنْدَهُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِلَّذِينَ اتَّقَوْهُ عَلَى حُبِّ مَا زُيِّنَ لَهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَسَائِرِ مَا عَدَّدَ مِنْهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَبِالَّذِي لَا يَتَّقِيهِ فَيَخَافُهُ، وَلَكِنَّهُ يَعْصِيهِ، وَيُطِيعُ الشَّيْطَانَ، وَيُؤْثِرُ مَا زُيِّنَ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُبِّ شَهْوَةِ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْأَمْوَالِ، عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، عَالِمٌ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلَّهُمْ عِنْدَ مَعَادِهِمْ إِلَيْهِ جَزَاءَهُمْ، الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 16] وَمَعْنَى ذَلِكَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ؟ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا، فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ «الَّذِينَ يَقُولُونَ» وَجْهَيْنِ مِنَ الْإِعْرَابِ: الْخَفْضُ
عَلَى الرَّدِّ
عَلَى «الَّذِينَ» الْأُولَى، وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، إِذْ كَانَ فِي مُبْتَدَأَ آيَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الَّتِي فِيهَا «الَّذِينَ» الْأُولَى، فَيَكُونُ رَفْعُهَا نَظِيرَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: 111] ثُمَّ قَالَ فِي مُبْتَدَأِ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112] وَلَوْ كَانَ جَاءَ ذَلِكَ مَخْفُوضًا كَانَ جَائِزًا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 16] الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّنَا صَدَّقْنَا بِكَ وَبِنَبِيِّكَ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدَكِ ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 16] يَقُولُ: فَاسْتُرْ عَلَيْنَا بِعَفْوِكَ عَنْهَا وَتَرْكِكَ عُقُوبَتَنَا عَلَيْهَا ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] ادْفَعْ عَنَّا عَذَابَكَ إِيَّانَا بِالنَّارِ أَنْ تُعَذِّبَنَا بِهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تُعَذِّبْنَا يَا رَبَّنَا بِالنَّارِ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ يَقِيَهُمْ عَذَابَ النَّارِ؛ لِأَنَّ مَنْ زُحْزِحَ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّارِ فَقَدْ فَازَ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَحُسْنِ مَآبِهِ، وَأَصْلُ قَوْلِهِ ﴿ «قِنَا» ﴾ [البقرة: 201] مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَقَى اللَّهُ فُلَانًا كَذَا، يُرَادُ بِهِ: دَفَعَ عَنْهُ فَهُوَ يَقِيهِ، فَإِذَا سَأَلَ بِذَلِكَ سَائِلٌ قَالَ: قِنِي كَذَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153] الَّذِينَ صَبَرُوا فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، وَيَعْنِي بِالصَّادِقِينَ: الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ فِي قَوْلِهِمْ بِتَحْقِيقِهِمُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ بِالْعَمَلِ
بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ، وَيَعْنِي بِالْقَانِتِينَ الْمُطِيعِينَ لَهُ وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْإِبَانَةِ عَنْ كُلِّ هَذِهِ
الْحُرُوفِ وَمَعَانِيهَا بِالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِيهَا، وَبِالْإِخْبَارِ عَمَّنْ قَالَ فِيهَا قَوْلًا فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَدْ كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا: حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾ [آل عمران: 17] : " الصَّادِقِينَ: قَوْمٌ صَدَقَتْ أَفْوَاهُهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، وَصَدَقُوا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالصَّابِرِينَ: قَوْمٌ صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَبَرُوا عَنْ مَحَارِمِهِ، وَالْقَانِتِينَ: هُمُ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ " وَأَمَّا الْمُنْفِقُونَ: فَهُمُ الْمُؤْتُونَ زَكَوَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَوَاضِعُوهَا عَلَى مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِإِتْيَانِهَا، وَالْمُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ جَلَّ ثناؤُهُ بِإِنْفَاقِهَا فِيهَا، وَأَمَّا ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: 17] وَسَائِرُ هَذِهِ الْحُرُوفِ فَمَخْفُوضٌ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران: 16] وَالْخَفْضُ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: 16] خُفُضَ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 15]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ هَذِهِ الصُّفَّةُ صِفَتُهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمُصَلُّونَ بِالْأَسْحَارِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17] «هُمْ أَهْلُ الصَّلَاةِ»