تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 360-371

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَقْرَبُ رَحْمَةً بِوَالِدَيْهِ وَأَبَرُّ بِهِمَا مِنَ الْمَقْتُولِ

صفحات 360-371
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81] أَبَرُّ بِوَالِدَيْهِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81] أَيْ أَقْرَبَ خَيْرًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَقْرَبُ أَنْ يَرْحَمَهُ أَبَوَاهُ مِنْهُمَا لِلْمَقْتُولِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ

، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81] أَرْحَمُ بِهِ مِنْهُمَا بِالَّذِي قَتَلَ الْخَضِرَ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ: وَأَقْرَبُ أَنْ يَرْحَمَاهُ، وَالرَّحِمُ: مَصْدَرُ رَحِمْتَ، يُقَالُ: رَحِمْتُهُ رَحْمَةً وَرُحْمًا.
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ: مِنَ الرَّحِمِ وَالْقَرَابَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ: رُحْمٌ وَرُحُمٌ مِثْلُ عُسْرٍ وَعُسُرٍ، وَهُلْكٍ وَهُلُكٍ، وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] وَلَمْ تُعَوَّجْ رُحْمُ مَنْ تَعَوَّجَا وَلَا وَجْهَ لِلرَّحِمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
لِأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ الَّذِي أَبْدَلَ اللَّهُ مِنْهُ وَالِدَيْهِ وَلَدًا لِأَبَوَيِ الْمَقْتُولِ، فَقَرَابَتُهُمَا مِنْ وَالِدَيْهِ، وَقُرْبُهُمَا مِنْهُ فِي الرَّحِمِ سَوَاءٌ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَقْرَبُ مِنَ الْمَقْتُولِ أَنْ يَرْحَمَ وَالِدَيْهِ فَيَبَرُّهُمَا كَمَا قَالَ قَتَادَةُ.
وَقَدْ يَتَوَجَّهُ الْكَلَامُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ.
وَأَقْرَبُ أَنْ يَرْحَمَاهُ، غَيْرَ أَنَّهُ

لَا قَائِلَ مِنْ أَهْلِ تَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ.
فَإِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَائِلٌ، فَالصَّوَابُ فِيهِ مَا قُلْنَا لِمَا بَيَّنَّا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ مُوسَى:

وَأَمَّا الْحَائِطُ الَّذِي أَقَمْتُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا.
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْكَنْزِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ صُحُفًا فِيهَا عِلْمٌ مَدْفُونَةً

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: كَانَ تَحْتَهُ كَنْزُ عِلْمٍ

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: كَانَ كَنْزَ عِلْمٍ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: عِلْمٌ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] " قَالَ: عِلْمٌ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: صُحُفٌ لِغُلَامَيْنِ فِيهَا عِلْمٌ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صُحُفُ عِلْمٍ

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: ثنا هَنَّادَةُ ابْنَةُ مَالِكٍ الشَّيْبَانِيَّةُ، قَالَتْ: سَمِعْتُ صَاحِبِي حَمَّادَ بْنَ الْوَلِيدِ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ سَطْرَانِ وَنِصْفٌ، لَمْ يَتِمَّ الثَّالِثُ: «عَجِبْتُ لِلْمُوقِنِ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ وَعَجِبْتُ لِلْمُوقِنِ بِالْحِسَابِ كَيْفَ يَغْفُلُ وَعَجِبْتُ لِلْمُوقِنِ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ» وَقَدْ قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلِ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47] قَالَتْ: وَذُكِرَ أَنَّهُمَا حُفِظَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا، وَلَمْ يُذْكَرْ مِنْهُمَا صَلَاحٌ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبِ الَّذِي حُفِظَا بِهِ سَبْعَةُ آبَاءٍ، كَانَ نَسَّاجًا

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ نُدْبَةَ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ

مُحَمَّدٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْعَنْبَرِيِّ، وَكَانَ مِنْ جُلَسَاءِ الْحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ كَيْفَ يَحْزَنُ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ وَعَجِبتُ لِمَنْ يَعْرِفُ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا، كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كَانَ الْكَنْزُ إِلَّا عِلْمًا

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: صُحُفٌ مِنْ عِلْمٍ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَرَ، مَوْلَى غُفْرَةَ، قَالَ: إِنَّ الْكَنْزَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْكَهْفُ ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ مُصْمَتٍ، مَكْتُوبًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: عَجَبٌ مِمَّنْ عَرَفَ الْمَوْتَ ثُمَّ ضَحِكَ، عَجَبٌ مِمَّنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ نَصَبَ، عَجَبٌ مِمَّنْ أَيْقَنَّ بِالْمَوْتِ ثُمَّ أَمِنَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ

مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ مَالًا مَكْنُوزًا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: كَنْزُ مَالٍ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ، قَالَ شُعْبَةُ: وَلَمْ نَسْمَعُهُ مِنْهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: مَالٌ لَهُمَا

قَالَ قَتَادَةُ: أُحِلَّ الْكَنْزُ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَحُرِّمَ عَلَيْنَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ، وَهِيَ السُّنَنُ وَالْفَرَائِضُ، وَيُحِلُّ لِأُمَّةٍ، وَيُحَرِّمُ عَلَى أُخْرَى، لَكِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَضَى إِلَّا الْإِخْلَاصَ وَالتَّوْحِيدِ لَهُ

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الْكَنْزَ اسْمٌ لِمَا يُكْنَزُ مِنْ مَالٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا كُنِزَ فَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كَنْزٍ، فَإِنَّ التَّأْوِيلَ مَصْرُوفٌ إِلَى الْأَغْلَبِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُخَاطَبِينَ بِالتَّنْزِيلِ، مَا لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ يَجِبُ مِنْ أَجْلِهِ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لِعِلَلٍ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشَدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82] يَقُولُ: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يُدْرِكَا وَيَبْلُغَا قُوَّتَهُمَا وَشِدَّتَهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا حِينَئِذٍ كَنْزَهُمَا الْمَكْنُوزَ تَحْتَ الْجِدَارِ الَّذِي أَقَمْتَهُ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ بِهِمَا، يَقُولُ: فَعَلْتُ فِعْلَ هَذَا بِالْجِدَارِ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِلْيَتِيمَيْنِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا:

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82] قَالَ: حُفِظَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا، وَمَا ذُكِرَ مِنْهُمَا صَلَاحٌ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِمِثْلِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82] يَقُولُ: وَمَا فَعَلْتُ يَا مُوسَى جَمِيعَ الَّذِي رَأَيْتَنِي فَعَلْتُهُ عَنْ رَأْيِي وَمِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَإِنَّمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّايَ بِهِ،

كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي،﴾ [الكهف: 82] كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا، فَمَضَى لِأَمْرِ اللَّهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82] مَا رَأَيْتُ أَجْمَعَ مَا فَعَلْتُهُ عَنْ نَفْسِي

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82] يَقُولُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا فَعَلْتُ الْأَفْعَالَ الَّتِي اسْتَنْكَرْتَهَا مِنِّي، تَأْوِيلٌ.
يَقُولُ: مَا تَئُولُ إِلَيْهِ وَتَرْجِعُ الْأَفْعَالُ الَّتِي لَمْ تَسْطِعْ عَلَى تَرْكِ مَسْأَلَتِكَ إِيَّايَ عَنْهَا، وَإِنْكَارِكَ لَهَا صَبْرًا.
وَهَذِهِ الْقِصَصُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ

وَجَلَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَنْ مُوسَى وَصَاحِبِهِ، تَأْدِيبٌ مِنْهُ لَهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِتَرْكِ الِاسْتِعْجَالِ بِعُقُوبَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ وَبِكِتَابِهِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُ أَنَّ أَفْعَالُهُ بِهِمْ وَإِنْ جَرَتْ فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ بِمَا قَدْ يَجْرِي مِثْلُهُ أَحْيَانًا لِأَوْلِيَائِهِ، فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ صَائِرٌ بِهِمْ إِلَى أَحْوَالِ أَعْدَائِهِ فِيهَا، كَمَا كَانَتْ أَفْعَالُ صَاحِبِ مُوسَى وَاقِعَةً بِخِلَافِ الصِّحَّةِ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ مُوسَى، إِذْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِعَوَاقِبِهَا، وَهِيَ مَاضِيَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَآئِلَةٌ إِلَى الصَّوَابِ فِي الْعَاقِبَةِ، يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: 58] ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسَى وَصَاحِبِهِ، يُعَلِّمُ نَبِيَّهُ أَنَّ تَرْكَهُ جَلَّ جَلَالُهُ تَعْجِيلَ الْعَذَابِ لِهَؤُلَاءِ

الْمُشْرِكِينَ، بِغَيْرِ نَظَرٍ مِنْهُ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَحْسِبُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا اللَّهُ مُدْبِرٌ فِيهِمْ، نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ، لِأَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ صَائِرٌ إِلَى هَلَاكِهِمْ وَبَوَارِهِمْ بِالسَّيْفِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتِحْقَاقِهِمْ مِنَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ الْخِزْيَ الدَّائِمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيَسْأَلُكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَا كَانَ شَأْنُهُ؟ وَمَا كَانَتْ قِصَّتُهُ؟

فَقُلْ لَهُمْ: سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْ خَبَرِهِ ذِكْرًا يَقُولُ: سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ مِنْهُ خَبَرًا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ كَانُوا مُشْرِكِي قَوْمِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

فَحَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ شَيْخَيْنِ، مِنْ نَجِيبٍ، قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَتَحَدَّثُ، قَالَا: فَأَتَيَاهُ فَقَالَا: جِئْنَا لِتُحَدِّثَنَا، فَقَالَ: كُنْتُ يَوْمًا أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَنِي قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَ

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «مَا لِي وَمَا لَهُمْ، مَا لِي عِلْمٌ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ» ثُمَّ قَالَ: «اسْكُبْ لِي مَاءً» فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، قَالَ: فَمَا فَرَغَ حَتَّى عَرَفْتُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ، وَمَنْ رَأَيْتَ مِنْ أَصْحَابِي» فَدَخَلُوا فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُمْ فَأَخْبَرْتُكُمْ عَمَّا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ مَكْتُوبًا، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ» ، قَالُوا: بَلَى أَخْبِرْنَا، قَالَ: " جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَمَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ: كَانَ شَابًّا مِنَ الرُّومِ، فَجَاءَ فَبَنَى مَدِينَةَ مِصْرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَهُ مَلَكٌ فَعَلَا بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ لَهُ مَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى مَدِينَتِي وَمَدَائِنَ، ثُمَّ عَلَا بِهِ، فَقَالَ: مَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى مَدِينَتِي، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَقَالَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى الْأَرْضَ، قَالَ: فَهَذَا الْيَمُّ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا، إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكَ تُعَلِّمُ الْجَاهِلَ، وَتُثَبِّتُ الْعَالِمَ، فَأَتَى بِهِ السَّدَّ، وَهُوَ جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَزْلِقُ عَنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى جَاوَزَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ مَضَى بِهِ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى، وُجُوهُهُمْ وُجُوهُ الْكِلَابِ يُقَاتِلُونَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى قَطَعَ بِهِ أُمَّةً أُخْرَى يُقَاتِلُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُجُوهَهُمْ وُجُوهُ الْكِلَابِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَطَعَ بِهِ هَؤُلَاءِ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى قَدْ سَمَّاهُمْ "

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ قِيلَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ: ذُو الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ أُحْيِيَ فَضَرَبَ عَلَى الْقَرْنِ الْآخَرِ فَهَلَكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَلِيًّا عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: هُوَ عَبْدٌ أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ، وَنَاصَحَ اللَّهَ فَنَصَحَهُ، فَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَمَاتَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: كَانَ عَبْدًا نَاصَحَ اللَّهَ فَنَاصَحَهُ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَمَاتَ، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَمَاتَ، فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا وَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيًّا كَانَ؟ قَالَ: كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ، وَنَاصَحَ اللَّهَ فَنَصَحَهُ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ، فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ فِي رَأْسِهِ، فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ.
وَفِيكُمُ الْيَوْمَ مِثْلُهُ وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا:

حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: ثنا

جارٍ التحميل