تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 16] يَقُولُ: ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 16] يَقُولُ: ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثني سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ قَالَ: «بَيْنَمَا شَجَرُ الْقَوْمِ خَيْرُ الشَّجَرِ، إِذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِنْ شَرِّ الشَّجَرِ بِأَعْمَالِهِمْ»

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ [سبأ: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ سَبَأٍ مِنْ إِرْسَالِنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، حَتَّى هَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَخَرِبَتْ جَنَّاتُهُمْ، جَزَاءً مِنَّا عَلَى كُفْرِهِمْ بِنَا، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: 146] فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ جَزَيْنَاهُمْ عَلَيْهِ؛ وَمَعْنَى

الْكَلَامِ: جَزَيْنَاهُمْ ذَلِكَ بِمَا كَفَرُوا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (وَهَلْ يُجَازَى) بِالْيَاءِ وَبِفَتْحِ الزَّايِ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ إِلَّا الْكَفُورُ، رَفَعَا، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ [سبأ: 17] بِالنُّونِ وَبِكَسْرِ الزَّايِ ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾

[سبأ: 17] بِالنَّصْبِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَذَلِكَ كَافَأْنَاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورَ لِنِعْمَةِ اللَّهِ؟

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَمَا يَجْزِي اللَّهُ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، فَيَخُصُّ أَهْلَ الْكُفْرِ بِالْجَزَاءِ؟ فَيُقَالُ: وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكُفُورَ؟ قِيلَ: إِنَّ الْمُجَازَاةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُكَافَأَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَعَدَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ التَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ بِالْوَاحِدَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنَ التَّضْعِيفِ، وَوَعَدَ الْمُسِيءَ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَجْعَلَ بِالْوَاحِدَةِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ مِثْلَهَا مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى جُرْمِهِ، وَالْمُكَافَأَةُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَالْكُفْرِ، وَالْجَزَاءُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ مَعَ التَّفَضُّلِ، فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكُفُورُ؟ كَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَا يُجَازَى: لَا يُكَافَأُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْكَفُورَ، إِذَا كَانَتِ الْمُكَافَأَةُ مِثْلَ الْمُكَافَأِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُ مِنْ ذُنُوبِهِ شَيْئًا، وَلَا يُمَحَّصُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ عَلَى مَا وَصَفْتُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ [سبأ: 17] «نُعَاقِبُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكُفُورَ﴾ [سبأ: 17] " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ كَرَامَةً تَقَبَّلَ حَسَنَاتِهِ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ هَوَانًا أَمْسَكَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ حَتَّى يُوَافَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا بَيْنَمَا هُوَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا مَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ، فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، حَتَّى أَتَى عَلَى حَائِطٍ، فَشَّجَ وَجْهَهُ، فَأَتَى نَبِيُّ اللَّهِ وَوَجْهُهُ يَسِيلُ دَمًا، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ كَرَامَةً، عَجَلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ هَوَانًا أَمْسَكَ عَلَيْهِ ذَنْبَهُ حَتَّى يُوَافَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُ عَبَرَ أَبْتَرَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً، وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ، سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ نِعْمَتِهِ الَّتِي كَانَ أَنْعَمَهَا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَ بَلَدِهِمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا

فِيهَا وَهِيَ الشَّامُ، قُرًى ظَاهِرَةً وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي

الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبَى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: 18] قَالَ: «الشَّامُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: 18] «يَعْنِي الشَّامَ»

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: 18] قَالَ: «الشَّامُ» وَقِيلَ: عُنِيَ بِالْقُرَى الَّتِي بُورِكَ فِيهَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] قَالَ: الْأَرْضُ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا: هِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ "

جارٍ التحميل