تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18] يَقُولُ: وَإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُ جَمِيعِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18] يَقُولُ: وَإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُ جَمِيعِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ.

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَعْلَمُ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَا فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ خَافِيَةٌ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ أَيُّهَا النَّاسُ بَيْنَكُمْ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَمَا

تُعْلِنُونَ مِنْ ذَلِكَ فَتُظْهِرُونَهُ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِضَمَائِرِ صُدُورِ عِبَادِهِ، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُهُمُ، الَّذِي هُوَ أَخْفَى مِنَ السِّرِّ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ: احْذَرُوا أَنْ تُسِرُّوا غَيْرَ الَّذِي تُعْلِنُونَ، أَوْ تُضْمِرُوا فِي أَنْفُسِكُمْ غَيْرَ مَا تُبْدُونَهُ، فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ مُحْصٍ جَمِيعَهُ، وَحَافِظٌ عَلَيْكُمْ كُلَّهُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ خَبَرُ الَّذِينَ

كَفَرُوا مِنْ قَبْلِكُمْ، وَذَلِكَ كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٍ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِ لُوطٍ.
﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [التغابن: 5] فَمَسَّهُمْ عَذَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 10] يَقُولُ: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، مَعَ الَّذِي أَذَاقَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَبَالَ كُفْرِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [التغابن: 6] يَقُولُ: جَلَّ ثَنَاؤُهُ: هَذَا الَّذِي نَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ وَبَالِ كُفْرِهِمْ، وَالَّذِي أَعَدَّ لَهُمْ رَبُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الَّذِي أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِالْوَاضِحَاتِ مِنَ الْأَدِلَّةِ

وَالْإِعْلَامِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُمْ: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟ اسْتِكْبَارًا مِنْهُمْ أَنْ تَكُونَ رُسُلُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهُمْ وَاسْتِكْبَارًا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَشَرًا مِثْلَهُمْ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ؛ وَجَمَعَ الْخَبَرَ عَنِ الْبَشَرِ، فَقِيلَ: يَهْدُونَنَا، وَلَمْ يَقُلْ: يَهْدِينَا، لِأَنَّ الْبَشَرَ، وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: 6] يَقُولُ: فَكَفَرُوا بِاللَّهِ، وَجَحَدُوا رِسَالَةَ رُسُلِهِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ اسْتِكْبَارًا ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ [التوبة: 76] يَقُولُ: وَأَدْبَرُوا عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ رُسُلُهُمْ.
﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن: 6] يَقُولُ: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُمْ، وَعَنْ إِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِرُسُلِهِ، وَلَمْ تَكُنْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ

مِنْهُمْ حَاجَةٌ.
﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حُمَيْدٌ﴾ [التغابن: 6] يَقُولُ: وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ بِجَمِيلِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ، وَكَرِيمِ فِعَالِهِ فِيهِمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أَنْ لَنْ يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ.

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: زَعَمَ: كُنْيَةُ الْكَذِبِ.
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ مِنْ قُبُورِكُمْ ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: 7] يَقُولُ: ثُمَّ لَتُخْبَرُنَّ بِأَعْمَالِكُمُ الَّتِي عَمِلْتُمُوهَا فِي الدُّنْيَا ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7] يَقُولُ: وَبَعْثُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ عَلَى اللَّهِ سَهْلٌ هَيِّنٌ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَصَدِّقُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ، وَبِإِخْبَارِهِ إِيَّاكُمْ أَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ، وَأَنَّكُمْ مِنْ بَعْدِ بَلَائِكُمْ تُنْشَرُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ، ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: 8] يَقُولُ: وَآمِنُوا بِالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ بِأَعْمَالِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ذُو خِبْرَةٍ مُحِيطٌ بِهَا، مُحْصٍ جَمِيعَهَا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِهَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التغابن: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: 9] الْخَلَائِقَ لِلْعَرْضِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: 9] يَقُولُ: الْجَمْعُ يَوْمَ غَبْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: 9] قَالَ: هُوَ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: 9] هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ التَّغَابُنِ: يَوْمَ غَبْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: 9] مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ وَحَذَّرَهُ عِبَادَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [التغابن: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يُصَدِّقْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ بِطَاعَتِهِ، وَيَنْتَهِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن: 9] يَقُولُ: يَمْحُ

عَنْهُ ذُنُوبَهُ ﴿وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: 9] يَقُولُ: وَيُدْخِلْهُ بَسَاتِينَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ.

جارٍ التحميل