الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
عَنْهُمْ فِيهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6] نِعَمَهُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى آبَائِهِمُ الَّتِي عَظُمَتْ مِنْهُمْ مَوَاقِعُهَا، ثُمَّ سَلَبَ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَثِيرًا مِنْهَا بِمَا رَكِبُوا مِنَ الْآثَامِ وَاجْتَرَمُوا مِنَ الْإِجْرَامِ وَخَالَفُوا مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، يُحَذِّرُهُمْ بِذَلِكَ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لَهُمْ كَالَّتِي عَجَّلَهَا لِلْأَسْلَافِ وَالْأَفْرَاطِ قَبْلَهُمْ، وَيُخَوِّفُهُمْ حُلُولَ مَثُلَاتِهِ بِسَاحَتِهِمْ كَالَّذِي أَحَلَّ بِأَوَّلِيهِمْ، وَيُعَرِّفُهُمْ مَا لَهُمْ مِنَ النَّجَاةِ فِي سُرْعَةِ الْأَوْبَةِ إِلَيْهِ وَتَعْجِيلِ التَّوْبَةِ مِنَ الْخَلَاصِ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعِقَابِ.
فَبَدَأَ بَعْدَ تَعْدِيدِهِ عَلَيْهِمْ مَا عَدَّدَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي هُمْ فِيهَا مُقِيمُونَ بِذِكْرِ أَبِينَا وَأَبِيهِمْ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ كَرَامَتِهِ إِلَيْهِ وَآلَائِهِ لَدَيْهِ، وَمَا أَحَلَّ بِهِ وَبِعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ مِنْ عَاجِلِ عُقُوبَتِهِ بِمَعْصِيَتِهِمَا الَّتِي كَانَتْ مِنْهُمَا، وَمُخَالَفَتِهِمَا أَمْرَهُ الَّذِي أَمَرَهُمَا بِهِ وَمَا كَانَ مِنْ تَغَمُّدِهِ آدَمَ بِرَحْمَتِهِ إِذْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْ إِحْلَالِهِ بِإِبْلِيسَ مِنْ لَعْنَتِهِ فِي الْعَاجِلِ، وَإِعْدَادِهِ لَهُ مَا أَعَدَّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ فِي الْآجِلِ إِذِ اسْتَكْبَرَ وَأَبَى التَّوْبَةَ إِلَيْهِ وَالْإِنَابَةَ، مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى حُكْمِهِ فِي الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ، وَقَضَائِهِ فِي الْمُسْتَكبِرِينَ عَنِ الْإِنَابَةِ، إِعْذَارًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ وَإِنْذَارًا لَهُمْ، لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ مِنْهُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ.
وَخَاصًّا أَهْلُ الْكِتَابِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ قَصَصِ آدَمَ وَسَائِرِ الْقَصَصِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَعَهَا وَبَعْدَهَا مِمَّا عَلِمَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَجَهِلَتْهُ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ مِنْ مُشْرِكِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، بِالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِيَعْلَمُوا بِإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ مَبْعُوثٌ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْدِهِ، إِذْ كَانَ مَا اقْتَصَّ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْقَصَصِ مِنْ مَكْنُونِ
عُلُومِهِمْ، وَمَصُونِ مَا فِي كُتُبِهِمْ، وَخَفِيِّ أُمُورِهِمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ عِلْمِهَا غَيْرُهُمْ وَغَيْرُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَقَرَأَ كُتُبَهُمْ.
وَكَانَ مَعْلُومًا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ كَاتِبًا وَلَا لِأَسْفَارِهِمْ تَالِيًا، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مُصَاحِبًا وَلَا مُجَالِسًا، فَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي تَعْدِيدِهِ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ مِنْ نِعَمِهِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ وَتَرْكِهِمْ شُكْرَهُ عَلَيْهَا مِمَّا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْأَرْضَ وَجَمِيعَ مَا فِيهَا لِبَنِي آدَمَ مَنَافِعُ.
أَمَّا فِي الدِّينِ فَدَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَعَاشٌ وَبَلَاغٌ لَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وَقَوْلُهُ: هُو مَكْنِيٌّ مِنِ اسْمِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، عَائِدٌ عَلَى اسْمِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28] وَمَعْنَى خَلْقِهِ مَا خَلَقَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنْشَاؤُهُ عَيْنَهُ، وَإِخْرَاجُهُ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.
وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَقَدْ كُنْتُمْ نُطَفًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ بَشَرًا أَحْيَاءً، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ هُوَ مُحْيِيكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَاعِثُكُمْ يَوْمَ الْحَشْرِ لِلثَّوَابِ
وَالْعِقَابِ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ عَلَيْكُمْ بِمَا خَلَقَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَعَايِشِكُمْ وَأَدِّلَتِكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّكُمْ.
وَكَيْفَ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّوْبِيخِ لَا بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَيْحَكُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26] وَحَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] مَحَلَّ الْحَالِ، وَفِيهِ إِضْمَارُ قَدْ، وَلَكِنَّهَا حُذِفَتْ لِمَا فِي الْكَلَامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ فَعَلَ إِذَا حَلَّتْ مَحَلَّ الْحَالِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ قَدْ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهمُ﴾ بِمَعْنَى: قَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ وَكَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَصْبَحْتَ كَثُرَتْ مَاشِيَتُكَ، تُرِيدُ: قَدْ كَثُرَتْ مَاشِيَتُكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] نَعَمْ وَاللَّهِ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، أَقْبَلَ عَلَيْهَا، كَمَا تَقُولُ: كَانَ فُلَانٌ مُقْبِلًا عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيَّ يُشَاتِمُنِي وَاسْتَوَى إِلَيَّ يُشَاتِمُنِي، بِمَعْنَى:
أَقْبَلَ عَلَيَّ وَإِلَيَّ
يُشَاتِمُنِي.
وَاسْتَشْهَدَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِوَاءَ بِمَعْنَى الْإِقْبَالِ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
أَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَى ... سَوَامِدَ وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضُّجُوعِ
فَزَعَمَ أَنَّهُ عَنَى بِهِ أَنَّهُنَّ خَرَجْنَ مِنَ الضُّجُوعِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْنَى أَقْبَلْنَ.
وَهَذَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْبَيْتِ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضُّجُوعِ عِنْدِي: اسْتَوَيْنَ عَلَى الطَّرِيقِ مِنَ الضُّجُوعِ خَارِجَاتٍ، بِمَعْنَى اسْتَقَمْنَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِتَحَوُّلٍ، وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى فِعْلِهِ، كَمَا تَقُولُ: كَانَ الْخَلِيفَةُ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ يُوَالِيهِمْ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الشَّامِ، إِنَّمَا يُرِيدُ تَحَوُّلَ فِعْلِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] يَعْنِي بِهِ: اسْتَوَتْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى فِي تُرَابِهِ ... عَلَى أَيِّ دِينٍ قَتَّلَ النَّاسَ مُصْعَبُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] عَمَدَ إِلَيْهَا.
وَقَالَ: بَلْ كُلُّ تَارِكٍ عَمَلًا كَانَ فِيهِ إِلَى آخِرِهِ فَهُوَ مُسْتَوٍ لِمَا عَمَدَ وَمُسْتَوٍ إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِوَاءُ: هُوَ الْعُلُوُّ، وَالْعُلُوُّ: هُوَ الِارْتِفَاعُ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ
حُدِّثْتُ بِذَلِكَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] يَقُولُ: ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ " ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو الِاسْتِوَاءِ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ فِي الَّذِي اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِي اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَعَلَا عَلَيْهَا: هُوَ خَالِقُهَا وَمُنْشِؤُهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ الْعَالِي إِلَيْهَا الدُّخَانُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْأَرْضِ سَمَاءً.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الِاسْتِوَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُنْصَرِفٌ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا انْتِهَاءُ شَبَابِ الرَّجُلِ وَقُوَّتِهِ، فَيُقَالُ إِذَا صَارَ كَذَلِكَ: قَدِ اسْتَوَى الرَّجُلُ، وَمِنْهَا اسْتِقَامَةُ مَا كَانَ فِيهِ أَوَدٌ مِنَ الْأُمُورِ وَالْأَسْبَابِ، يُقَالُ مِنْهُ: اسْتَوَى لِفُلَانٍ أَمْرُهُ: إِذَا اسْتَقَامَ لَهُ بَعْدَ أَوَدٍ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ:
[البحر المنسرح]
طَالَ عَلَى رَسْمٍ مَهْدَدٍ أَبَدُهُ ... وَعَفَا وَاسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ
يَعْنِي: اسْتَقَامَ بِهِ.
وَمِنْهَا الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْفِعْلِ، كَمَا يُقَالُ: اسْتَوَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ بِمَا يَكْرَهُهُ وَيَسُوءُهُ بَعْدَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.
وَمِنْهَا الِاحْتِيَازُ وَالِاسْتِيلَاءُ كَقَوْلِهِمُ: اسْتَوَى فُلَانٌ عَلَى الْمَمْلَكَةِ، بِمَعْنَى احْتَوَى عَلَيْهَا وَحَازَهَا.
وَمِنْهَا الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: اسْتَوَى فُلَانٌ عَلَى سَرِيرِهِ، يَعْنِي بِهِ عُلُوَّهُ عَلَيْهِ.
وَأَوْلَى الْمَعَانِي بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: 29] عَلَا عَلَيْهِنَّ وَارْتَفَعَ فَدَبَّرَهُنَّ بِقُدْرَتِهِ وَخَلَقَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ.
وَالْعَجَبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ هَرَبًا عِنْدَ نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُلْزِمَهُ بِزَعْمِهِ إِذَا تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَاهُ الْمُفْهِمِ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا عَلَا وَارْتَفَعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ تَحْتَهَا، إِلَى أَنْ تَأَوَّلَهُ بِالْمَجْهُولِ مِنْ تَأْوِيلِهِ الْمُسْتَنْكَرِ، ثُمَّ لَمْ يَنْجُ مِمَّا هَرَبَ مِنْهُ.
فَيُقَالُ لَهُ: زَعَمْتَ أَنْ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى﴾ [البقرة: 29] أَقْبَلَ، أَفَكَانَ مُدْبِرًا عَنِ السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقْبَالِ فِعْلٍ وَلَكِنَّهُ إِقْبَالُ تَدْبِيرٍ، قِيلَ لَهُ: فَكَذَلِكَ فَقُلْ: عَلَا عَلَيْهَا عُلُوَّ مُلْكٍ وَسُلْطَانٍ لَا عُلُوَّ انْتِقَالٍ وَزَوَالٍ.
ثُمَّ لَنْ يَقُولُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ، وَلَوْلَا أَنَّا كَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ لَأَنْبَأْنَا عَنْ فَسَادِ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ قَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا لِقَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ فِيهِ مُخَالِفًا، وَفِيمَا بَيَّنَّا مِنْهُ مَا يَشْرُفُ
بِذِي الْفَهْمِ عَلَى مَا فِيهِ لَهُ الْكِفَايَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَخْبِرْنَا عَنِ اسْتِوَاءِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى السَّمَاءِ، كَانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ أَمْ بَعْدَهُ؟ قِيلَ: بَعْدَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: 11] وَالِاسْتِوَاءُ كَانَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهَا دُخَانًا، وَقَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قَالَ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَلَا سَمَاءَ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: اعْمَلْ هَذَا الثَّوْبَ، وَإِنَّمَا مَعَهُ غَزْلٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: 29] فَإِنَّهُ يَعْنِي هَيَّأَهُنَّ وَخَلَقَهُنَّ وَدَبَّرَهُنَّ وَقَوَّمَهُنَّ، وَالتَّسْوِيَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: التَّقْوِيمُ وَالْإِصْلَاحُ وَالتَّوْطِئَةُ، كَمَا يُقَالُ: سَوَّى فُلَانٌ لِفُلَانٍ هَذَا الْأَمْرَ: إِذَا قَوَّمَهُ وَأَصْلَحَهُ وَوَطَّأَهُ لَهُ.
فَكَذَلِكَ تَسْوِيَةُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَمَوَاتِهِ: تَقْوِيمُهُ إِيَّاهُنَّ عَلَى مَشَيِئَتِهِ، وَتَدْبِيرُهُ لَهُنَّ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَتَفْتِيقُهُنَّ بَعْدَ ارْتِتَاقِهِنَّ
كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ يَقُولُ: سَوَّى خَلْقَهُنَّ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: 29] فَأَخْرَجَ مَكْنِيَّهُنَّ مَخْرَجَ مَكْنِيِّ الْجَمْعِ.
وَقَدْ قَالَ قَبْلُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] فَأَخْرَجَهَا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَاحِدِ.
وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مَكْنِيَّهُنَّ مَخْرَجَ مَكْنِيِّ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ جَمْعٌ وَاحِدُهَا سَمَاوَةٌ، فَتَقَدِيرُ وَاحِدَتِهَا وَجَمْعِهَا إِذًا تَقْدِيرُ بَقَرَةٍ وَبَقَرٌ وَنَخْلَةٌ وَنَخْلٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ وَلِذَلِكَ أُنِّثَتْ مَرَّةً، فَقِيلَ: هَذِهِ سَمَاءٌ، وَذُكِّرَتْ أُخْرَى فَقِيلَ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ الَّذِي لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ غَيْرَ دُخُولِ الْهَاءِ وَخُرُوجِهَا، فَيُقَالُ: هَذَا بَقَرٌ وَهَذِهِ بَقَرٌ، وَهَذَا نَخْلٌ وَهَذِهِ نَخْلٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ السَّمَاءَ وَاحِدَةٌ، غَيْرَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى السَّمَوَاتِ، فَقِيلَ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: 29] يُرَادُ بِذَلِكَ الَّتِي ذَكَرْتُ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ السَّمَوَاتِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ مَعَهَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا تُذَكَّرُ إِذَا ذُكِّرَتْ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، فَيُقَالُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] كَمَا يُذَكَّرُ الْمُؤَنَّثُ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر المتقارب]
فَلَا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلَا أَرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالُهَا
وَكَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر المتقارب]
فَإِمَّا تَرَيْ لِمَّتِي بُدِّلَتْ ... فَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَزْرَى بِهَا
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: السَّمَاءُ وَإِنْ كَانَتْ سَمَاءٌ فَوْقَ سَمَاءٍ، وَأَرْضًا فَوْقَ أَرْضٍ، فَهِيَ فِي التَّأْوِيلِ وَاحِدَةٌ إِنْ شِئْتَ، ثُمَّ تَكُونُ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ جِمَاعًا، كَمَا يُقَالُ: ثَوْبٌ
أَخْلَاقٌ وَأَسْمَالٌ، وَبُرْمَةٌ أَعْشَارٌ لِلْمُتَكَسِّرَةِ، وَبُرْمَةٌ أَكْسَارٌ وَأَجْبَارٌ، وَأَخْلَاقٌ: أَيْ أَنَّ نَوَاحِيَهُ أَخْلَاقٌ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِنَّكَ قَدْ قُلْتَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ قَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ، ثُمَّ سَوَّاهَا سَبْعًا بَعْدَ اسْتِوَائِهِ إِلَيْهَا، فَكَيْفَ زَعَمْتَ أَنَّهَا جِمَاعٌ؟ قِيلَ: إِنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعًا غَيْرَ مُسْتَوِيَاتٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعًا
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: " كَانَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ الظُّلْمَةَ لَيْلًا أَسْوَدَ مُظْلِمًا، وَجَعَلَ النُّورَ نَهَارًا مُضِيئًا مُبْصِرًا، ثُمَّ سَمَكَ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ مِنْ دُخَانٍ، يُقَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ دُخَانِ الْمَاءِ، حَتَّى اسْتَقْلَلْنَ وَلَمْ يَحْبُكْهُنَّ، وَقَدْ أَغْطَشَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، فَجَرَى فِيهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ وَلَا نُجُومٌ، ثُمَّ دَحَى الْأَرْضَ، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ، وَقَدَّرَ فِيهَا الْأَقْوَاتَ، وَبَثَّ فِيهَا مَا أَرَادَ مِنَ الْخَلْقِ، فَفَرَغَ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا قَدَّرَ فِيهَا مِنْ أَقْوَاتِهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ كَمَا قَالَ فَحَبَكَهُنَّ، وَجَعَلَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا وَنُجُومَهَا، وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا،
فَأَكْمَلَ خَلْقَهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ.
فَفَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: 11] لِمَا أَرَدْتُ بِكُمَا، فَاطْمَئِنَّا عَلَيْهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، قَالَتَا: أَتَيْنَا طَائِعِينَ " فَقَدْ أَخْبَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ خَلْقِهِ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَهُنَّ سَبْعٌ مِنْ دُخَانٍ، فَسَوَّاهُنَّ كَمَا وَصَفَ.
وَإِنَّمَا اسْتَشْهَدْنَا لِقَوْلِنَا الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ أَوْضَحُ بَيَانًا عَنْ خَبَرِ السَّمَوَاتِ أَنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعًا مِنْ دُخَانٍ قَبْلَ اسْتِوَاءِ رَبِّنَا إِلَيْهَا بِتَسْوِيَتِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَحْسَنُ شَرْحًا لِمَا أَرَدْنَا الِاسْتِدْلَالَ بِهِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى السَّمَاءِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] بِمَعْنَى الْجَمْعِ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: 29] إِذْ كَانَتِ السَّمَاءُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا صِفَةُ تَسْوِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ السَّمَوَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: 29] إِذْ كُنَّ قَدْ خُلِقْنَ سَبْعًا قَبْلَ تَسْوِيَتِهِ إِيَّاهُنَّ؟ وَمَا وَجْهُ ذِكْرِ خَلْقِهِنَّ بَعْدَ ذِكْرِ خَلْقِ الْأَرْضِ، أَلِأَنَّهَا خُلِقَتْ قَبْلَهَا، أَمْ بِمَعْنَى غَيْرِ ذَلِكَ؟ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَنَزِيدُ ذَلِكَ تَوْكِيدًا بِمَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ أَخْبَارِ بَعْضِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقْوَالِهِمْ
فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانًا، فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسَمَا عَلَيْهِ، فَسَمَّاهُ سَمَاءً، ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَ سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْأَحَدِ وَالْإِثْنَيْنِ، فَخَلَقَ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ، وَالْحُوتُ هُوَ النُّونُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: 1] وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ، وَالصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ فِي الرِّيحِ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَ لُقْمَانُ، لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
فَتَحَرَّكَ الْحُوتُ فَاضْطَرَبَ، فَتَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ، فَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَ فَقَرَّتْ، فَالْجِبَالُ تَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمُ﴾ [النحل: 15] وَخَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا وَأَقْوَاتَ أَهْلِهَا وَشَجَرَهَا وَمَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمَيْنِ فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: 10] يَقُولُ: أَنْبَتَ شَجَرَهَا ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] يَقُولُ
أَقْوَاتَهَا لِأَهْلِهَا ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] يَقُولُ: قُلْ لِمَنْ يَسْأَلُكَ هَكَذَا الْأَمْرُ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] وَكَانَ ذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْ تَنَفُّسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ، فَجَعَلَهَا سَمَاءً وَاحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12] قَالَ: خَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا، مِنَ الْبِحَارِ وَجِبَالِ الْبَرَدِ وَمَا لَا يُعْلَمُ.
ثُمَّ زَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِالْكَوَاكِبِ، فَجَعَلَهَا زِينَةً وَحِفْظًا تَحْفَظُ مِنَ الشَّيَاطِينِ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يَقُولُ: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُما﴾ [الأنبياء: 30] "
وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] قَالَ: خَلَقَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قَالَ: بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، وَسَبْعَ أَرَضِينَ بَعْضُهُنَّ تَحْتَ
بَعْضٍ "
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قَالَ: بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ "
وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ حَيْثُ ذَكَرَ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّمَاءَ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْضَ بِأَقْوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْحُوَهَا قَبْلَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: " أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَدَأَ الْخَلْقَ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَخَلَقَ الْأَرَضِينَ فِي الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْأَقْوَاتَ وَالرَّوَاسِي فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ فِي الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، وَفَرَغَ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَخَلَقَ فِيهَا آدَمَ عَلَى عَجَلٍ؛ فَتِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيهَا السَّاعَةُ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ، فَخَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَسَخَّرَهُ لَكُمْ تَفَضُّلًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ، لِيَكُونَ لَكُمْ بَلَاغًا فِي دُنْيَاكُمْ، وَمَتَاعًا إِلَى مُوَافَاةِ آجَالِكُمْ، وَدَلِيلًا لَكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّكُمْ.
ثُمَّ عَلَا إِلَى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَهِيَ دُخَانٌ، فَسَوَّاهُنَّ وَحَبَكَهُنَّ، وَأَجْرَى فِي بَعْضِهِنَّ شَمْسَهُ وَقَمَرَهُ وَنُجُومَهُ، وَقَدَّرَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَا قَدَّرَ مِنْ خَلْقِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَهُوَ﴾ [البقرة: 29] نَفْسِهِ وَبِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29] أَنَّ الَّذِيَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَسَوَّى السَّمَوَاتِ السَّبْعَ بِمَا فِيهِنَّ، فَأَحْكَمَهُنَّ مِنْ دُخَانِ الْمَاءِ وَأَتْقَنَ صُنْعَهُنَّ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ وَالْمُلْحِدُونَ الْكَافِرُونَ
بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَا تَبْدُوَنَ وَمَا تَكْتُمُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَإِنْ أَبْدَى مُنَافِقُوكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَوْلَهُمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 8] وَهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ بِهِ مُنْطَوُونَ.
وَكَذَّبَتْ أَحْبَارُكُمْ بِمَا أَتَاهُمْ بِهِ رَسُولِي مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ وَهُمْ بِصِحَّتِهِ عَارِفُونَ، وَجَحَدُوا وَكَتَمُوا مَا
قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْهِمْ بِبَيَانِهِ لِخَلْقِي مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ وَنُبُوَّتِهِ الْمَوَاثِيقَ، وَهُمْ بِهِ عَالِمُونَ؛ بَلْ أَنَا عَالِمٌ بِذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ، وَأُمُورِ غَيْرِكُمْ، إِنِّي بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29] بِمَعْنَى عَالِمٍ.
وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْعَالِمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: زَعَمَ بَعْضُ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْعِلْمِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: 30] وَقَالَ رَبُّكَ، وَأَنَّ إِذْ مِنَ الْحُرُوفِ الزَّوَائِدِ، وَأَنَّ مَعْنَاهَا الْحَذْفُ.
وَاعْتَلَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي وَصَفْنَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِبَيْتِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:
[البحر الكامل]
فَإِذَا وَذَلِكَ لَا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بِفَسَادِ
ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَاهَا: وَذَلِكَ لَا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ.
وَبِبَيْتِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ رِبْعٍ الْهُذَلِيِّ:
[البحر البسيط]
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
وَقَالَ: مَعْنَاهُ: حَتَّى أَسْلَكُوهُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ «إِذْ» حَرْفُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَجْهُولٍ مِنَ الْوَقْتِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ إِبْطَالُ حَرْفٍ كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَعْنَى فِي الْكَلَامِ.
إِذْ سَوَاءٌ قِيلُ قَائِلٍ هُوَ بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ، وَهُوَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى مَعْنَى مَفْهُومٍ.
وَقِيلِ آخَرَ فِي جَمِيعِ الْكَلَامِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ دَلِيلًا عَلَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ.
وَلَيْسَ لِمُدَّعِي الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ فِي بَيْتِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ، أَنَّ إِذَا بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ؛ بَلْ ذَلِكَ لَوْ حُذِفَ مِنَ الْكَلَامِ لَبَطَلَ الْمَعْنَى
الَّذِي أَرَادَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ مِنْ قَوْلِهِ:
فَإِذَا وَذَلِكَ لَا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ
وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَمَا مَضَى مِنْ عَيْشِنَا.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ مِنْ عَيْشِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ لَامَهَاهَ لِذِكْرِهِ، يَعْنِي لَا طَعْمَ لَهُ وَلَا فَضْلَ، لِإِعْقَابِ الدَّهْرِ صَالِحَ ذَلِكَ بِفَسَادٍ.
وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ رِبْعٍ:
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
لَوْ أُسْقِطَ مِنْهُ إِذَا بَطَلَ مَعْنَى الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدَةٍ سَلَكُوا شَلًّا.
فَدَلَّ قَوْلُهُ: أَسْلَكُوهُمْ شَلًّا عَلَى مَعْنَى الْمَحْذُوفِ، فَاسْتُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ بِدَلَالَةِ إِذَا عَلَيْهِ، فَحُذِفَ.
كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا عَلَى مَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ، وَكَمَا قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
[البحر المتقارب]
فَإِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوْفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا
وَهُوَ يُرِيدُ: أَيْنَمَا ذَهَبَ.
وَكَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَتَيْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ؛ تُرِيدُ:
مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ.
فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي إِذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: إِذَا أَكْرَمَكَ أَخُوكَ فَأَكْرِمْهُ وَإِذَا لَا فَلَا؛ يُرِيدُ: وَإِذَا لَمْ يُكْرِمْكَ فَلَا تُكْرِمْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الكامل]
فَإِذَا وَذَلِكَ لَا يَضُرُّكُ ضُرُّهُ ... فِي يَوْمِ أَسْأَلُ نَائِلًا أَوْ أُنْكَدُ
نَظِيرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَى فِي بَيْتِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ.
وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 30] لَوْ أُبْطِلَتْ إِذْ وَحُذِفَتْ مِنَ الْكَلَامِ، لَاسْتَحَالَ عَنْ مَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ بِهِ وَفِيهِ إِذْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ وَمَا الْجَالِبُ لِإِذْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ قَبْلَهُ مَا يُعْطَفُ بِهِ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي بَعْدَهَا مُوَبِّخُهُمْ مُقَبِّحًا إِلَيْهِمْ سُوءَ فِعَالِهِمْ وَمَقَامِهِمْ عَلَى ضَلَالِهِمْ مَعَ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافِهِمْ، وَمُذَكِّرُهُمْ بِتَعْدِيدِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافِهِمْ بَأْسَهُ أَنْ يَسْلُكُوا سَبِيلَ مَنْ هَلَكَ مِنْ أَسْلَافِهِمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَيَسْلُكُ بِهِمْ سَبِيلَهُمْ فِي
عُقُوبَتِهِ؛ وَمُعَرِّفُهُمْ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ تَعَطُّفُهِ عَلَى التَّائِبِ مِنْهُمُ اسْتِعْتَابًا مِنْهُ لَهُمْ.
فَكَانَ مِمَّا عَدَّدَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَسَخَّرَ لَهُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ مِنْ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهَا الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ وَلِسَائِرِ بَنِي آدَمَ مَعَهُمْ مَنَافِعَ، فَكَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28] مَعْنَى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، إِذْ خَلَقْتُكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، وَخَلَقْتُ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَسَوَّيْتُ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاءِ.
ثُمَّ عَطَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 30] عَلَى الْمَعْنَى الْمُقْتَضَى بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28] إِذْ كَانَ مُقْتَضِيًا مَا وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي إِذْ فَعَلْتُ بِكُمْ وَفَعَلْتُ، وَاذْكُرُوا فِعْلِي بِأَبِيكُمْ آدَمَ، إِذْ قُلْتُ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ نَظِيرٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ نَعْلَمُ بِهِ صِحَّةَ مَا قُلْتَ؟ قِيلَ: نَعَمْ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
أَجِدِّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْلَبَاتٍ ... وَلَا بَيْدَانَ نَاجِيَةً ذَمُولَا
وَلَا مُتَدَارَكٍ وَالشَّمْسُ طِفْلٌ ... بِبَعْضِ نَوَاشِغِ الْوَادِي حُمُولَا
فَقَالَ: وَلَا مُتَدَارَكٍ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِعْلٌ بِلَفْظِهِ يُعْطَفُ عَلَيْهِ، وَلَا حَرْفٌ مُعْرَبٌ إِعْرَابَهُ فَيُرَدُّ مُتَدَارَكٌ عَلَيْهِ فِي إِعْرَابِهِ.
وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَهُ فِعْلٌ مَجْحُودٌ بِلَنْ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ فِي الْكَلَامِ وَعَلَى الْمَحْذُوفِ، اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ عَنْ إِظْهَارِ مَا حَذَفَ، وَعَامَلَ الْكَلَامَ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ مُعَامَلَتَهُ أَنْ لَوَ كَانَ مَا هُوَ مَحْذُوفٌ مِنْهُ ظَاهِرًا.
لِأَنَّ قَوْلَهُ:
أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَاتٍ
بِمَعْنَى: أَجِدَّكَ لَسْتَ بِرَاءٍ، فَرَدَّ مُتَدَارَكًا عَلَى مَوْضِعِ تَرَى كَأَنَّ لَسْتَ وَالْبَاءَ مَوْجُودَتَانِ فِي الْكَلَامِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: 30] لَمَّا سَلَفَ قَبْلَهُ تَذْكِيرُ اللَّهِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ مَا سَلَفَ قِبَلَهُمْ وَقِبَلَ آبَائِهِمْ مِنْ أَيَادِيهِ وَآلَائِهِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 30] مَعَ مَا بَعْدَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَهَا عَلَيْهِمْ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى مَوَاقِعِهَا، رَدَّ إِذْ عَلَى مَوْضِعِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: اذْكُرُوا هَذِهِ مِنْ نِعَمِي، وَهَذِهِ الَّتِي قُلْتُ فِيهَا لِلْمَلَائِكَةِ.
فَلَمَّا كَانَتِ الْأُولَى مُقْتَضِيَةً إِذْ عَطَفَ
بِإِذْ عَلَى مَوْضِعِهَا فِي الْأُولَى كَمَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ فِي وَلَا مُتَدَارَكٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 30] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْمَلَائِكَةُ جَمْعُ مَلَكٍ، غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَهُمْ بِغَيْرِ الْهَمْزِ أَكْثَرُ وَأَشْهُرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْهُ بِالْهَمْزِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي وَاحِدِهِمْ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَ مِنْهُ، وَيُحَرِّكُونَ اللَّامَ الَّتِي كَانَتْ مُسَكَّنَةً لَوْ هُمِزَ الِاسْمُ.
وَإِنَّمَا
يُحَرِّكُونَهَا بِالْفَتْحِ، لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ الَّتِي فِيهِ بِسُقُوطِهَا إِلَى الْحَرْفِ السَّاكِنِ قَبْلَهَا، فَإِذَا جَمَعُوا وَاحِدَهُمْ رَدُّوا الْجَمْعَ إِلَى الْأَصْلِ وَهَمَزُوا، فَقَالُوا: مَلَائِكَةٌ.
وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ نَحْوَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي كَلَامِهَا، فَتَتْرُكُ الْهَمْزَ فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ مَهْمُوزَةٌ فَيَجْرِي كَلَامُهُمْ بِتَرْكِ هَمْزِهَا فِي حَالٍ، وَبِهَمْزِهَا فِي أُخْرَى، كَقَوْلِهِمْ: رَأَيْتُ فُلَانًا، فَجَرَى كَلَامُهُمْ بِهَمْزِ رَأَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: نَرَى وَتَرَى وَيَرَى، فَجَرَى كَلَامُهُمْ فِي يَفْعَلُ وَنَظَائِرِهَا بِتَرْكِ الْهَمْزِ، حَتَّى صَارَ الْهَمْزُ مَعَهَا شَاذًّا مَعَ كَوْنِ الْهَمْزِ فِيهَا أَصْلًا.
فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَلَكٍ وَمَلَائِكَةٍ، جَرَى كَلَامُهُمْ بِتَرْكِ الْهَمْزِ مِنْ وَاحِدِهِمْ، وَبِالْهَمْزِ
فِي جَمِيعِهِمْ.
وَرُبَّمَا جَاءَ الْوَاحِدُ مَهْمُوزًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَلَسْتَ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمِلْأَكٍ ... تَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
وَقَدْ يُقَالُ فِي وَاحِدِهِمْ: مَأْلَكٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: جَبَذَ وَجَذَبَ، وَشَأْمَلَ وَشَمْأَلَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَقْلُوبَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ يَجِبُ إِذَا سُمِّيَ وَاحِدُهُمْ مَأْلَكٌ، أَنْ يُجْمَعَ إِذْ جُمِعَ عَلَى ذَلِكَ: مَالِكٌ، وَلَسْتُ أَحْفَظُ جَمْعَهُمْ كَذَلِكَ سَمَاعًا، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَجْمَعُونَ مَلَائِكَ وَمَلَائِكَةً، كَمَا يُجْمَعُ أَشْعَثُ: أَشَاعِثُ وَأَشَاعِثَةُ، وَمَسْمَعٌ: مَسَامِعٌ وَمَسَامِعَةٌ.
قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي جَمْعِهِمْ كَذَلِكَ:
[البحر الوافر]
وَفِيهَا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَوْمٌ ... مَلَائِكُ ذَلَّلُوا وَهُمْ صِعَابُ
وَأَصْلُ الْمَلَأْكِ: الرِّسَالَةُ، كَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعِبَادِيُّ
:
[البحر الرمل]
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلْأَكًا ... أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي
وَقَدْ يُنْشَدُ مَأْلَكًا عَلَى اللُّغَةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ قَالَ: مَلْأَكًا، فَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ لَأَكَ إِلَيْهِ يَلْأَكُ: إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً مَلْأَكَةً.
وَمَنْ قَالَ: مَأْلَكًا، فَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ أَلَكْتُ إِلَيْهِ آلِكُ: إِذَا أَرْسَلْتُ إِلَيْهِ مَأْلَكَةً وَأَلُوكًا، كَمَا قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
[البحر الرمل]
وَغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بَأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
فَهَذَا مِنْ أَلَكْتُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ:
[البحر الوافر]
أَلِكْنِي يَا عُيَيْنُ إِلَيْكَ قَوْلًا ... سَتُهْدِيهِ الرُّوَاةُ إِلَيْكَ عَنِّي
وَقَالَ عَبْدُ بَنِي الْحَسْحَاسِ:
[البحر الطويل]
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتَى ... بِآيَةٍ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا
يَعْنِي بِذَلِكَ: أَبْلِغْهَا رِسَالَتِي.
فَسُمِّيَتِ الْمَلَائِكَةُ مَلَائِكَةً بِالرِّسَالَةِ، لِأَنَّهَا رُسُلُ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ وَمَنْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ