تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 7-17

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: 59] الَّذِينَ فَعَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِعْلُهُ

صفحات 7-17
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «ذَلِكَ فِي التِّيهِ، ضَرَبَ لَهُمْ مُوسَى الْحَجَرَ، فَصَارَ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا مِنْ مَاءٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا»

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60] لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ فِي تِيهِهِمْ حِينَ تَاهُوا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " قَوْلُهُ: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: 60] قَالَ: خَافُوا الظَّمَأَ فِي تِيهِهِمْ حِينَ تَاهُوا، فَانْفَجَرَ لَهُمُ الْحَجَرُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ضَرَبَهُ مُوسَى "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْأَسْبَاطُ: بَنُو يَعْقُوبَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَدَ

سِبْطًا أُمَّةً مِنَ النَّاسِ "

وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " اسْتَسْقَى لَهُمْ مُوسَى فِي التِّيهِ، فَسُقُوا فِي حَجَرٍ مِثْلِ رَأْسِ الشَّاةِ.
قَالَ: يُلْقُونَهُ فِي جَوَانِبِ الْجَوَالِقِ إِذَا ارْتَحِلُوا، وَيَقْرَعُهُ مُوسَى بِالْعَصَا إِذَا نَزَلَ، فَتَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ.
فَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَشْرَبُونَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الرَّحِيلُ اسْتَمْسَكِتِ الْعُيُونُ، وَقِيلَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي جَانِبِ الْجَوَالِقِ، فَإِذَا نَزَلَ رُمِيَ بِهِ.
فَقَرَعَهُ بِالْعَصَا، فَتَفَجَّرَتْ عَيْنٌ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مِثْلَ الْبَحْرِ "

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «كَانَ ذَلِكَ فِي التِّيهِ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60] فَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُمْ فِي الَّذِي أَخْرَجَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمْ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صِفَتَهُ مِنَ الشُّرْبِ كَانَ مُخَالِفًا مَعَانِي سَائِرِ الْخَلْقِ فِيمَا أَخْرَجَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْمِيَاهِ مِنَ الْجِبَالِ وَالْأَرَضِينَ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا سِوَى

اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ جَعَلَ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنَ الْأَسْبَاطِ الِاثْنَيْ عَشَرَ

عَيْنًا مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَشْرَبُ مِنْهَا دُونَ سَائِرِ الْأَسْبَاطِ غَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ سِبْطٌ مِنْهُمْ فِي شُرْبِ سِبْطٍ غَيْرِهِ.
وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لِكُلِّ عَيْنٍ مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَوْضِعٌ مِنَ الْحَجَرِ قَدْ عَرَفَهُ السِّبْطُ الَّذِي مِنْهُ شِرْبُهُ؛ فَلِذَلِكَ خَصَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَؤُلَاءِ بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّ كُلَّ أُنَاسٍ مِنْهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِمَشْرَبِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، إِذْ كَانَ غَيْرُهُمْ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ شُرَكَاءَ فِي مَنَابِعِهِ وَمَسَايِلِهِ، وَكَانَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مُفْرَدًا بِشُرْبِ مَنْبَعٍ مِنْ مَنَابِعِ الْحَجَرِ دُونَ سَائِرِ مَنَابِعِهِ خَاصٍّ لَهُمْ دُونَ سَائِرِ الْأَسْبَاطِ غَيْرِهِمْ فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّ كُلَّ أُنَاسٍ مِنْهُمْ قَدْ عَلِمُوا مَشْرَبَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 60] وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اسْتَغْنَى بِذِكْرِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْهُ عَنْ ذِكْرِهِ مَا تَرَكَ ذِكْرَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: 60] فَضَرَبَهُ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ

اللَّهِ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَكْلِ مَا رَزَقَهُمْ فِي التِّيهِ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَبِشُرْبِ مَا فَجَّرَ لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ الْمُتَعَاوِرِ الَّذِي لَا قَرَارِ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا لِمَالِكِيهِ، يَتَدَفَّقُ بِعُيُونِ الْمَاءِ وَيَزْخَرُ بِيَنَابِيعِ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ بِقُدْرَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

ثُمَّ تَقَدَّمَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَيْهِمْ مَعَ إِبَاحَتِهِمْ مَا أَبَاحَ وَإِنْعَامِهِ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَيْشِ الْهَنِيءِ، بِالنَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَالْعَثَا فِيهَا اسْتِكْبَارًا، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ [البقرة: 60] لَا تَطْغَوْا، وَلَا تَسْعَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

كَمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] يَقُولُ: لَا تَسْعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] لَا تَعْثُ: لَا تَطْغَ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] أَيْ لَا تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ

عَبَّاسٍ: " ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] لَا تَسْعَوْا فِي الْأَرْضِ " وَأَصْلُ الْعَثَا شِدَّةُ الْإِفْسَادِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ الْإِفْسَادِ.
يُقَالُ مِنْهُ: عَثَى فُلَانٌ فِي الْأَرْضِ: إِذَا تَجَاوَزَ فِي الْإِفْسَادِ إِلَى غَايَتِهِ، يَعْثَى عَثًا مَقْصُورٌ، وَلِلْجَمَاعَةِ: هُمْ يَعْثُونَ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ: إِحْدَاهُمَا عَثَا يَعْثُو عُثُوًّا؛ وَمَنْ قَرَأَهَا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَضُمَّ الثَّاءَ مِنْ يَعْثُو، وَلَا نَعْلَمُ قَارِئًا يُقْتَدَى بِقِرَاءَتِهِ قَرَأَ بِهِ.
وَمَنْ نَطَقَ بِهَذِهِ اللُّغَةِ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: عَثَوْتُ أَعْثُو، وَمَنْ نَطَقَ بِاللُّغَةِ الْأُولَى، قَالَ: عَثَيْتُ أَعْثِي، وَالْأُخْرَى مِنْهُمَا عَاثٍ يَعِيثُ عَيْثًا وَعُيُوثًا وَعِيثَانًا، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَمِنَ الْعَيْثِ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ: وَعَاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ ... مُصَدِّقٌ أَوْ تَاجِرٌ مُقَاعِثُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَاثَ فِينَا: أَفْسَدَ فِينَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾

قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى مَعْنَى الصَّبْرِ، وَأَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ وَحَبْسُهَا عَنِ الشَّيْءِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: وَاذْكُرُوا إِذْ قُلْتُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَنْ نُطِيقَ حَبْسَ أَنْفُسِنَا عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ الطَّعَامُ الْوَاحِدُ هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَطْعَمَهُمُوهُ فِي تِيهِهِمْ وَهُوَ السَّلْوَى فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَفِي قَوْلِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ هُوَ الْخُبْزُ النَّقِيُّ مَعَ اللَّحْمِ، فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنَ الْبَقْلِ وَالْقِثَّاءِ.
وَمَا سَمَّى اللَّهُ مَعَ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ مُوسَى.
وَكَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ مُوسَى ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا

مَا حَدَّثَنَا بِهِ، بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61] قَالَ: كَانَ الْقَوْمُ فِي الْبَرِيَّةِ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى، فَمَلُّوا ذَلِكَ، وَذَكَرُوا عَيْشًا كَانَ لَهُمْ بِمِصْرَ، فَسَأَلُوهُ مُوسَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61] "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61] قَالَ: مَلُّوا طَعَامَهُمْ، وَذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالُوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَخْرُجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61] قَالَ: كَانَ طَعَامُهُمُ السَّلْوَى، وَشَرَابُهُمُ الْمَنَّ، فَسَأَلُوا مَا ذَكَرَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوا الشَّأْمَ فَقَدُوا أَطْعِمَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَهَا، فَقَالُوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَخْرُجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: 61] وَكَانُوا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى، فَمَلُّوا ذَلِكَ، وَذَكَرُوا عَيْشًا كَانُوا فِيهِ بِمِصْرَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ: " فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61] الْمَنُّ وَالسَّلْوَى، فَاسْتَبْدَلُوا بِهِ الْبَقْلَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِمِثْلِهِ سَوَاءً حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " أُعْطُوا فِي التِّيهِ مَا أُعْطُوا، فَمَلُّوا ذَلِكَ وَقَالُوا: ﴿يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: 61] "

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ: " كَانَ طَعَامُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ وَاحِدًا، وَشَرَابُهُمْ وَاحِدًا، كَانَ شَرَابُهُمْ عَسَلًا يَنْزِلُ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ الْمَنُّ، وَطَعَامُهُمْ طَيْرٌ يُقَالُ لَهُ السَّلْوَى، يَأْكُلُونَ الطَّيْرَ وَيَشْرَبُونَ الْعَسَلَ، لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ خُبْزًا وَلَا غَيْرَهُ.
فَقَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا.
فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61] " وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 61] وَلَمْ يَذْكُرِ الَّذِي سَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ لِيُخْرِجَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَقُولُ: قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا كَذَا وَكَذَا مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا، لِأَنَّ مِنْ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ لِمَا بَعْدَهَا، فَاكْتُفِيَ بِهَا عَنْ ذِكْرِ التَّبْعِيضِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا بِدُخُولِهَا مَعْنَى مَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ الَّذِي هِيَ فِيهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَصْبَحَ الْيَوْمَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنَ الطَّعَامِ يُرِيدُ شَيْئًا مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ هَهُنَا بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ وَالْإِسْقَاطِ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: يُخْرِجْ لَنَا مَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا.
وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: مَا

رَأَيْتُ مِنْ أَحَدٍ، بِمَعْنَى: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا، وَبُقُولِ اللَّهِ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271] وَبِقَوْلِهِمْ: قَدْ كَانَ مِنْ حَدِيثٍ، فَخَلِّ عَنِّي حَتَّى أَذْهَبَ، يُرِيدُونَ: قَدْ كَانَ حَدِيثٌ.
وَقَدْ أَنْكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ جَمَاعَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَادَّعَوْا أَنَّ دُخُولَهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَخَلَتْ فِيهِ مُؤْذِنٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَرِيدٌ لِبَعْضِ مَا أُدْخِلَتْ فِيهِ لَا جَمِيعِهِ، وَأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَمْرِ مَنْ ذَكَرْنَا: فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا بَعْضَ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا.
وَالْبَقْلُ وَالْقِثَّاءُ وَالْعَدَسُ وَالْبَصَلُ، هُوَ مَا قَدْ عَرَفَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَحَبِّهَا.
وَأَمَّا الْفُومُ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحِنْطَةُ وَالْخُبْزُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، وَمُؤَمَّلٌ، قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " الْفُومُ: الْخُبْزُ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ: " قَوْلُهُ: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] قَالَا: خُبْزُهَا "

حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] قَالَ: الْخُبْزُ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ: " الْفُومُ: هُوَ الْحَبُّ الَّذِي يَخْتَبِزُهُ النَّاسُ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] قَالَ: الْحِنْطَةُ "

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] الْحِنْطَةُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] الْحِنْطَةُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " الْفُومُ: الْحَبُّ الَّذِي يَخْتَبِزُ النَّاسُ مِنْهُ "

حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: " قَوْلُهُ: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] قَالَ: خُبْزُهَا " قَالَهَا مُجَاهِدٌ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ زَيْدٍ: " الْفُومُ: الْخُبْزُ "

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ السَّهْمِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] يَقُولُ: الْحِنْطَةُ وَالْخُبْزُ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: ثنا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: 61] قَالَ: هُوَ الْبُرُّ بِعَيْنِهِ الْحِنْطَةُ "

جارٍ التحميل