تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 106-120

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا

صفحات 106-120
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَاعِنَا﴾ [النساء: 46] أَيْ رَاعِنَا سَمْعَكَ , افْهَمْ عَنَّا وَأَفْهِمْنَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِأَدِلَّتِهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: 46] يَعْنِي: تَحْرِيكًا مِنْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِتَحْرِيفٍ مِنْهُمْ لِمَعْنَاهُ إِلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ مَعْنَيَيْهِ , وَاسْتِخْفَافًا مِنْهُمْ بِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: 46] كَمَا:

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتِ الْيَهُودُ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَاعِنَا سَمْعَكَ.
يسْتَهْزِئُونَ بِذَلِكَ , فَكَانَتِ الْيَهُودُ قَبِيحَةً , فَقَالَ: رَاعِنَا سَمْعَكَ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ؛ وَاللَّيُّ: تَحْرِيكُهُمْ أَلْسِنَتَهُمْ بِذَلِكَ ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: 46] "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: 46] كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُ: أَرْعِنِي سَمْعَكَ.
يلْوِي بِذَلِكَ لِسَانَهُ , يَعْنِي: يُحَرِّفُ مَعْنَاهُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ

أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46] إِلَى: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: 46] فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ وَيَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَطْعَنُونَ فِي الدِّينِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: 46] قَالَ: " ﴿رَاعِنَا﴾ [النساء: 46] طَعْنُهُمْ فِي الدِّينِ , وَلِيُّهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ لِيُبْطِلُوهُ وَيُكَذِّبُوهُ.
قَالَ: وَالرَّاعِنُ: الْخَطَأُ مِنَ الْكَلَامِ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ , قَالَ: ثنا بِشْرٌ , ثنا: أَبُو رَوْقٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: 46] قَالَ: «تَحْرِيفًا بِالْكَذِبِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقُومَ﴾ [النساء: 46] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ قَالُوا لِنَبِيِّ اللَّهِ: سَمِعْنَا يَا مُحَمَّدُ قَوْلَكَ , وَأَطَعْنَا أَمْرَكَ , وَقَبِلْنَا مَا جِئْتَنَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَاسْمَعْ مِنَّا

, وَانْظُرْنَا مَا نَقُولُ , وَانْتَظِرْنَا نَفْهَمْ عَنْكَ مَا تَقُولُ لَنَا ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: 46] يَقُولُ: " لَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمَ , يَقُولُ: وَأَعْدَلَ وَأَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ.
وَهُوَ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأَقْوَمَ قِيلًا﴾ [المزمل: 6] بِمَعْنَى: وَأَصْوَبُ قِيلًا.
كَمَا:

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ

: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: 46] قَالَ: " يَقُولُونَ: اسْمَعْ مِنَّا فَإِنَّا قَدْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وَانْظُرْنَا فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ , عَنْ أَبِي حَمْزَةَ , عَنْ جَابِرٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , وَمُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: 46] قَالَ: «اسْمَعْ مِنَّا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: 46] قَالَ: «أَفْهِمْنَا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: 46] قَالَ: «أَفْهِمْنَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ مِنْ تَوْجِيهِهِمَا مَعْنَى: ﴿وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: 46] إِلَى: اسْمَعْ مِنَّا , وَتَوْجِيهِ مُجَاهِدٍ ذَلِكَ إِلَى: أَفْهِمْنَا , مَا لَا نَعْرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى أَفْهِمْنَا: انْتَظِرْنَا نَفْهَمْ مَا تَقُولُ , أَوِ انْتَظِرْنَا نَقُلْ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَّا , فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْنًى مَفْهُومًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ وَلَا تَفْسِيرٍ لَهَا , فَلَا نَعْرِفُ انْظُرْنَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا بِمَعْنَى: انْتَظِرْنَا

وَانْظُرْ إِلَيْنَا , فَأَمَّا انْظُرْنَا بِمَعْنَى انْتَظِرْنَا , فَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ: [البحر البسيط] وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ لَوْ أَنَّ دِرَّتَكُمْ يَوْمًا ... يَجِيءُ بِهَا مَسْحِي وَإِبْسَاسِي وَأَمَّا انْظُرْنَا بِمَعْنَى: انْظُرْ إِلَيْنَا , فَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ: [البحر الخفيف] ظَاهِرَاتُ الْجَمَالِ وَالْحُسْنِ يَنْظُرْ ... نَ كَمَا يَنْظُرُ الْأَرَاكَ الظِّبَاءُ بِمَعْنَى كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الْأَرَاكِ الظِّبَاءُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلَا﴾ [النساء: 46] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْزَى هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَأَقْصَاهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنَ الرُّشْدِ , وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ بِكُفْرِهِمْ , يَعْنِي بِجُحُودِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا

جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 46] يَقُولُ: " فَلَا يُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ , وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ إِلَّا قَلِيلًا , يَقُولُ: لَا يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا.

كَمَا:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 46] قَالَ: «لَا يُؤْمِنُونَ هُمْ إِلَّا قَلِيلًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ بِعِلَلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانْ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: 47] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء: 47] الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ

كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُنْزِلَ إِلَيْهِمُ الْكِتَابُ فَأُعْطُوا الْعِلْمَ بِهِ ﴿آمِنُوا﴾ [البقرة: 9] يَقُولُ: " صَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَى مُحَمَّدٍ مِنَ الْفُرْقَانِ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 41] يَعْنِي: " مُحَقِّقًا لِلَّذِي مَعَكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: طَمْسُهُ إِيَّاهُ: مَحْوُهُ آثَارَهَا حَتَّى تَصِيرَ كَالْأَقْفَاءِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ نَطْمِسَ أَبْصَارَهَا فَنُصَيِّرَهَا عَمْيَاءَ , وَلَكِنَّ الْخَبَرَ خَرَجَ بِذِكْرِ الْوَجْهِ , وَالْمُرَادُ بِهِ بَصَرُهُ ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] فَنَجْعَلَ أَبْصَارَهَا مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثنا عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾ [النساء: 47] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: 47] وَطَمْسُهَا أَنْ تَعْمَى فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا , يَقُولُ: أَنْ نَجْعَلَ وُجُوهَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى وَنَجْعَلَ لِأَحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ فِي قَفَاهُ "

حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْعَبْدِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو قُتَيْبَةَ , عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ , عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] قَالَ: «نَجْعَلُهَا فِي أَقْفَائِهَا فَتَمْشِي عَلَى أَعْقَابِهَا الْقَهْقَرَى» حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: طَمْسُهَا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَقْفَائِهَا

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] قَالَ: «نُحَوِّلُ وُجُوهَهَا قِبَلَ ظُهُورِهَا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نُعْمِيَ قَوْمًا عَنِ الْحَقِّ , فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا فِي الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ نَطْمِسَ , وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] فَنَرُدَّهَا عَنِ الصِّرَاطِ الْحَقِّ , ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] قَالَ: «فِي الضَّلَالَةِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: 47] عَنْ صِرَاطِ الْحَقِّ ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] فِي الضَّلَالَةِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قِرَاءَةً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , قَالَ الْحَسَنُ: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: 47] يَقُولُ: " نَطْمِسَهَا عَنِ الْحَقِّ ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] عَلَى ضَلَالَتِهَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء: 47] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: 47] قَالَ: " نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ.
امَّا ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] يَقُولُ: «فَنُعْمِيَهَا عَنِ الْحَقِّ , وَنُرْجِعَهَا كُفَّارًا»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] يَعْنِي: «أَنْ نَرُدَّهُمْ عَنِ الْهُدَى وَالْبَصِيرَةِ , فَقَدْ رَدَّهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَمْحُوَ آثَارَهُمْ مِنْ وُجُوهِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا وَنَاحِيَتِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا , فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا مِنْ حَيْثِ جَاءُوا مِنْهُ بَدْءًا مِنَ الشَّامِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] قَالَ: " كَانَ أَبِي يَقُولُ: إِلَى الشَّامِ "

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَمْحُوَ آثَارَهَا وَنُسَوِّيَهَا , فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا بِأَنْ نَجْعَلَ الْوُجُوهَ مَنَابِتَ الشَّعْرِ , كَمَا وُجُوهُ الْقِرَدَةِ مَنَابِتُ لِلشَّعْرِ , لِأَنَّ شُعُورَ بَنِي آدَمَ فِي أَدْبَارِ وُجُوهِهِمْ , فَقَالُوا: إِذَا أَنَبْتَ الشَّعْرَ فِي وُجُوهِهِمْ , فَقَدْ رَدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهَا كَالْأَقْفَاءِ وَأَدْبَارِ الْوُجُوهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: 47] مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ أَبْصَارَهَا وَنَمْحُوَ آثَارَهَا فَنُسَوِّيَهَا كَالْأَقْفَاءِ , فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا , فَنَجْعَلَ أَبْصَارَهَا فِي أَدْبَارِهَا , يَعْنِي بِذَلِكَ: فَنَجْعَلَ الْوُجُوهَ فِي أَدْبَارِ الْوُجُوهِ , فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فَنُحَوِّلَ الْوُجُوهَ أَقْفَاءَ , وَالْأَقْفَاءَ وُجُوهًا , فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى , كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطِيَّةُ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْيَهُودَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ [النساء: 44] ثُمَّ حَذَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] الْآيَةُ , بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ , وَتَعْجِيلَ عِقَابِهِ لَهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ , وَلَا شَكَّ

أَنَّهُمْ كَانُوا لِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ يَوْمَئِذٍ كُفَّارًا.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبَيِّنٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنْ نُعْمِيَهَا عَنِ الْحَقِّ فَنَرُدَّهَا فِي الضَّلَالَةَ , فَمَا وَجْهُ رَدِّ مَنْ هُوَ فِي الضَّلَالَةَ فِيهَا؟ وَإِنَّمَا يُرَدُّ فِي الشَّيْءِ مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ , فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهِ فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: يَرُدَّهُ فِيهِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ صَحِيحًا أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَهَدَّدَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِرَدِّهِ وُجُوهَهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ , كَانَ بَيِّنًا فَسَادُ تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ يُهَدِّدُهُمْ بَرْدِهِمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَجْعَلَ الْوُجُوهَ مَنَابِتَ الشَّعْرِ كَهَيْئَةِ وُجُوهِ الْقِرَدَةِ , فَقَوْلٌ لِقَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مُخَالِفٍ , وَكَفَى بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ عَلَى خَطَئِهِ شَاهِدًا.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي هُمْ فِيهَا فَنَرُدَّهُمْ إِلَى الشَّامِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ بِالْحِجَازِ وَنَجْدَ , فَإِنَّهُ , وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ , بَعِيدٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ الْوُجُوهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْأَقْفَاءِ , وَكِتَابُ اللَّهِ يُوَجَّهُ تَأْوِيلُهُ إِلَى

الْأَغْلَبِ فِي كَلَامِ مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُ دَلِيلٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ.
وَأَمَّا الطَّمْسُ: فَهُوَ الْعُفُوُّ وَالدُّثُورُ فِي اسْتِوَاءٍ؛ وَمِنْهُ يُقَالَ: طُمِسَتْ أَعْلَامُ الطَّرِيقِ تُطْمَسُ طُمُوسًا , إِذَا دُثِرَتْ وَتَعَفَّتْ فَانْدَفَنَتْ وَاسْتَوَتْ بِالْأَرْضِ , كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: [البحر البسيط] مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ يَعْنِي بِطَامِسِ الْأَعْلَامِ: دَاثِرَ الْأَعْلَامِ مُنْدَفِنَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْأَعْمَى الَّذِي قَدْ تَعَفَّى غَرُّ مَا بَيْنَ جَفْنَيْ عَيْنَيْهِ فَدُثِرَ: أَعْمَى مَطْمُوسٌ وَطَمِيسٌ , كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: 66] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْغَرُّ: الشِّقُّ الَّذِي بَيْنَ الْجَفْنَيْنِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْتَ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ , فَهَلْ كَانَ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ؟

قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ آمَنَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ , وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ وَأَسَدُ بْنُ سَعْيَةَ , وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ , وَمُخَيْرِقٌ , وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ , فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِإِيْمَانِهِمْ وَمِمَّا يُبَيِّنُ عَنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا صِفَتَهُمْ مَا:

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , جَمِيعًا , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤَسَاءُ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ , مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ فَقَالَ لَهُمْ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ , اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِيَ جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ» فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ , وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا , وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ , عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُغِيرَةِ , قَالَ:

تَذاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ إِسْلَامَ كَعْبٍ , فَقَالَ: أَسْلَمَ كَعْبٌ فِي زَمَانِ عُمَرَ , أَقْبَلَ وَهُوَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ , فَمَرَّ عَلَى الْمَدِينَةِ , فَخَرَجَ إِلَيْهِ عُمَرُ , فَقَالَ: يَا كَعْبُ أَسْلِمْ.
قَالَ: أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ فِي كِتَابِكُمْ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5] وَأَنَا قَدْ حُمِّلْتُ التَّوْرَاةَ.
قَالَ: فَتَرَكَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حِمْصَ قَالَ: فَسَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا حَزِينًا , وَهُوَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] الْآيَةُ , فَقَالَ كَعْبٌ: يَا رَبِّ أَسْلَمْتُ.
مَخَافَةَ أَنْ تُصِيبَهُ الْآيَةُ , ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى أَهْلَهُ بِالْيَمَنِ , ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولَا﴾ [النساء: 47] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ [النساء: 47] أَوْ نَلْعَنَكُمْ , فَنُخْزِيَكُمْ , وَنَجْعَلَكُمْ قِرَدَةً ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: 47] يَقُولُ: " كَمَا أَخْزَيْنَا الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ مِنْ أَسْلَافِكُمْ , قِيلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ:

﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: 47] كَمَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: 22] وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَ أَصْحَابَ الْوُجُوهِ , فَجَعَلَ الْهَاءَ وَالْمِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ [النساء: 47] مِنْ ذِكْرِ

أَصْحَابِ الْوُجُوهِ , إِذْ كَانَ فِي الْكَلَامِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء: 47] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: 47] أَيْ نُحَوِّلُهُمْ قِرَدَةً "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: 47] يَقُولُ: «أَوْ نَجْعَلَهُمْ قِرَدَةً»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: 47] أَوْ نَجْعَلَهُمْ قِرَدَةً "

جارٍ التحميل